حين نقرأ ما كتبه الرحالة الأجانب عن مدينة تطوان خلال القرن التاسع عشر، نكتشف أن المدينة لم تكن مجرد حاضرة شمالية جميلة، بل كانت في نظر عدد من الزوار الأوروبيين واحدة من أكثر المدن المغربية تقدما واستقرارا وتنظيما.
وقد اهتم بعض الرحالة البريطانيين بتصوير الحياة الاجتماعية والاقتصادية في تطوان، فقدموا عنها شهادات مهمة تكشف مكانتها داخل المغرب قبل الحماية، وتبرز دورها في التجارة، والصناعة، والحرف، والاستقرار الاجتماعي.
ومن خلال ما أورده الأستاذ محمد لعميري في دراسته “تطوان في الرحلة البريطانية”، المنشورة ضمن كتاب “تطوان قبل الحماية 1860-1912”، يظهر أن تطوان كانت تحظى بصورة خاصة لدى الرحالة البريطانيين، إذ كانوا غالبا ما يرتبونها مباشرة بعد فاس، التي كانت تعد العاصمة السياسية والاقتصادية لمغرب القرن التاسع عشر.
عندما تحدث الرحالة البريطانيون عن المدن المغربية خلال القرن التاسع عشر، كانت فاس تحتل مكانة مركزية باعتبارها عاصمة سياسية وعلمية واقتصادية كبرى. غير أن تطوان كانت تأتي بعدها مباشرة في عدد من الشهادات، باعتبارها مدينة متقدمة، منظمة، وذات حياة اجتماعية واقتصادية نشيطة.
وهذا الترتيب لم يكن مجاملة عابرة، بل يعكس صورة تطوان في تلك الفترة: مدينة تجمع بين الأمن، والحرف، والتجارة، والحياة الحضرية، والقرب من البحر الأبيض المتوسط، والانفتاح على العالم الخارجي.
فمن خلال هذه النظرة الأجنبية، تظهر تطوان كمدينة لها وزن واضح داخل المغرب، وليست مجرد مدينة حدودية أو ساحلية ثانوية.
من المعطيات اللافتة التي يوردها الأستاذ محمد لعميري، اعتمادا على الرحالة البريطانيين، أن تطوان كانت من المدن التي ينزح إليها الأغنياء ويستقرون بها، خاصة أولئك الذين جمعوا ثروات كبيرة من مختلف أنحاء المغرب.
وقد أشار أحد رحالة مجلة Fraser’s Magazine إلى أن تطوان كانت تمنح لهؤلاء نوعا من الاطمئنان، مما جعلها وجهة مفضلة للإقامة والاستقرار.
وهذه الشهادة مهمة جدا، لأنها تكشف أن تطوان كانت تتمتع بصورة مدينة آمنة ومريحة، قادرة على استقبال أصحاب الثروة والمكانة، وتوفير شروط حياة حضرية مستقرة. فالاستقرار في مدينة معينة لا يرتبط فقط بجمالها، بل كذلك بثقة الناس في أمنها، ومناخها الاجتماعي، وسمعتها الاقتصادية.
لم تكن تطوان في القرن التاسع عشر مدينة هادئة فقط، بل كانت تملك مساهمات نشيطة في اقتصاد المنطقة. فقد أشار الرحالة البريطانيون إلى وجود إنتاج محلي مهم، خصوصا في بعض الصناعات المرتبطة بالفلاحة والحرف.
ومن أبرز هذه الأنشطة إنتاج الحرير الطبيعي، الذي كان يستخرج من تربية دودة القز في مغارس شجر التوت الموجودة غرب سور المدينة.
وهذا المعطى يكشف جانبا مهما من تاريخ تطوان الاقتصادي، لأن صناعة الحرير تتطلب معرفة دقيقة بالتربية، والغرس، والجني، والتحويل، مما يدل على وجود خبرة محلية وتنظيم اقتصادي مرتبط بالمدينة ومحيطها.
كان إنتاج الحرير الطبيعي من الأنشطة التي ميزت تطوان خلال القرن التاسع عشر. وقد ارتبط هذا النشاط بتربية دودة القز، التي تحتاج إلى أوراق شجر التوت، ولهذا كانت مغارس التوت غرب سور المدينة جزءا من هذه الدورة الاقتصادية.
وهنا تظهر العلاقة بين المدينة ومحيطها الفلاحي. فتطوان لم تكن تعتمد فقط على الأسواق والحرف داخل الأسوار، بل كانت تستفيد من مجالها القريب، ومن الأراضي والمغارس التي تغذي صناعاتها.
فالحرير لم يكن مجرد منتوج فاخر، بل كان دليلا على وجود اقتصاد محلي متكامل يجمع بين الزراعة، والتربية، والصناعة، والتجارة.
إلى جانب الحرير، عرفت تطوان خلال هذه الفترة ازدهار زراعة القطن واستنبات بذور الكتان، وهي مواد كانت تستعمل في تصنيع أنواع مختلفة من الألبسة.
وتشير المعطيات التي نقلها محمد لعميري إلى أن أهل تطوان كانوا يتوفرون على عدد كبير من الدراهم، وأن هذا النشاط الإنتاجي أغناهم عن استيراد كثير من الثياب الخارجية، لأن ستين في المئة فأكثر من الثياب كانت من غلة الأرض.
وهذه المعلومة ذات دلالة قوية، لأنها تكشف أن تطوان كانت تملك قدرا مهما من الاكتفاء في مجال اللباس والنسيج، وأن اقتصادها لم يكن تابعا بالكامل للاستيراد، بل كان قائما على إنتاج محلي له جذور فلاحية وحرفية.
الصورة التي تقدمها الرحلة البريطانية عن تطوان تجعلنا نرى المدينة كحاضرة منتجة، لا كمدينة مستهلكة فقط. فقد كانت الأرض تنتج المواد الأولية، وكانت الحرف تحولها إلى لباس ومنسوجات، وكانت الأسواق تستقبل هذه المنتجات وتعيد توزيعها.
وهذا يفسر لماذا تحدث الرحالة عن وفرة الدراهم عند أهل تطوان. فالمدينة كانت تستفيد من نشاط اقتصادي متنوع، يجمع بين الفلاحة، والصناعة التقليدية، والتجارة، والحرف المتخصصة.
ومن هنا نفهم أن الازدهار الاجتماعي الذي لاحظه الرحالة لم يكن معزولا عن قاعدة اقتصادية محلية.
من الحرف التي تفوقت فيها تطوان أيضا خلال القرن التاسع عشر صناعة الأسلحة التقليدية. فقد أشار الرحالة إلى مهارة أهل المدينة في هذا المجال، بما في ذلك صناعة كُوَر المدافع وعمارتها.
وكان أهل تطوان يتنافسون في هذه الصناعة، ويتدارسون كتبها، مما يدل على أن الأمر لم يكن مجرد حرفة بسيطة، بل مجالا تقنيا له معرفة، وتجربة، وتعلم، وتوارث.
وتكشف هذه الشهادة عن جانب آخر من مهارة الصناع التطوانيين، وعن مستوى من الخبرة في صناعة مرتبطة بالدفاع والسلاح والتقنيات التقليدية. وهي صناعة تضيف إلى صورة تطوان الاقتصادية بعدا تقنيا وحرفيا مهما.
اللافت في وصف صناعة الأسلحة أن الرحالة لم يكتفوا بالإشارة إلى وجود هذه المهنة، بل تحدثوا عن التنافس فيها ودراسة كتبها. وهذا يعني أن الحرفة في تطوان لم تكن دائما ممارسة يدوية فقط، بل كانت أحيانا مرتبطة بمعرفة نظرية، وبنقل الخبرات، وبالاجتهاد في تطوير المهارة.
وهذا ينسجم مع صورة تطوان كمدينة تجمع بين العلم والحرفة، وبين الذوق والصناعة، وبين الثقافة والإنتاج. فالمدينة التي عرفت العلماء والفقهاء والأدباء، عرفت أيضا الصناع والحرفيين المهرة.
يمكن القول إن إعجاب الرحالة البريطانيين بتطوان كان نابعا من اجتماع عدة عناصر: الاستقرار، التقدم الحضري، النشاط الاقتصادي، وفرة الصناعات المحلية، ومكانة المدينة بعد فاس.
فهم رأوا مدينة آمنة نسبيا، يقصدها الأغنياء للاستقرار، وتملك إنتاجا محليا من الحرير والقطن والكتان، وتعرف حيوية حرفية في صناعة الملابس والأسلحة. وهذه كلها عناصر تجعل تطوان تبدو في أعينهم مدينة متقدمة مقارنة بعدد من الحواضر الأخرى.
وقد يكون هذا الإعجاب أيضا مرتبطا بموقع تطوان القريب من البحر الأبيض المتوسط، وبعلاقتها التاريخية بالتجارة والتواصل، وبطابعها الحضري الأندلسي الذي كان يثير اهتمام الزوار الأجانب.
تكشف هذه الشهادات أن تطوان قبل الحماية، وخصوصا خلال القرن التاسع عشر، كانت مدينة قوية في شخصيتها الاقتصادية والاجتماعية. فهي لم تكن فقط مدينة تراثية، بل كانت حاضرة حية لها إنتاجها، وأسواقها، وحرفها، وسمعتها.
وهذه الصورة مهمة اليوم، لأنها تساعدنا على فهم تطوان خارج الصورة السياحية الحديثة. فالمدينة لم تكن جميلة فقط، بل كانت منتجة. ولم تكن هادئة فقط، بل كانت نشيطة. ولم تكن أندلسية الطابع فقط، بل كانت لها مساهمة واضحة في اقتصاد المنطقة.
رغم أن الرحالة الأجانب كانوا يكتبون من زاوية خارجية، وقد تحمل كتاباتهم أحيانا بعض الأحكام أو التصورات المرتبطة بزمنهم، فإن شهاداتهم تبقى مهمة لأنها تقدم لنا نظرة أخرى على المدينة.
فهي تساعدنا على معرفة كيف كان الآخر يرى تطوان، وما الذي لفت انتباهه فيها، وكيف كانت تقارن بباقي مدن المغرب. وعندما تتكرر صورة تطوان كمدينة متقدمة وآمنة ونشيطة، فإن ذلك يمنحنا مادة مهمة لفهم مكانتها في القرن التاسع عشر.
ولهذا فإن دراسة “تطوان في الرحلة البريطانية” للأستاذ محمد لعميري تفتح بابا مهما لقراءة المدينة من خلال عيون خارجية، لكنها تكشف في الوقت نفسه عمق الحضور التطواني في التاريخ المغربي.
تظهر مدينة تطوان في شهادات الرحالة البريطانيين خلال القرن التاسع عشر كواحدة من أكثر المدن المغربية تقدما، وكانوا غالبا ما يضعونها مباشرة بعد فاس، العاصمة السياسية والاقتصادية للمغرب آنذاك.
وقد رأى هؤلاء الرحالة في تطوان مدينة آمنة، يقصدها الأغنياء للاستقرار، كما لاحظوا مساهمتها النشيطة في اقتصاد المنطقة من خلال إنتاج الحرير الطبيعي عبر تربية دودة القز في مغارس التوت غرب سور المدينة، وزراعة القطن، واستنبات الكتان، وصناعة الألبسة التي أغنت السكان عن استيراد جزء كبير من الثياب الخارجية، حتى قيل إن ستين في المئة فأكثر من الثياب كانت من غلة الأرض.
كما أشاروا إلى تفوق أهل تطوان في صناعة الأسلحة التقليدية، ومهارتهم في صناعة كُوَر المدافع وعمارتها، وتنافسهم في هذه الحرفة ودراسة كتبها.
ومن خلال هذه الشهادات، تبدو تطوان بعيون أجنبية مدينة تجمع بين الأمن، والثروة، والحرفة، والصناعة، والذوق الحضري. إنها صورة أخرى للحمامة البيضاء: ليست فقط مدينة الجمال والهدوء، بل أيضا مدينة الإنتاج والمعرفة والحياة الاقتصادية النشيطة.
اعتمادا على: محمد لعميري، “تطوان في الرحلة البريطانية”، ضمن كتاب “تطوان قبل الحماية 1860-1912”، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، 1992، ص 252.