يُعد الطرز التطواني – Tetouani Embroidery واحداً من أرقى الفنون التقليدية التي حافظت عليها مدينة تطوان عبر قرون طويلة، وهو فن نسائي أصيل ارتبط بالبيوت التطوانية، وباللباس التقليدي، وبالذاكرة الأندلسية التي طبعت شخصية المدينة منذ إعادة بنائها واستقرار الوافدين الأندلسيين بها.
وقد استطاعت تطوان، منذ أزيد من أربعة قرون، أن تحفظ نوعاً مميزاً من الطرز التقليدي يُعرف بالطرز الأندلسي التطواني، وهو طرز تعود جذوره إلى مرحلة انتقال الثقافة الأندلسية إلى المدينة خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين. ومن خلال هذا الفن، ظلّت تطوان تحمل في خيوطها وألوانها وزخارفها أثراً عميقاً من غرناطة والأندلس.
يرتبط أصل الطرز التطواني بفترة وصول الثقافة الأندلسية إلى تطوان، خاصة بعد هجرات الأندلسيين والموريسكيين الذين ساهموا في تشكيل هوية المدينة العمرانية والاجتماعية والفنية. فقد جلب هؤلاء معهم أنماطاً من العيش واللباس والزخرفة والصناعة، وكان الطرز واحداً من الفنون التي وجدت في تطوان بيئة مناسبة للاستمرار والتطور.
ولهذا لا يمكن فهم الطرز التطواني خارج السياق الأندلسي للمدينة، فهو ليس مجرد زخرفة على قماش، بل ذاكرة فنية تعبر عن انتقال حضارة كاملة من الضفة الشمالية للمتوسط إلى شمال المغرب.
تُعتبر تطوان من المدن القليلة في شمال إفريقيا التي حافظت على مطرزات ذات ملامح أندلسية واضحة، خاصة تلك التي تتضمن توشيحات نصرية ومدجنة. وهذه الأشكال الزخرفية تذكر بالفنون الإسلامية في إقليم غرناطة، حيث عرفت الزخرفة الأندلسية دقة هندسية وتناسقاً بصرياً خاصاً.
وتظهر في الطرز التطواني أشكال دقيقة ومنمنمة، تقوم على التكرار، والتناظر، والتوازن، واستعمال وحدات زخرفية قريبة من عالم العمارة الأندلسية والزليج والنقش على الخشب والجص. ولذلك يصفه المهتمون بأنه من الفنون التي لا يمكن مقارنتها إلا بالطرز الأندلسي الإسلامي المرتبط بغرناطة.
من أهم ما يميز الطرز التطواني حضور التوشيات النصرية والمدجنة. فالفن النصري يرتبط بمرحلة غرناطة الإسلامية، حيث بلغت الزخرفة الأندلسية درجة عالية من الرقي، أما الفن المدجن فيحيل إلى الأساليب التي حافظت على الروح الإسلامية الأندلسية داخل سياقات لاحقة.
وقد انعكست هذه التأثيرات على الطرز التطواني من خلال الأشكال الهندسية، والزخارف المتكررة، والتنظيم الدقيق للفراغ، والبحث عن التوازن بين البساطة والرقي. ولهذا يبدو الطرز التطواني كأنه امتداد ناعم لفنون القصور والمساجد والبيوت الأندلسية، لكنه انتقل من الجدران والخشب والزليج إلى القماش والخيط.
لم يبق الطرز التطواني جامداً على نماذجه الأولى، بل عرف تأثيرات جديدة مع مرور الزمن. ففي القرن السابع عشر، تأثر هذا الفن ببعض ملامح عصر النهضة الإسبانية، وهو ما أضاف إلى زخارفه عناصر جديدة من حيث التنظيم والشكل والذوق.
هذا التأثير لم يُلغِ الأصل الأندلسي للطرز، بل أضاف إليه طبقات فنية أخرى، جعلته فناً متطوراً قادراً على استيعاب التحولات مع الحفاظ على روحه الأولى. وهنا تظهر قوة المدرسة التطوانية في الطرز: فهي لا تكتفي بالتقليد، بل تمزج، وتعيد الصياغة، وتحافظ في الوقت نفسه على الهوية.
خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تأثر الطرز التطواني أيضاً بالهجرات الجزائرية نحو تطوان، والتي حملت معها أنماطاً جديدة من الطرز المتأثر بالذوق العثماني. ومع هذا التأثير، بدأ يظهر نزوع إلى تعويض بعض النماذج الأندلسية القديمة، خاصة نماذج القرنين السادس عشر والسابع عشر، بمطرزات ذات طابع تركي أو عثماني.
وقد أضاف هذا التأثير العثماني تنوعاً جديداً إلى الطرز التطواني، سواء في الأشكال أو في بعض الأساليب الزخرفية. غير أن هذا التحول لم يمحُ الذاكرة الأندلسية الأصلية، بل جعل الطرز التطواني فناً مركباً يجمع بين الأندلسي، والمغربي، والمتوسطي، والعثماني.
رغم التأثيرات المتعددة التي عرفها الطرز التطواني عبر القرون، استطاعت تطوان الحفاظ على النموذج الأقدم والأكثر تميزاً، وهو ما يُعرف باسم “التعجيرة”. وتُعد التعجيرة من أجمل وأرقى أنواع الطرز التطواني، لأنها تمثل الصيغة الأكثر ارتباطاً بالتراث الأندلسي القديم.
وتحظى التعجيرة بقيمة خاصة داخل الذاكرة الفنية للمدينة، لأنها ليست مجرد تقنية في الطرز، بل رمز لاستمرار الذوق التطواني الأصيل، ولقدرة النساء والحرفيات على حفظ نمط فني نادر وتوارثه جيلاً بعد جيل.
ارتبط الطرز التطواني بالمرأة التطوانية، سواء داخل البيت أو في فضاءات التعلم التقليدي أو الورشات الحرفية. فقد كانت النساء يتوارثن تقنيات الطرز وأشكاله وأسراره، وينقلنها من الأمهات إلى البنات، ومن الجدات إلى الحفيدات.
ومن خلال هذا النقل النسائي، لم يكن الطرز مجرد حرفة، بل كان جزءاً من التربية الجمالية والاجتماعية داخل الأسر. فالفتاة كانت تتعلم الصبر، والدقة، والذوق، والقدرة على تحويل القماش إلى مساحة فنية نابضة بالرموز.
كان الطرز التطواني حاضراً في الحياة اليومية والاحتفالية، من خلال الألبسة التقليدية، والمفروشات، وأغطية المناسبات، وبعض القطع التي كانت تُستعمل في الأعراس والبيوت. وكان هذا الحضور يعكس ذوق الأسرة ومكانتها وارتباطها بالتقاليد.
ولهذا، فإن الطرز التطواني لا يُقرأ فقط كفن مستقل، بل كجزء من ثقافة البيت التطواني، ومن علاقة المدينة بالجمال، والنظام، والوقار، والذاكرة الأندلسية.
اليوم، يمثل الطرز التطواني تراثاً غير مادي يحتاج إلى الحماية والتوثيق والتثمين. فالكثير من الفنون التقليدية مهددة بالنسيان أمام التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وخصوصاً الفنون التي كانت تنتقل شفوياً وعملياً داخل البيوت.
وتزداد أهمية الحفاظ على الطرز التطواني لأنه يحمل خصوصية نادرة داخل شمال إفريقيا، ولأنه يمثل شاهداً على استمرار الفن الأندلسي داخل تطوان. كما أن الحفاظ على “التعجيرة” تحديداً يجب أن يكون أولوية، باعتبارها النموذج الأقدم والأجمل والأرقى في هذا الفن.
الحفاظ على الطرز التطواني ليس فقط حفاظاً على حرفة، بل هو حفاظ على جزء من هوية المدينة. فهذا الفن يربط تطوان بغرناطة، وبالبيوت الأندلسية، وبالنساء اللواتي حافظن على الذاكرة بالخيط والإبرة، وبالذوق المغربي الأصيل.
كما أن هذا الفن يمكن أن يكون مورداً ثقافياً وسياحياً واقتصادياً مهماً إذا تم تقديمه بطريقة حديثة، من خلال التكوين، والمعارض، والتوثيق، والمنتجات الراقية، وربطه بصورة تطوان كحاضرة أندلسية مغربية.
استطاعت مدينة تطوان أن تحافظ منذ أزيد من أربعة قرون على نوع مميز من الطرز التقليدي، هو الطرز الأندلسي التطواني، الذي تعود جذوره إلى فترة انتقال الثقافة الأندلسية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين.
وقد ظل هذا الطرز يحمل توشيات نصرية ومدجنة قريبة من الطرز الأندلسي الإسلامي في غرناطة، ثم تأثر لاحقاً بعصر النهضة الإسبانية خلال القرن السابع عشر، وبالهجرات الجزائرية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، التي حملت معها تأثيرات عثمانية واضحة.
ورغم كل هذه التأثيرات، حافظت تطوان على النموذج الأقدم والأرقى من الطرز، وهو “التعجيرة”، التي تُعد من أجمل أشكال الطرز التطواني وأكثرها أصالة. ولهذا فإن صون هذا الفن وتوارثه عن الأجداد جيلاً بعد جيل هو واجب ثقافي وتراثي، لأنه يحفظ ذاكرة تطوان الأندلسية ويجعلها حاضرة في الخيط، واللون، والزخرفة.
الطرز التطواني
Tetouani Embroidery
فن تقليدي وتراث غير مادي
الطرز الأندلسي المرتبط بهجرات القرنين 15 و16 الميلاديين
تطوان
التأثير الأندلسي، التوشيات النصرية والمدجنة، عصر النهضة الإسبانية، التأثير العثماني القادم عبر الهجرات الجزائرية
التعجيرة
فن تقليدي يعكس الذاكرة الأندلسية لتطوان، ويُعد من أبرز عناصر التراث النسائي والحرفي بالمدينة.
الطرز التطواني هو فن تقليدي للزخرفة بالخيط على القماش، اشتهرت به مدينة تطوان، ويتميز بأصوله الأندلسية وزخارفه الدقيقة ذات الطابع النصري والمدجن.
يعود أصل الطرز التطواني إلى فترة انتقال الثقافة الأندلسية إلى تطوان خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، مع الوافدين الأندلسيين والموريسكيين.
التعجيرة هي من أقدم وأرقى أنواع الطرز التطواني، وتُعد النموذج الأكثر أصالة وارتباطاً بالتراث الأندلسي القديم.
تأثر الطرز التطواني بالأصل الأندلسي، وبالفنون النصرية والمدجنة، ثم بعصر النهضة الإسبانية خلال القرن السابع عشر، وبالتأثيرات العثمانية التي جاءت مع الهجرات الجزائرية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
لأنه يحفظ ذاكرة تطوان الأندلسية، ويعكس ذوقها الفني، ويمثل جزءاً مهماً من تراثها غير المادي ومن الحرف التقليدية النسائية التي توارثتها الأجيال.
جون لوي مييج، امحمد بن عبود، نادية الرزيني، تطوان الحاضرة الأندلسية المغربية، ترجمة مصطفى أعشي.