يُعد الشيخ محمد بن محمد العثماني Mohamed Ben Mohamed El Otmani واحداً من الأسماء العلمية التي بصمت الذاكرة الدينية والثقافية بمدينة تطوان خلال القرن العشرين، فقد جمع بين حفظ القرآن، والتكوين العلمي المتين، والاشتغال بالتدريس والفتوى والقضاء، إضافة إلى مواقف وطنية كلفته السجن والتعذيب.
وقد ارتبط اسمه بمدينة تطوان، التي وُلد بها وتلقى فيها جزءاً مهماً من تكوينه، قبل أن يتنقل بين عدد من المراكز العلمية بالمغرب، مثل طنجة وفاس، آخذاً العلم عن كبار العلماء والشيوخ في زمانه.
وُلد الشيخ محمد بن محمد بن الحاج أحمد العثماني بمدينة تطوان في أواخر رمضان سنة 1325هـ، الموافق لسنة 1907م.
وكان والده قد استقر بمدينة تطوان بعد قدومه من مسقط رأسه بقبيلة الحوز، من قرية وادي الليل، بحثاً عن الأمن والاستقرار وحماية لأسرته وماله من الاضطرابات والفتن التي كانت تعرفها بعض البوادي في تلك المرحلة.
وهكذا نشأ محمد بن محمد العثماني في مدينة تطوان، وسط بيئة علمية ودينية ساعدته على التوجه مبكراً نحو طلب العلم وحفظ القرآن.
أُدخل الشيخ محمد بن محمد العثماني إلى الكُتّاب وهو في الخامسة من عمره، فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وكانت هذه الخطوة بداية لمسار علمي طويل جعله واحداً من العلماء البارزين في شمال المغرب.
وبعد حفظه لكتاب الله، بدأ رحلاته العلمية في طلب الفقه والحديث واللغة والتصوف، متنقلاً بين عدد من العلماء والشيوخ داخل تطوان وخارجها.
بدأ الشيخ محمد بن محمد العثماني الأخذ عن شيوخ الجبل، ومن بينهم:
ثم رحل إلى مدينة طنجة، حيث درس على عدد من العلماء، منهم:
وبعد ذلك عاد إلى تطوان، مسقط رأسه، ليواصل الأخذ عن شيوخها وعلمائها، ومن بينهم:
ثم انتقل إلى مدينة فاس للدراسة بجامعة القرويين، إحدى أعرق المؤسسات العلمية في المغرب والعالم الإسلامي، حيث أخذ العلم عن عدد من شيوخها، من بينهم:
وقد ساهم هذا التنوع في الشيوخ والمراكز العلمية في تكوين شخصية علمية واسعة الاطلاع، جمعت بين المدرسة التطوانية، والعلم الجبلي، والتكوين الطنجي، والعمق القروييني الفاسي.
لم يكن تكوين الشيخ محمد بن محمد العثماني مقتصراً على مجال واحد، بل شمل عدة علوم شرعية ولغوية وروحية.
فقد أخذ عن شيوخ الفقه والقرآن والتصوف، واهتم بالعلوم الإسلامية التقليدية التي كانت تُدرّس في الكتاتيب والزوايا والمعاهد الدينية، كما انفتح على تراث العلماء المغاربة في النوازل والأحكام والشرح والتصوف.
وهذا ما يظهر لاحقاً في طبيعة مؤلفاته، التي جمعت بين الفقه، والتصوف، والتراجم العلمية.
كان للشيخ محمد بن محمد العثماني نشاط وطني بارز خلال فترة دقيقة من تاريخ المغرب.
وقد كلفته مواقفه الوطنية السجن والتعذيب لمدة تقارب سنتين، وهو ما يعكس التزامه بقضايا وطنه ودفاعه عن الشرعية والاستقلال.
وتبرز قوة موقفه الوطني بوضوح في أحد مؤلفاته الفقهية، حيث تناول مسألة الإمامة والبيعة، وأكد أن الإمامة الشرعية هي للسلطان محمد بن يوسف، وأن بيعته بعد إبعاده عن عرشه ظلت في عنق المغاربة جميعاً، معتبراً المتآمرين على العرش في حكم البغاة.
وهذا الموقف يجعل الشيخ محمد بن محمد العثماني من العلماء الذين جمعوا بين العلم الشرعي والوعي الوطني.
تولى الشيخ محمد بن محمد العثماني عدداً من المناصب العلمية والدينية والقضائية بمدينة تطوان وشمال المغرب.
ففي 24 رجب 1356هـ، الموافق لـ 24 شتنبر 1937م، عُين أستاذاً بالمعهد الديني في تطوان.
كما شغل منصب كاتب لعمادة الدروس الإسلامية، ثم كاتباً بالمحكمة العليا للاستئناف الشرعي في السنة الموالية.
وفي سنة 1364هـ، الموافق لسنة 1944م، تولى منصب خليفة لقاضي تطوان بقبيلة الحوز.
ثم عُين مفتياً رسمياً بمنطقة الشمال سنة 1372هـ، الموافق لسنة 1952م.
وفي سنة 1374هـ، الموافق لسنة 1954م، ختم مسيرته المهنية بالتدريس في المعهد الديني العالي بتطوان.
وتُظهر هذه المناصب المكانة العلمية التي كان يحظى بها داخل الأوساط الدينية والقضائية والتعليمية في المنطقة.
يُعد اشتغاله بالتدريس في المعهد الديني بتطوان من أبرز محطات حياته العلمية.
فقد ساهم من خلال هذا المنصب في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين في العلوم الشرعية، خاصة في مرحلة كانت فيها المعاهد الدينية تلعب دوراً محورياً في حفظ العلم الشرعي ونقله.
وكان المعهد الديني بتطوان آنذاك من المؤسسات المهمة في الحياة العلمية بالمدينة، وقد ساهم الشيخ محمد بن محمد العثماني في تعزيز إشعاعه العلمي والتربوي.
من أبرز المناصب التي تولاها الشيخ محمد بن محمد العثماني منصب المفتي الرسمي بمنطقة الشمال سنة 1372هـ/1952م.
ويُعتبر هذا المنصب دليلاً على الثقة العلمية التي حظي بها، وعلى مكانته بين علماء عصره، إذ كانت الفتوى مسؤولية كبرى تتطلب علماً راسخاً ومعرفة دقيقة بأحكام الشريعة وأحوال الناس.
وقد جعلته هذه المهمة في قلب الحياة الدينية والاجتماعية للمنطقة.
ترك الشيخ محمد بن محمد العثماني عدداً من التآليف التي تعكس اهتماماته العلمية والفقهية والتصوفية.
ومن بين ما ذُكر من مؤلفاته:
وهي من الأعمال المهمة التي توثق لمساره العلمي، ولأسماء العلماء الذين أخذ عنهم، كما تعكس طبيعة الشبكات العلمية التي كانت تربط بين تطوان والجبل وطنجة وفاس.
يتضمن هذا العمل إفتاءً طويلاً في أحكام الإمامة والبيعة، وقد أكد فيه أن الإمامة الشرعية هي للسلطان محمد بن يوسف، وأن بيعته بعد إبعاده عن العرش لا تزال في عنق المغاربة جميعاً.
كما اعتبر المتآمرين على العرش في حكم البغاة، وهو موقف فقهي ووطني مهم في سياق تاريخ المغرب الحديث.
وهو عمل يعكس اهتمامه بالتصوف المغربي، وبتراث الشيخ سيدي محمد الحراق، أحد أعلام التصوف والأدب الروحي بمدينة تطوان.
وهو شرح على أبيات الحلبي التي مطلعها:
قلت لليلى ما دواء السهر
قالت وصالي في طلوع السحر
ويُبرز هذا العمل اهتمامه بالتصوف والشرح الأدبي والروحي للنصوص.
يمثل الشيخ محمد بن محمد العثماني نموذج العالم التطواني الذي جمع بين التعليم التقليدي العميق، والرحلة في طلب العلم، والعمل القضائي والفتوى، والموقف الوطني الواضح.
كما تعكس سيرته غنى الحياة العلمية بمدينة تطوان خلال القرن العشرين، حيث كانت المدينة مركزاً للعلماء والفقهاء والمدرسين والوطنيين.
ولهذا يُعد إدراجه ضمن أعلام وشخصيات تطوان خطوة مهمة في توثيق الذاكرة الدينية والعلمية للمدينة.
انتقل الشيخ محمد بن محمد العثماني إلى دار البقاء يوم 8 شوال سنة 1410هـ.
وبعد الصلاة عليه، دُفن بالمقبرة العمومية بباب المقابر بمدينة تطوان، المدينة التي وُلد فيها، وتعلم بها، ودرّس فيها، وخدم أهلها علماً وفتوىً وتربيةً.
هو عالم وفقيه مغربي من مدينة تطوان، جمع بين التدريس والفتوى والقضاء والعمل الوطني خلال القرن العشرين.
وُلد بمدينة تطوان في أواخر رمضان سنة 1325هـ، الموافق لسنة 1907م.
تلقى تعليمه في تطوان، وأخذ عن شيوخ الجبل وطنجة، ثم درس بجامعة القرويين بفاس.
شغل منصب أستاذ بالمعهد الديني بتطوان، وكاتب بالمحكمة العليا للاستئناف الشرعي، وخليفة لقاضي تطوان بقبيلة الحوز، ومفتٍ رسمي بمنطقة الشمال.
نعم، كانت له أنشطة وطنية تعرض بسببها للسجن والتعذيب لمدة تقارب سنتين، كما دافع في أحد مؤلفاته عن شرعية السلطان محمد بن يوسف.
من مؤلفاته: “فهرسة شيوخه”، “سباق الأفهام في النوازل والأحكام”، “شرح تائية الشيخ سيدي محمد الحراق”، و“نهاية التشوف بداية التصوف”.
دُفن بالمقبرة العمومية بباب المقابر بمدينة تطوان.
.
(تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات) للمؤلف: عدنان الوهابي منشورات باب الحكمة