لا يمكن فهم تاريخ تطوان الاجتماعي دون التوقف عند حدائقها وجناناتها. فقد كانت هذه الفضاءات، في ظاهرها، أماكن بسيطة للراحة والتنزه، لكنها في العمق كانت تحمل معاني كبيرة عند التطوانيين، لأنها ارتبطت بثقافة “النزاهة”، وبالعائلة، والربيع، والصيف، والورود، والماء، والحديث الهادئ، وحتى بالنقاشات الوطنية والسياسية.
فالحديقة في الذاكرة التطوانية لم تكن مجرد مكان أخضر، بل كانت امتدادا لروح المدينة: مدينة بيضاء، أندلسية الذوق، تحب النظام والجمال والسكينة. ومن خلال الحدائق العمومية والجنانات الخاصة وحدائق البيوت والأسطح، يمكن قراءة جانب مهم من علاقة أهل تطوان بالطبيعة وبالحياة اليومية.
وتكشف المعطيات التي أوردها الدكتور أنس اليملاحي حول تاريخ الحدائق والجنانات بتطوان أن هذه المدينة عرفت أشكالا متعددة من الفضاءات الخضراء، من الحدائق العامة التي ظهرت في بداية القرن العشرين، إلى الجنانات الخاصة في ضواحي المدينة، وصولا إلى الحدائق الصغيرة داخل المنازل والأسطح.
كلمة النزاهة في الذاكرة المحلية لا تعني فقط الخروج من البيت، بل تعني قضاء وقت جميل في أحضان الطبيعة، بعيدا عن صخب الأسواق والحياة اليومية. كانت العائلات، والأصدقاء، والحرفيون، وأعيان المدينة، وحتى الفئات البسيطة، يبحثون كل بطريقتهم عن متنفس أخضر.
وكانت تطوان، بحكم موقعها بين الجبل والبساتين والمياه والضواحي القريبة، توفر لأهلها إمكانيات متعددة للنزهة: جنانات قرب المدينة، منتزهات طبيعية، حدائق عمومية، وفضاءات منزلية خضراء صغيرة.
ومن هنا نفهم أن تاريخ الحدائق بتطوان هو أيضا تاريخ علاقة السكان بالجمال والسكينة، وتاريخ نظرتهم إلى الطبيعة كجزء من الحياة اليومية، لا كترف عابر.
تشير المعطيات إلى أن تطوان عرفت، مع بداية ثلاثينيات القرن العشرين، ظهور حديقتين عموميتين مهمتين. وقد شكلتا بداية حضور الحديقة العمومية بالمفهوم الحديث داخل المجال الحضري للمدينة.
الحديقة الأولى كانت تقابل المقبرة المسيحية بجبل درسة. وتذكر الذاكرة المحلية أنها كانت في غاية الروعة، خاصة من الناحية الهندسية، حيث كان تصميمها يجسد الطابع الأندلسي الذي ينسجم مع هوية تطوان العمرانية. غير أن هذه الحديقة تلاشت في أواخر الخمسينيات، ولم يبق منها اليوم سوى ذكرها في الذاكرة.
أما الحديقة الثانية فهي الحديقة المعروفة اليوم باسم حديقة مولاي رشيد، ويطلق عليها أهل تطوان اسم رياض العشاق. وهي من أشهر الحدائق المرتبطة بذاكرة المدينة، ومن أكثرها حضورا في وجدان التطوانيين.
تعد حديقة مولاي رشيد، أو رياض العشاق، من أبرز الحدائق التاريخية بتطوان. وقد تأسست في بداية ثلاثينيات القرن الماضي على يد الجنرال الإسباني أوركاس، حسب المعطيات المتداولة، وجاء تصميمها مستلهما من الحدائق الأندلسية الغناء.
ولم تكن هذه الحديقة مجرد فضاء أخضر عادي، بل كانت حديقة بيئية متميزة، مزدانة بنباتات متنوعة ومختلفة، وأشجار متعددة، وأحواض لتربية الأسماك، إضافة إلى حديقة صغيرة كانت تضم مجموعة من الحيوانات الأليفة والطيور الصداحة.
هذا التنوع جعل الحديقة فضاء محببا للعائلات والزوار، ومكانا يجمع بين الجمال الطبيعي والتربية الذوقية. فالزائر لم يكن يرى الأشجار والورود فقط، بل كان يجد الماء، والأسماك، والطيور، والحيوانات الأليفة، في مشهد قريب من روح الرياض الأندلسي.
ما يميز رياض العشاق أن تصميمه جاء على شاكلة الحدائق التي اشتهرت بها القصور الأندلسية. فالحديقة الأندلسية لا تقوم فقط على الغرس، بل على التوازن بين الماء، والخضرة، والممرات، والظل، والهدوء.
وهذا ما جعل حديقة مولاي رشيد موروثا حضاريا وثقافيا، لأنها لا تعبر فقط عن حاجة المدينة إلى فضاء للراحة، بل تعكس أيضا ذوقا عمرانيا وجماليا متجذرا في هوية تطوان.
فكما احتفظت المدينة العتيقة بتطوان بأثر الأندلس في البيوت والأبواب والأزقة، احتفظت الحديقة بهذا الأثر في علاقتها بالماء والنبات والتنظيم والهدوء.
إلى جانب الحدائق العمومية، كانت تطوان معروفة أيضا بالحدائق الخاصة، أو ما يطلق عليه محليا الجنانات. وكانت هذه الجنانات منتشرة في المناطق المجاورة للمدينة، يملكها عدد من أعيان تطوان وأسرها المعروفة.
وقد ذكر محمد الوزاني أنه كان يملك جنانا في بطوريطة، وكان يتوجه إليه رجال الحركة الوطنية، مثل عبد الخالق الطريس وعبد السلام بنونة وغيرهما، للنزهة ومناقشة الأوضاع السياسية والتمتع بالخضرة وجمال الطبيعة.
وهذا المعطى مهم جدا، لأنه يبين أن الجنان لم يكن فقط مكانا للراحة، بل كان أحيانا فضاء للنقاش الهادئ، وتبادل الرأي، والتفكير في شؤون الوطن. فالطبيعة هنا احتضنت جانبا من الذاكرة الوطنية والسياسية للمدينة.
كان أصحاب الجنانات ينتقلون إليها رفقة عائلاتهم وأصدقائهم، خاصة في فصلي الربيع والصيف. وكانت هذه الخرجات مناسبة للراحة، وتناول الطعام، والجلوس في الظل، والتمتع بالخضرة والماء.
ومن بين الفضاءات التي ارتبطت بهذه العادة: منتزه كيتان، منتزه غرغيز، منتزه بني صالح، ومنتزه عين بوعنان. وهي أسماء تحمل اليوم قيمة خاصة لأنها تذكرنا بأن محيط تطوان كان جزءا من حياتها الاجتماعية، وليس مجرد ضواحٍ بعيدة عن المدينة.
وقد كانت هذه الجنانات تعكس علاقة تطوان التاريخية بالمجال الطبيعي المحيط بها، حيث لا تنفصل المدينة عن بساتينها وعيونها وجبالها.
لم تكن الجنانات حكرا على الأعيان فقط. فقد كانت هناك فئة من المهنيين والحرفيين يتوجهون إلى بعض الجنانات القريبة، مثل جنان العقلة، بعد صلاة العصر وبعد إغلاق دكاكينهم.
كانوا يذهبون للتنفيس عن النفس، والسقي، وجني بعض أنواع الورود، ثم يعودون إلى منازلهم بعد غروب الشمس مباشرة. وهذا يعكس إيقاعا اجتماعيا جميلا: عمل في النهار، ثم لحظة راحة قصيرة في حضن الطبيعة قبل العودة إلى البيت.
وعندما يحل فصل الصيف، كان التوجه إلى هذه الجنانات يصبح أكثر انتظاما، قبل أن تظهر عادة السباحة بوادي مرتيل وتصبح جزءا من حياة التطوانيين الصيفية.
تخبرنا هذه الذاكرة أن التطوانيين، قبل انتشار عادة السباحة في وادي مرتيل، كانوا يجدون متنفسهم الصيفي في الجنانات القريبة. فالطبيعة الخضراء كانت تقوم مقام الشاطئ بالنسبة لكثير من الأسر والحرفيين.
وهذا يعكس تحولا مهما في عادات الترفيه بتطوان. فقبل أن يصبح البحر والسباحة جزءا أساسيا من الصيف، كانت الجنانات والمياه والظلال والورود هي الوجهة الأقرب والأكثر ألفة.
ومن هنا نفهم أن تاريخ الترفيه بتطوان مر بمراحل: من جنانات النزاهة، إلى وادي مرتيل، ثم إلى شواطئ مرتيل والمضيق وتمودة باي.
من أنواع الجنانات أيضا تلك الحدائق الصغيرة التي كانت توجد داخل المنازل العربية في المدينة العتيقة. فبعض الدور كانت تحتوي على حدائق عند مدخل الدار أو في الخلف، وكانت هذه المساحات الخضراء جزءا من جمال البيت ووظيفته.
فالبيت التطواني التقليدي لم يكن فقط جدرانا وغرفا، بل كان في كثير من الأحيان فضاء يعيش فيه الماء والنبات والظل والضوء. وكانت النباتات تمنح للدار روحا خاصة، وتخلق جوا من الراحة والجمال داخل الحياة اليومية.
وهنا يظهر التأثير الأندلسي مرة أخرى، حيث ترتبط الدار بالداخل الهادئ، وبالفناء، وبالنبات، وبالعلاقة الدقيقة بين العمارة والطبيعة.
من أجمل ما تكشفه الذاكرة التطوانية أن حب الجنان لم يكن مقتصرا على الأغنياء أو أصحاب الأملاك. فالفئات البسيطة من أهل المدينة، ممن لم يكونوا قادرين على امتلاك جنان، كانوا يصنعون جنانا صغيرة فوق أسطح بيوتهم.
كانوا يغرسون الياسمين، والنعناع، والقرنفل على جنبات السطح، فتتحول تلك المساحة البسيطة إلى متنفس عائلي جميل كل عشية. وهذه الصورة تختصر جانبا عميقا من ذوق أهل تطوان: حتى حين لا يملكون أرضا خارج المدينة، كانوا يخلقون حديقتهم الخاصة في البيت.
فالسطح لم يكن فقط مكانا لنشر الغسيل أو قضاء بعض الأشغال المنزلية، بل كان أحيانا حديقة صغيرة، ومكانا للنسيم، والرائحة الطيبة، وجلسة العشية.
ارتبطت الجنانات التطوانية بالورود والنباتات العطرية. فالناس لم يكونوا يبحثون فقط عن الظل، بل عن الرائحة أيضا: الياسمين، النعناع، القرنفل، والورود التي كانت تجنى من بعض الجنانات.
وهذا البعد العطري مهم في فهم علاقة التطوانيين بالطبيعة. فالحديقة عندهم ليست منظرا للعين فقط، بل رائحة وذاكرة وحياة. وربما لهذا كانت البيوت والأسطح والجنانات تتحول إلى فضاءات صغيرة للراحة النفسية، حيث تجتمع الخضرة والرائحة والهدوء.
تحمل الحدائق والجنانات في تطوان عدة دلالات. فهي أولا دلالة على حب الجمال والنظام، وثانيا على ارتباط المدينة بالطبيعة، وثالثا على حضور الذاكرة الأندلسية في الذوق العمراني والاجتماعي.
كما أنها تكشف عن توازن اجتماعي جميل. فالأعيان كانت لهم جنانات واسعة في الضواحي، والحرفيون كانوا يجدون متنفسهم في الجنانات القريبة، والفقراء كانوا يصنعون حدائق صغيرة فوق الأسطح. وهكذا، لم تكن الخضرة حكرا على طبقة واحدة، بل كان كل واحد يبحث عنها بحسب إمكانياته.
وهذا ما يجعل تاريخ الحدائق بتطوان تاريخا اجتماعيا بامتياز.
تطوان مدينة عرفت دائما علاقة خاصة بالماء والخضرة. فالمياه والعيون والسواقي والرياضات والجنانات كانت جزءا من صورتها التاريخية. ومن هنا، فإن الحديث عن الحدائق ليس حديثا جانبيا، بل هو مدخل لفهم شخصية المدينة.
فالمدينة التي تنتج حدائق عمومية، وجنانات خاصة، وحدائق منزلية، وجنانات فوق الأسطح، هي مدينة تملك ذوقا خاصا في التعامل مع الطبيعة. وهذا الذوق لا ينفصل عن حضارتها الأندلسية، ولا عن هدوئها ونظافتها وصورتها كمدينة بيضاء محاطة بالجبل والبساتين.
يكشف تاريخ الحدائق بتطوان عن جانب جميل وعميق من ذاكرة المدينة. فمن الحديقة العمومية التي كانت تقابل المقبرة المسيحية بجبل درسة وتلاشت في أواخر الخمسينيات، إلى حديقة مولاي رشيد أو رياض العشاق، التي تأسست في بداية ثلاثينيات القرن الماضي، مرورا بجنانات الأعيان في بطوريطة وكيتان وغرغيز وبني صالح وعين بوعنان، وصولا إلى جنان العقلة وحدائق المنازل والأسطح، نجد أن التطوانيين عاشوا علاقتهم بالطبيعة بطرق متعددة.
لم تكن الحدائق مجرد زينة، بل كانت أماكن للنزهة، والراحة، والحوار، والنقاش الوطني، واللقاء العائلي، والتنفس بعد يوم العمل. وكانت أيضا تعبيرا عن ذوق أندلسي عميق يرى في الماء والنبات والظل جزءا من معنى الحياة.
ولذلك، فإن تاريخ الحدائق والجنانات بتطوان هو جزء من تاريخ المدينة نفسها: مدينة تحب الجمال، وتحافظ على السكينة، وتعرف كيف تصنع من أبسط المساحات الخضراء عالما صغيرا من الراحة والبهجة.
اعتمادا على معطيات للدكتور أنس اليملاحي.