كانت ليلة الخامس من فبراير سنة 1860 واحدة من أقسى الليالي في تاريخ مدينة تطوان. ففي ذلك اليوم استسلمت المدينة بعد معركة عسكرية عنيفة، ودخلتها القوات الإسبانية الغازية، فيما عاش السكان ليلة رعب عمّت فيها أعمال النهب أحياء المدينة، وتركت أثراً عميقاً في الذاكرة الجماعية للتطوانيين.
لم تكن تلك الليلة مجرد حادث عابر في تاريخ المدينة، بل كانت جزءاً من واحدة من أخطر المحطات في تاريخ المغرب الحديث، وهي حرب تطوان، التي عُرفت في السجلات الإسبانية باسم “الحرب الإفريقية” أو “الحرب الإسبانية المغربية”.
جاءت حرب تطوان في سياق مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب خلال القرن التاسع عشر، حيث بدأت القوى الأوروبية تراقب أوضاع البلاد وتستغل مظاهر الضعف العسكري والسياسي. وبعد معركة إيسلي سنة 1844، التي كشفت جانباً من هشاشة الوضع العسكري المغربي أمام القوى الأجنبية، جاءت حرب تطوان لتعمق هذا الانكشاف وتفتح مرحلة جديدة من الضغوط الأوروبية على المغرب.
وقد شكلت هذه الحرب صدمة كبيرة، ليس فقط لتطوان وسكانها، بل للمغرب كله، لأنها أظهرت حجم الاختلال في موازين القوة بين المغرب وإسبانيا، وأبرزت ضعف البنية العسكرية أمام الجيوش الأوروبية الحديثة.
في يوم 5 فبراير 1860، استسلمت مدينة تطوان، ودخلتها القوات الإسبانية. ومع دخول الجيش الغازي، عاشت المدينة ليلة قاسية، انتشرت فيها أعمال النهب في عدد من الأحياء، وشعر السكان بالخوف والصدمة أمام واقع جديد لم تعهده المدينة بهذه الصورة.
كانت تطوان، بما تحمله من ذاكرة أندلسية ومكانة دينية وعمرانية، أمام لحظة انكسار مؤلمة. فالأحياء التي كانت تعرف حياة يومية هادئة داخل أسوار المدينة، تحولت في تلك الليلة إلى فضاءات رعب وفوضى، بعدما فقد السكان الإحساس بالأمان.
توقف المؤرخ المغربي أبو العباس أحمد بن خالد الناصري عند هذه الواقعة في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى”، واعتبرها من الأحداث التي كان لها أثر بالغ في تاريخ المغرب. وقد كتب عنها قائلاً:
“وواقعة تطوان هذه هي التي أزالت الهيبة عن بلاد المغرب، واستطال النصارى بها، وانكسر المسلمون انكساراً لم يعهد لهم مثله، وكثرت الحمايات، ونشأ عن ذلك ضرر كبير.”
تكشف هذه العبارة قوة الصدمة التي أحدثتها حرب تطوان في الوعي المغربي. فالناصري لا يتحدث فقط عن هزيمة عسكرية، بل عن تحول في صورة المغرب أمام القوى الأجنبية، وعن بداية مرحلة جديدة أصبح فيها التدخل الأوروبي أكثر جرأة.
اعتُبرت حرب تطوان من أكثر الحروب التي كشفت، بعد معركة إيسلي سنة 1844، حالة الضعف التي كان عليها المغرب، خاصة على الصعيد العسكري. فقد أظهرت الحرب أن الجيش المغربي لم يكن مستعداً لمواجهة آلة عسكرية أوروبية حديثة، وأن البلاد كانت بحاجة إلى إصلاحات عميقة في الإدارة والجيش والمالية.
ومن هنا، لم تكن نتائج الحرب محصورة في مدينة تطوان وحدها، بل امتدت آثارها إلى المغرب كله، حيث أصبحت القوى الأوروبية أكثر اطلاعاً على واقع البلاد، وأكثر قدرة على الضغط والتدخل.
بعد دخول القوات الإسبانية إلى تطوان، عرفت المدينة مرحلة صعبة، تأثرت فيها الحياة اليومية، والمعالم الدينية، والأسواق، والممتلكات. وتشير المصادر التاريخية إلى أن عدداً من المساجد والمعالم تعرض للتغيير أو التحويل، كما وقع في بعض جوامع المدينة خلال تلك الفترة.
وقد بقي هذا الحدث محفوراً في الذاكرة التطوانية، لأنه مثّل لحظة احتلال وصدمة، لكنه في الوقت نفسه كشف عن قدرة المدينة على الاستمرار واستعادة حياتها بعد المحنة.
رغم قسوة تلك الليلة، لم تفقد تطوان هويتها. فالمدينة التي عرفت الهجرات الأندلسية، والزوايا، والجوامع، والعلماء، والأسواق، استطاعت أن تحافظ على ذاكرتها الدينية والعمرانية، وأن تستمر كواحدة من أهم مدن الشمال المغربي.
غير أن ليلة 5 فبراير 1860 بقيت علامة فارقة في تاريخها، لأنها تذكرنا بأن المدن لا تُقرأ فقط من خلال جمالها ومعالمها، بل أيضاً من خلال لحظات الألم التي عاشها سكانها، ومن خلال قدرتها على النهوض بعد الانكسار.
تكتسب ليلة 5 فبراير 1860 أهميتها لأنها تجمع بين التاريخ المحلي والوطني. فهي من جهة ليلة عاشتها تطوان وسكانها بكل ألم وخوف، ومن جهة أخرى جزء من تاريخ المغرب في مواجهة الأطماع الأجنبية خلال القرن التاسع عشر.
كما أن هذه الليلة تساعد على فهم كثير من التحولات التي عرفتها المدينة لاحقاً، سواء في علاقتها بإسبانيا، أو في ذاكرة سكانها، أو في مكانة معالمها الدينية والعمرانية التي تأثرت بأحداث الاحتلال.
ليلة الخامس من فبراير سنة 1860 كانت من الليالي الثقيلة في تاريخ تطوان. ففي ذلك اليوم استسلمت المدينة ودخلتها القوات الإسبانية، وانتشرت أعمال النهب في أحيائها، فعاش السكان ليلة رعب لا تُنسى.
وقد اعتبر المؤرخ أحمد بن خالد الناصري أن واقعة تطوان أزالت الهيبة عن بلاد المغرب، وفتحت الباب أمام تدخلات وضغوط أجنبية أكبر. كما كشفت هذه الحرب، بعد معركة إيسلي سنة 1844، حجم الضعف العسكري الذي كان يعانيه المغرب في مواجهة القوى الأوروبية.
وتبقى هذه الليلة جزءاً من ذاكرة تطوان، شاهدة على مرحلة مؤلمة من تاريخ المدينة، وعلى لحظة انكسار وطني تركت آثارها في تاريخ المغرب الحديث.
أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى.
محمد داود، تاريخ تطوان.
مصادر حول حرب تطوان 1859-1860 والحرب الإسبانية المغربية.
مصادر محلية حول ذاكرة تطوان خلال الاحتلال الإسباني سنة 1860.