المراحل التاريخية للوجود الموريسكي بتطوان

تبرز المراحل التاريخية للوجود الموريسكي بتطوان في ثلاثة مظاهر أساسية: الصراعات الداخلية، الجهاد البحري، العلاقة بالأوربيين.

1 – الصراعات الداخلية:

وصل الأندلسيون المتأخرون إلى تطوان في عهد المقدم أحمد بن عيسى النقسيس (1608-1622) والتقت رغبة المقدم المذكور مع هؤلاء المهاجرين في عدة نقط منها:

تحفز النقسيس للانقضاض على سبتة، وهي رغبة المهاجرين الجدد للانتقام من الإسبان.

القضاء على محمد الشيخ المأمون المعاون مع الإسبان، والذي سلم لهم العرائش.

وعلى كل، فإن فترة أحمد بن عيسى النقسيس كانت فترة جهاد مشترك ضد الإسبان ولم تبرز فيها الصراعات السياسية بحدة، لكن بمجرد موته ستتضح الأمور…، وهكذا ففي عهد عيسى وإخوته ظهر هذا الصراع بكل وضوح، إذ عبر الأندلسيون بصراحة عن طموحهم السياسي، وعدم رغبتهم في الخضوع لأولاد النقسيس (البرابرة الجبليين).[59]

واستمر الصراع بين آل النقسيس والأندلسيين على أشده، وقام بوعلي –زعيم الأندلسيين- بانقلاب ضد النقسيس، لكنه باء بالفشل. كما حاول المجاهد العياشي –زعيم سلا- الاستيلاء على تطوان، ودبر مؤامرة للدخول إلى تطوان فر على إثرها عبد الله النقسيس إلى بلاد غمارة، وانتقل بعد ذلك على سبتة لاجئا عند الإسبان.[60]

وسيواجه أولاد النقسيس “أندلسيا آخر، لم يخف هو أيضا امتعاضه من سيطرة (البرابرة الجبليين) على تطوان، إنه الخضر غيلان، فقد كان يهاجم تطوان باستمرار خاصة أيام المقدم عبد الكريم النقسيس (1653-1659).[61]

وظل الأمر كذلك إلى أن قبض مولاي رشيد العلوي على رئيسها أحمد النقسيس.[62]

وقد اثبت الأستاذ محمد داود في تاريخه رسم شهادة بجماعة من أهل تطوان بتظلم أولاد النقسيس وطغيانهم:

“ولم يزالوا (أولاد النقسيس) في البلاد التطوانية يضربون نار الحروب ويثيرون المحن الكروب، والأهواء تلعب بهم، والأغواء تسوسهم حتى طلبوا الإمارة، كما سولت لهم نفوسهم الإمارة، وصالوا واستطالوا مع أشياعهم زمن الفترة من الملك في الفتن، واستغاثتهم وتغلبهم على ما هو معروف لبيت مال الله وقهر الضعفاء والمساكين من عباد الله، وخاضوا فيما يلوح لهم من المال المستحق لبيت مال المسلمين برا وبحرا، وعمارة وقفرا، من كل ما يتعين لله، واستعان به على إقامة دين الله ووثبوا على بيد وليهم من متروك من انقطع، ويتحكمون فيمن أبى وامتنع، إلى أن غرسوا بذلك وبنوا، واشتروا العقار والأصول والأمتعة واستغنوا وصاروا بسبب ذلك مستغرقين الذمم مما ذكر”.[63]

“وقام جماعة من الأندلسيين بعد ذلك بشراء أملاك أولاد النقسيس، وقد حاولوا –بتخالف مع غيلان- أن ينهضوا من جديد، لكن السلطان مولاي إسماعيل تمكن من القضاء لعيهم، فقتل الخضر غيلان وفر أولاد النقسيس الأربعة من تطوان، إلى سبتة، وعين السلطان القائد أحمد بن حدو لمواصلة الجهاد، وذكر الشيخ داود –نقلا عن أبي محمد السكيرج- أن هذا القائد هو الذي تنسب إليه الزنقة المعروفة في حومة الطرنكات (وهي حومة أندلسية) بزنقة القائد أحمد، لأنه كان يسكن بها –واختياره لهذا الموقع يحمل دليلا قاطعا على أن الجالية الأندلسية بتطوان حمته ورعته وساعدته خاصة أنه سوف يستخدمها لمهاجمة عدد من الثغور”.[64]

2 – الجهاد البحري:

كان الأندلسيون يتعرضون باستمرار لعمليات القرصنة من جانب السفن الأوروبية، ففي رسالة John Duppa الإنجليزي إلى Walter Aston المؤرخة في 7 يناير 1622 يشير إلى وصول عدد من الأندلسيين المأسورين: “وقصة هؤلاء الأندلسيين أنهم كانوا من سكان الجبال القريبة من تطوان إلى أن جاءهم ذات يوم قريب لهم من الجزائر، فبحث عن هؤلاء الذين كان أغلبهم ينتمي إلى عائلة واحدة، من أقربائه، ولما اجتمع بهم زين لهم أن يبيعوا كل ما يمتلكون من عقار وماشية، وأن ينتقلوا بأموالهم إلى الجزائر، فعمل هؤلاء المساكين بنصيحته فنزلوا إلى تطوان وصادف الأمر أن كان هناك مسافرين فحملوهم إلى الجزائر، فلما توسطوا معهم البحر أسروا جميعا بواسطة أسطولنا الإنجليزي الذي انتهب في الحال أموالهم وبضائعهم التي كانت معهم ولم يكونوا قد تركوا خلفهم في تطوان أموالهم أو أحدا من أقاربهم يمكنه أن يخلصهم أو يساعدهم”[65].

وسجل الأب دان أهمية تطوان كمركز من مراكز الجهاد البحري في شمال إفريقيا لكنه سجل في الوقت نفسه أن تطوان في عهده (1640) لم تكن لها إلا فركاطات (Frigates) صغيرة تصل أحيانا إلى السواحل الإسبانية، ولا تبعد عنها إلا قليلا. كما سجل أن الأسرى الإسبان والبرتغال بتطوان كانوا أكثر عددا من  أسرى سلا والجزائر كما سجل في الوقت نفسه أن مجاهدي تطوان كانوا يتعاملون غالبا بصدق وأمانة.[66]

وآل النقسيس يعرفون أولا بكونهم “أبطال الجهاد الوطني”، فحصارهم لسبتة وهجوماتهم البحرية على كبريات السفن الأوروبية بواسطة سفنهم الصغيرة، السريعة والفعالة، وكانت خطورة “قراصنة” تطوان تكمن في قدرتهم على الانفلات، داخل مياه نهر مارتيل، من قبضة مطار ديهم الأوربيين.

3.   العلاقات مع أوروبا:

منذ القرن 16، لعبت تطوان دور الوسيط التجاري بين أوربا وفاس، وإذا كانت تطوان قد استقبلت مبكرا “مهاجرين فاسيين” فإن السبب الرئيسي لذلك يكمن في كون تطوان، وقتها، باب أوربا الوحيد.[67]

واستفادت التجارة التطوانية، كثيرا، من موقعها الاستراتيجي بين إفريقيا وأوربا، وبين بحرين –الأطلسي والمتوسط، وكذا قربها من مضيق جبل طارق.

وأدى الاحتلال البرتغالي لأهم المدن الساحلية المغربية إلى تبوأ تطوان مكانة استراتيجية مهمة باعتبارها ممرا بحريا اضطراريا، خلال مبادلات الشمال بالجنوب، بين الأطراف الصحراوية وحوض المتوسط كما كانت تطوان المدينة الوحيدة المرتبطة مباشرة بالقبائل الريفية. وكانت التجارة التطوانية ذات صبغة عالمية وتمتد من الشرق الأوسط إلى الدنمارك[68] كما لا ينبغي إغفال دور تطوان في التجارة الداخلية والجهوية خصوصا مع شفشاون والقبائل المجاورة كبني يدر وغمارة.

وساهمت “القرصنة البحرية” في تدعيم تجارة العبيد من خلال عمليات الفداء، وشهدت تطوان قدوم بعثات الفداء المكونة أساسا من الإسبان والبرتغال.

وقد ساهمت هذه المبادلات التجارية في تمتين علاقات تطوان –السياسية والثقافية- مع الدول الأوروبية، بحيث نجد آل النقسيس يقيمون علاقات مباشرة مع القوى الأوروبية، بمعزل عن السلطة المركزية. وانتعشت الصناعة التقليدية، خصوصا الجلد والنسيج والخزف وصناعة الحرير.

وأدى ازدهار التجارة إلى خلق علاقات دبلوماسية مع الخارج، إذا استقبل آل النقسيس قنصلا انجليزيا سنة 1657 ومن قبله نائبا للقنصل الفرنسي.[69]

مدينة تطوان خلال الفترة الموريسكية

تقدر المصادر عدد الموريسكيين المستقرين بتطوان بعشرة آلاف نسمة، بالإضافة إلى 40 ألف نسمة بالمناطق المجاورة.. وقد بلغ العدد الإجمالي في أواسط القرن 17 من 22 إلى 26 ألف نسمة، وهو عدد هائل بالنسبة لظروف المرحلة التي نتحدث عنها، وبقي هذا العدد مستقرا نسبيا إلى حدود الانفجار الديموغرافي للقرن 20[70].

ونتج عن هجرة القرن 17 إضافة أحياء جديدة شرق وغرب المدينة الأصلية (المسماة حاليا: حومة البلاد). وأهم هذه الأحياء حومة العيون التي كانت تسمى بربض الأندلس، وحي الطرنكات. وبدت ملامح مدينة جديدة في التشكل نظرا للإضافات المعمارية النوعية التي أدخلها الموريسكيون، انطلاقا من فلسفة عملية جديدة إعداد المجال، وأصبحت تطوان تتوفر على أ؛ياء خاصة لتجمع الصناع التقليديين المتخصصين في حرفة معينة. وكانت تطوان القرن 17 مفتوحة على المحيط الخارجي لافتقارها إلى الأسوار، ولن تتم حمايتها بأسوار جديدة إلا خلال القرن 18  على يد القائد محمد تميم.[71]

ويمكن أن نتصور تطوان القرن 17 بمثابة شفشاون الحالية، وإذا كانت بعض الملامح المعمارية الأصلية قد انقرضت، خصوصا السقوف القرميدية، فإن المساجد تقف كشواهد على التأثير الموريسكي في تطوان، إذ تحتفظ بعض مساجد القرن 17 بالطابع الموريسكي الموجود بشفشاون وتستور (تونس).

وأبرز الأمثلة على ذلك جامع المصيمدي، بحومة العيون، المبني سنة 1611 (جدد سنة 1958)، وجامع الجديدة المبني سنة 1640، وجامع العيون، الذي بني سنة 1620 وتشترك هذه المساجد في بساطة صوامعها التي تخلو من الزخرفة، ما عدا شرائط من الآجر “وأقواس عمياء” نادرة.

وتلتقي منازل ومساجد القرن 17 في خلوها –عموما- من الزخرفة والمساحات المزينة. فلا نجد الجص المنقوش، ولا الخشب المنقوش أو المصبوغ ونادرا ما نجد القرميد المبرنق(18). ويبدو قصر عائلة (النقسيس) كنموذج للبنايات الأكثر صمودا من الناحية المعمارية في هذه الفترة. ويوجد هذا القصر غرب المدينة الأصلية (البلاد)، قريبا من ساحة الفدان، في ممر يحمل اسم زنقة المقدم النقسيس.

ومن آثار هذا العصر، المقبرة الإسلامية التي توضحت معالمها خلال القرن 17، وتوجد فوق سفح جبل درسة، ويقع قبر المقدم أحمد النقسيس في أعلى المقبرة إلى جوار شخصيات أخرى، وبنيت فوق بعض القبور بيوت مربعة تعلوها قباب، وتوجد بالمتحف الأركيولوجي بتطوان نماذج من شواهد

القبور تعود  إلى القرن 7.

ويبدو التأثير الإسباني واضحا في الفن الموريسكي التطواني ويظهر هذا التأثير في الملبس والكرز والحي والزخرفة المعمارية، يقول الأستاذ محمد قشتيليو عن تأثير الفن المدجن (Mudejar) في الفن الأندلسي المغربي:

“إن الفن المدجن في الحقيقة خدم المسيحيين والمسلمين على السواء، فهو أدى خدمة جليلة للفن الإسلامي الأندلسي على العموم، وكان له الفضل أيضا على الفن المغربي والذي نقله أهله إلى المغرب وسجلوه في قصوره وحصونه ومساجده، ومازالت آثاره لحد الآن بادية ويتداولها الخلف عن السلف، وإنما تؤديه يد الصانع المغربي الآن إلا ثمرة من ثمرات أولئك المهاجرين الأندلسيين، وإن جدي ووالدي رحمة الله علهما كانا من صناع فن النقش على الخشب توارثاه عن أجدادهما الذين هاجروا من ديارهم الأندلسية إلى تطوان، ومازالت صناعة الخشب بادية في المقصورة الخاصة لصلاة النساء بالجامع الأعظم بتطوان”[72] .

بقلم :
د. جمال بامي : رئيس مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، ووحدة علم وعمران بالرابطة المحمدية للعلماء.
المراجع :
- محمد رزوق الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16- 17 ص 251، ص 252، ص 253.
- محمد قشتيليو: تأثير الفن العربي المدجن في حياة الإسبان ص 55.

اترك تعليقك
تعليق
اسم
بريد إلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.