كانت علاقة تطوان بأوروبا خلال القرن الثامن عشر علاقة مركبة، تجمع بين الحذر التاريخي والانفتاح التجاري والدبلوماسي. فهذه المدينة، التي حملت في ذاكرتها أثر الهجرة الأندلسية والمورسكية، لم تكن تنظر إلى الأوروبيين نظرة بريئة تماما، لأنهم مثّلوا في شعور ولا شعور عدد من التطوانيين صورة العدو الذي اغتصب الأرض، وأخرج الناس من ديارهم، وحط من كرامتهم.
ومع ذلك، لم يكن الأوروبيون يُعاملون كأعداء دائمين في الحياة اليومية، بل كان العداء يظهر أساسا في ساحات المعارك، أو في سياق أعمال القرصنة البحرية والصراع المتوسطي. أما خارج هذه الحالات، فقد فرضت المصالح التجارية والسياسية نفسها، لتجعل من تطوان خلال القرن الثامن عشر مدينة حوار، وتفاوض، وتبادل، وحضور دبلوماسي أوروبي متزايد.
ومن خلال المعطيات التي أوردها Georg Host في كتابه حول السلطان محمد بن عبد الله، إضافة إلى أخبار القناصل والتجار الأوروبيين، تظهر تطوان في هذا القرن كواحدة من أهم المدن المغربية المنفتحة على أوروبا، ليس فقط من خلال التجارة، بل كذلك من خلال الدبلوماسية وصناعة السفن والتحصينات والمنشآت الاقتصادية.
لا يمكن فهم علاقة تطوان بأوروبا دون استحضار الخلفية الأندلسية للمدينة. فقد تشكل جزء كبير من هويتها من خلال المهاجرين الأندلسيين والمورسكيين الذين حملوا معهم ذاكرة الطرد، والاضطهاد، وفقدان الأرض.
ولهذا ظل الأوروبي، في المخيال التطواني، مرتبطا بصورة تاريخية مؤلمة. فقد كان يمثل القوة التي ساهمت في اقتلاع المسلمين من الأندلس، وفرضت عليهم الهجرة، وهددت كرامتهم ووجودهم.
لكن تطوان، رغم هذه الذاكرة، لم تكن مدينة منغلقة. فقد تعامل أهلها مع الأوروبيين بمنطق واقعي، يفرق بين العدو في الحرب والخصم في البحر من جهة، وبين التاجر والقنصل والمفاوض من جهة أخرى.
وهنا تكمن خصوصية المدينة: ذاكرة حذرة، لكن عقل تجاري ودبلوماسي منفتح.
كان البحر الأبيض المتوسط خلال القرون السابقة مجالا للصراع والقرصنة والتجارة في الوقت نفسه. لذلك، لم تكن علاقة تطوان بأوروبا علاقة سلمية مطلقة، ولا عدائية مطلقة.
ففي زمن الحروب والقرصنة، كان الأوروبيون خصوما وأعداء. أما في زمن التجارة، فقد كانوا شركاء في التبادل، ووسطاء في المصالح، وحاضرين داخل المدينة عبر القناصل والتجار.
وقد ساعد الموقع الجغرافي لتطوان، وقربها من جبل طارق والضفة الأوروبية، على جعلها طرفا أساسيا في هذه العلاقة. فهي مدينة قريبة من أوروبا، لكنها في الوقت نفسه تحمل ذاكرة مقاومة لها.
أدى تطور العلاقات بين تطوان وأوروبا إلى ظهور حضور دبلوماسي أوروبي داخل المدينة. فقد كانت تطوان من المدن المغربية التي استقبلت قناصل أجانب، وهو ما يعكس أهميتها السياسية والتجارية.
وكان أول قنصل معروف بتطوان فرنسيا من مرسيليا يدعى André Prat، وتم تعيينه سنة 1629. ورغم أن هذا التاريخ يسبق القرن الثامن عشر، فإنه يكشف أن الحضور الدبلوماسي الأوروبي في تطوان له جذور مبكرة.
كما أُحدثت القنصلية الإنجليزية بتطوان ما بين 1657 و1658، لكنها لم تكتسب أهميتها الحقيقية إلا مع بداية القرن الثامن عشر، حين أصبحت العلاقات التجارية والسياسية أكثر نشاطا.
وهذا يعني أن تطوان كانت، قبل أوج ازدهارها في القرن الثامن عشر، قد بدأت تكتسب موقعا مهما في شبكة العلاقات المغربية الأوروبية.
من المعطيات الدالة على قوة الحضور الأوروبي في تطوان أنه يمكن إحصاء أكثر من 60 تاجرا أوروبيا كبيرا بين سنتي 1682 و1727.
هذا الرقم مهم، لأنه يكشف أن تطوان لم تكن مجرد نقطة عبور صغيرة، بل كانت مركزا تجاريا جاذبا للتجار الأوروبيين. فقد وجد هؤلاء في المدينة مجالا مناسبا للتعامل التجاري، بفضل موقعها، وحركتها الاقتصادية، وصلاتها بالداخل المغربي وبالبحر المتوسط.
كما أن وجود هذا العدد من التجار يعني أن العلاقة مع أوروبا لم تكن مقتصرة على القناصل والمفاوضات الرسمية، بل امتدت إلى الحياة الاقتصادية اليومية.
إذا كانت تطوان خلال القرن السادس عشر معروفة باعتبارها مدينة الصناعة التقليدية بامتياز، فإنها خلال القرن الثامن عشر أصبحت أكثر بروزا كمدينة للتجارة والمفاوضات.
فقد تطورت وظيفتها من الإنتاج الحرفي المحلي إلى لعب دور وسيط بين المغرب وأوروبا، وبين الداخل المغربي والمجال المتوسطي. وصارت المدينة تستقبل التجار، والقناصل، والسفراء، والسلع، والأخبار، والمفاوضات.
وهذا التحول مهم في تاريخ تطوان، لأنه يبين أن المدينة لم تكن جامدة في وظيفة واحدة، بل كانت تتكيف مع التحولات السياسية والاقتصادية في المنطقة.
يخبرنا Georg Host، في كتابه حول السلطان محمد بن عبد الله، أنه في سنة 1767 كان بتطوان سفير من البندقية. وهذه الإشارة تعكس المكانة الدبلوماسية التي اكتسبتها المدينة في القرن الثامن عشر.
فوجود سفير من البندقية داخل تطوان يدل على أن المدينة كانت حاضرة في حسابات القوى الأوروبية المتوسطية. والبندقية، باعتبارها قوة تجارية بحرية معروفة، لم تكن تهتم بمدينة إلا إذا كانت لها أهمية في الرواج التجاري أو المفاوضات أو العلاقات البحرية.
ومن خلال قراءة كتاب Georg Host، يمكن استنتاج أن تطوان عرفت رواجا اقتصاديا وتجاريا كبيرا خلال القرن الثامن عشر، جعلها واحدة من الحواضر المغربية المهمة في التعامل مع أوروبا.
من أبرز المعطيات التي تكشف أهمية تطوان أن المدينة أصبحت، منذ سنة 1740، الميناء المغربي الوحيد المرتبط مباشرة بأوروبا بواسطة رحلة أسبوعية عبر جبل طارق.
هذا الربط الأسبوعي يعكس درجة عالية من انتظام العلاقات التجارية والبحرية. فالرحلة الأسبوعية ليست حدثا عابرا، بل نظام اتصال مستمر، يسمح بتبادل السلع، والرسائل، والأخبار، والمسافرين، وربما الوثائق الدبلوماسية والتجارية.
وبفضل هذا الربط المباشر، تعززت مكانة تطوان كجسر بين المغرب وأوروبا، وكمدينة متوسطية حقيقية.
اعتُبرت تطوان في أواسط القرن الثامن عشر المدينة الوحيدة في المغرب التي توجد بها السلع القادمة من الشرق. وهذا المعطى يكشف أن المدينة لم تكن مرتبطة بأوروبا فقط، بل كانت أيضا جزءا من شبكة تجارية أوسع تمتد نحو الشرق.
فإذا كانت السلع الأوروبية تدخل عبر البحر والعلاقات القنصلية، فإن السلع الشرقية كانت تضيف إلى المدينة بعدا تجاريا آخر، يجعلها نقطة التقاء بين الشرق والغرب.
وهكذا صارت تطوان مدينة تتقاطع فيها الطرق التجارية: أوروبا، الشرق، الداخل المغربي، والمجال المتوسطي.
يعتبر عهد السلطان محمد بن عبد الله، الممتد بين 1757 و1790، مرحلة مهمة في تاريخ تطوان. فقد شكل هذا العهد امتدادا للازدهار الذي تحقق في عهد آل الريفي، وعرفت المدينة عناية خاصة من طرف السلطان.
وقد تجلت هذه العناية في منجزات عمرانية واقتصادية وعسكرية، أكدت أهمية تطوان في سياسة الدولة المغربية خلال القرن الثامن عشر.
فلم تكن المدينة مجرد مركز محلي، بل فضاء استراتيجيا يحتاج إلى تقوية وتحصين وتنظيم، بسبب موقعه البحري والتجاري والدبلوماسي.
من الأعمال المهمة التي قام بها السلطان محمد بن عبد الله بتطوان إصلاح مصنع السلاح الذي كان قد بناه جده المولى إسماعيل.
ولا يزال هذا المصنع معروفا باسم دار البومبة، ويوجد بحي العيون. ويعد هذا المعلم شاهدا على الوظيفة العسكرية والصناعية التي كانت للمدينة، وعلى اهتمام الدولة المغربية بتقوية قدراتها الدفاعية والتقنية في هذا المجال.
وجود دار البومبة داخل تطوان يبين أن المدينة لم تكن فقط مركزا تجاريا، بل أيضا فضاء مرتبطا بالصناعة العسكرية والتحصين والدفاع.
أسس السلطان محمد الثالث بتطوان دارا للسكة، وهي مؤسسة ذات دلالة اقتصادية وسيادية كبيرة. فإحداث دار للسكة يعني أن المدينة بلغت مستوى من الأهمية يسمح لها بأن تكون فضاء لإنتاج النقد وتنظيم جزء من الدورة الاقتصادية.
ويشهد المثقال الفضي لسنة 1195هـ على الأهمية الاقتصادية لهذا الإنجاز. فهذا المثقال ليس مجرد قطعة نقدية، بل وثيقة مادية تؤكد المكانة التي بلغتها تطوان في عهد السلطان محمد بن عبد الله.
ومن خلال دار السكة، يظهر أن تطوان كانت في القرن الثامن عشر مدينة ذات وزن اقتصادي وسياسي معتبر.
اهتم السلطان محمد بن عبد الله كذلك بتجديد مراكز صناعة السفن، خصوصا سنة 1770. وهذا الأمر ينسجم مع موقع تطوان البحري، وقربها من مارتيل والبحر الأبيض المتوسط، ومع دورها في التجارة والعلاقات الخارجية.
فصناعة السفن كانت مرتبطة بالتجارة، والدفاع، والملاحة، والموانئ، والمفاوضات مع الأوروبيين. لذلك فإن تجديد مراكزها يعكس وعيا بأهمية البحر في قوة المدينة والدولة.
وتطوان، بحكم موقعها وشبكة علاقاتها، كانت مؤهلة لتكون جزءا من هذه السياسة البحرية.
ضمن المشاريع التي عرفتها تطوان في عهد محمد بن عبد الله، تحصين أسوار تطوان والصقالتين بتطوان ومارتيل.
وكان لهذا التحصين معنى استراتيجي واضح. فالمدينة القريبة من البحر والمفتوحة على علاقات مع أوروبا كانت تحتاج إلى تقوية دفاعاتها، خاصة في زمن كانت فيه العلاقات المتوسطية تجمع بين التجارة والصراع والقرصنة والحروب.
ومن خلال هذه التحصينات، اكتمل الوجه المعماري لتطوان القرن الثامن عشر، كما تعززت صورتها كمدينة محصنة، تجارية، ودبلوماسية في الوقت نفسه.
ساهمت المشاريع التي أنجزت في عهد السلطان محمد بن عبد الله في إعطاء تطوان ملامح عمرانية أكثر اكتمالا. فإصلاح مصنع السلاح، وإحداث دار السكة، وتجديد مراكز صناعة السفن، وتحصين الأسوار والصقالتين، كلها منجزات جعلت المدينة تجمع بين الوظيفة الاقتصادية، والعسكرية، والدبلوماسية، والعمرانية.
ولهذا يمكن القول إن القرن الثامن عشر كان لحظة نضج في تاريخ تطوان. ففيه تحولت المدينة من مركز حرفي إلى مركز تجاري تفاوضي، ومن حاضرة أندلسية محلية إلى مدينة لها حضور في العلاقات المغربية الأوروبية.
خلاصة علاقة تطوان بأوروبا خلال القرن الثامن عشر أنها كانت علاقة قائمة على التوازن بين الذاكرة والمصلحة.
فالذاكرة الأندلسية جعلت التطوانيين ينظرون إلى الأوروبيين بكثير من الحذر. لكن المصلحة التجارية والدبلوماسية جعلت المدينة تفتح أبوابها للقناصل، والتجار، والسفراء، والسلع، والمفاوضات.
وهذا التوازن هو ما منح تطوان قوتها. فهي لم تذب في العلاقة مع أوروبا، ولم تنغلق عنها بالكامل. بل حافظت على هويتها، وفي الوقت نفسه استفادت من موقعها ومن شبكات التجارة والبحر.
كانت علاقة تطوان بأوروبا خلال القرن الثامن عشر علاقة معقدة ومثمرة في الوقت نفسه. فقد حملت المدينة ذاكرة أندلسية حذرة تجاه الأوروبيين، لكنها تعاملت معهم بواقعية في التجارة والدبلوماسية والمفاوضات.
ومنذ تعيين القنصل الفرنسي André Prat سنة 1629، وإحداث القنصلية الإنجليزية ما بين 1657 و1658، ثم تزايد حضور أكثر من 60 تاجرا أوروبيا بين 1682 و1727، بدأت تطوان تتحول إلى مركز مهم في العلاقات المغربية الأوروبية.
وفي القرن الثامن عشر، تعزز هذا الدور، خاصة منذ سنة 1740، حين أصبحت تطوان الميناء المغربي الوحيد المرتبط مباشرة بأوروبا بواسطة رحلة أسبوعية عبر جبل طارق، كما عرفت المدينة رواجا تجاريا كبيرا، حتى اعتبرت في أواسط القرن نفسه المدينة الوحيدة في المغرب التي توجد بها السلع القادمة من الشرق.
وفي عهد السلطان محمد بن عبد الله، بين 1757 و1790، ازدادت أهمية تطوان من خلال إصلاح دار البومبة بحي العيون، وتأسيس دار السكة، وتجديد مراكز صناعة السفن سنة 1770، وتحصين الأسوار والصقالتين بتطوان ومارتيل.
وهكذا اكتمل وجه تطوان في القرن الثامن عشر كمدينة تجارة ومفاوضات ودبلوماسية، تجمع بين الحذر من أوروبا والانفتاح عليها، وبين الذاكرة الأندلسية والمصلحة المتوسطية.
اعتمادا على: Georg Host, Histoire de l’Empereur du Maroc Mohamed ben Abdallah, p.37.