عبد الكريم الوزاني.. فنان تشكيلي من تطوان وصاحب هوية بصرية مختلفة في النحت المغربي
يُعد الفنان التشكيلي عبد الكريم الوزاني – Abdelkrim Ouazzani واحداً من أبرز الأسماء الفنية التي أنجبتها مدينة تطوان في مجال الفن التشكيلي والنحت المعاصر، ومن الوجوه التي ساهمت في ترسيخ مكانة مدرسة تطوان الفنية داخل المشهد التشكيلي المغربي.
ازداد عبد الكريم الوزاني بمدينة تطوان يوم 7 فبراير سنة 1954، وتلقى تعليمه الأولي والثانوي بها، قبل أن يلتحق بمدرسة الفنون الجميلة بتطوان، حيث حصل على دبلومها سنة 1975، وهو لا يتجاوز 21 سنة.
ومنذ بداياته، كان واضحاً أن مساره لن يكون امتداداً حرفياً لما سبقه، بل سيبحث عن لغة تشكيلية خاصة، تمزج بين الطفولة، والمرح، والخيال، والحركة، والنحت، والتلوين، والرمز.
وُلد عبد الكريم الوزاني في مدينة تطوان، المدينة التي ارتبط اسمها منذ القرن العشرين بمدرسة فنية متميزة، كان لها دور كبير في تكوين عدد من الفنانين التشكيليين المغاربة.
بعد إنهاء دراسته الابتدائية والثانوية بنجاح، التحق بمدرسة الفنون الجميلة بتطوان، التي كانت وما تزال من أهم المؤسسات الفنية في المغرب.
وقد شكّلت هذه المدرسة فضاءً أساسياً لتكوينه الأول، حيث تلقى مبادئ الرسم، والتلوين، والتشكيل، وتعرف على تقاليد مدرسة تطوان الفنية، قبل أن يتجه لاحقاً نحو صياغة أسلوبه الخاص.
حصل عبد الكريم الوزاني سنة 1975 على دبلوم مدرسة الفنون الجميلة بتطوان.
وكان هذا التخرج محطة حاسمة في مساره، لأنه فتح أمامه باب الانتقال إلى تجربة فنية أوسع، خارج المغرب، في فضاءات أوروبية كانت تعرف آنذاك تحولات كبيرة في الفن المعاصر.
لقد خرج من تطوان محملاً بتكوين تشخيصي، وبحس بصري متأثر بمدرسة فنية لها تقاليدها، لكنه سرعان ما بدأ في التحرر من ذلك الأفق، بحثاً عن لغة أكثر حرية وخصوصية.
في سنة 1975، رحل عبد الكريم الوزاني إلى فرنسا، حيث التحق بـ المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس.
وكانت باريس في تلك المرحلة عاصمة فنية مفتوحة على التجارب والتيارات الحديثة، وفضاءً لالتقاء الفنانين والمبدعين من مختلف دول العالم.
لم يكن عبوره إلى باريس مجرد انتقال جغرافي، بل كان اختراقاً لزمن فني جديد، تتحول فيه مجازات الفن المعاصر، ومواده، وموضوعاته، وطرقه في النظر إلى العالم.
وقد ساهمت هذه التجربة في دفعه إلى مراجعة علاقته بالتشخيص، وباللون، وبالشكل، وبالموضوع، قبل أن يبدأ في بلورة اختياراته الأسلوبية الخاصة.
بعد ثلاث سنوات من الدراسة بفرنسا، حصل عبد الكريم الوزاني سنة 1978 على الدبلوم الوطني للفنون الجميلة من باريس.
وقد مكنته هذه السنوات من مراكمة تجارب فنية مهمة، أثرت في منظوره الفني، وأعادت تشكيل مساره، ومنحته الخصوصيات التشكيلية التي سيُعرف بها لاحقاً.
لقد عاد من باريس وهو أكثر انفتاحاً على الفن المعاصر، وأكثر رغبة في التحرر من الموضوعات الجاهزة، والبحث عن عالم بصري يتجاوز المألوف.
لم يكن عبور عبد الكريم الوزاني لباريس وبروكسيل متصلاً فقط بفضاءات الأنوار، والمدارس الفنية، والمتاحف، والحواضر الأوروبية الضاجة بالتعابير البصرية.
بل كان، في العمق، احتكاكاً بتحولات متسارعة في الفن المعاصر، حيث لم تعد اللوحة مجرد مساحة لتمثيل الواقع، ولم يعد النحت مجرد تشخيص، بل أصبح الفن مجالاً للخيال، واللعب، والتفكيك، والرمز، والتجريب.
ومن هذا الاحتكاك، بدأ الفنان القادم من أفق تشخيصي يتخفف من تأثيره شيئاً فشيئاً، قبل أن يصوغ اختياراً أسلوبياً شكّل انزياحاً واضحاً عن الهوى الغالب على الرعيل الأول من فناني تطوان التشكيليين.
عاد عبد الكريم الوزاني إلى تطوان سنة 1980، وقد تحرر من الألوان القائمة والموضوعات الجاهزة التي كانت حاضرة في جزء من المناخ الفني والسياسي والثقافي آنذاك، مثل الطبل، والإنسان، والسلطة، والزرواطة، والأجواء الطلابية النضالية.
وبدأ يعرض مع زمرة من زملائه الفنانين بساحة الفدان ما كان يراكمه من أعمال داخل مرسمه الواقع بزنقة الزاوية، القريبة من باحة الفدان الشهيرة.
وكانت هذه المرحلة حيوية، لأنها جمعت بين العمل داخل المرسم، والاحتكاك المباشر بالمدينة، والعرض في فضاء عام مفتوح، قريب من الناس ومن نبض تطوان.
كان أول معرض فردي لعبد الكريم الوزاني سنة 1978، ونُظم برواق المكتبة العامة والمحفوظات بتطوان.
أما أول معرض جماعي شارك فيه فكان سنة 1976 بساحة الفدان.
وتكشف هذه البدايات عن ارتباطه المبكر بالفضاء الثقافي والفني للمدينة، وعن حضوره في لحظة كانت فيها تطوان تعرف حيوية تشكيلية مهمة، تجمع بين الفنانين، والطلبة، والفضاءات العامة، والمؤسسات الثقافية.
تجلت كائنات عبد الكريم الوزاني بوصفها مزيجاً من الروح الطفولية والنزعة المرحة في الصوغ.
لم يكن هذا الأسلوب سهلاً في البداية، لأنه لم يكن منسجماً تماماً مع الذائقة السائدة أو مع الخطوط الغالبة على الفن التشكيلي التطواني آنذاك.
لكنه مع مرور الوقت أصبح علامة على هوية بصرية مختلفة في النحت المغربي المعاصر.
فالفنان لم يكن يبحث عن إعادة إنتاج الواقع، بل كان ينحت عالماً خاصاً، تسكنه كائنات مرحة، وأشكال حالمة، وحركات لولبية، وخيال طفولي عميق.
يمزج عبد الكريم الوزاني بين الواقعي والمتخيل، فتتحرك لديه القوة التعبيرية للخط الملون نحو جوهر الأشياء، وباتجاه شعرية المرئي المتحول.
وقد وصف الفنان والناقد التشكيلي خليل المرابط تجربته بأنها تمنحنا لعبة توازن بين المرح، والتخيل، والسرية.
وهذه القراءة تضيء جانباً مهماً من فنه، فهو لا يرسم أو ينحت الشكل كما هو، بل يحوله إلى كائن بصري، يملك طاقته الخاصة، ويدعو المتلقي إلى الدخول في عالم بين اللعب والحلم.
يقول عبد الكريم الوزاني موضحاً أسرار منحوتاته:
“منحوتاتي ذات الإيقاعات الحلزونية البسيطة، مرسومة للأطفال الصغار والأطفال الكبار على السواء، كل إنسان يحوي في أعماقه طفلاً يتوق للفطرة، يحن لطبيعته الأولى، يشرئب، يجري، يقهقه، يلاعب لعبته الأثيرة، تسافر به إلى الفضاء، إلى عالم عجائبي، إنها الطفولة إذن، وهي من أقوى أعمدة الإبداع”.
هذه العبارة تكشف جوهر تجربته الفنية.
فالطفولة عنده ليست مرحلة عمرية فقط، بل طاقة داخلية، ومصدر للحرية، والدهشة، والخيال، والحركة.
ومن هنا نفهم لماذا تبدو منحوتاته مرحة وخفيفة ومتحركة، رغم أنها تحمل عمقاً جمالياً وفكرياً واضحاً.
من السمات المميزة في أعمال عبد الكريم الوزاني حضور الإيقاعات الحلزونية.
فاللولب عنده ليس مجرد شكل زخرفي، بل حركة للحياة، وصورة للتطور، وامتداد للخيال، ورمز للدوران الداخلي الذي يحرك الكائنات والأشياء.
ومن خلال هذا الهاجس، تتحول منحوتاته إلى كائنات دينامية، لا تقف جامدة، بل توحي بالحركة، واللعب، والطيران، والانطلاق نحو فضاءات عجائبية.
يزاوج عبد الكريم الوزاني بين الصباغة والنحت، وهو ما يمنح تجربته طابعاً متعدداً.
فهو لا يشتغل على اللون فقط، ولا على الكتلة فقط، بل يحاول الجمع بينهما داخل عالم بصري واحد.
وقد اشتغل على الأكريليك، والأكواريل، والتصميم، والنحت، والإشهار، والملصقات الفنية.
وهذا التنوع في الوسائط جعله فناناً متعدداً، قادراً على الانتقال بين اللوحة، والمنحوتة، والملصق، والعمل البصري الموجه للفضاء العام.
يقول عبد الكريم الوزاني إنه كان أول من استخدم تقنية الأكريليك سنة 1975.
كما اشتغل على الأكواريل، وهي تقنية مائية تحتاج إلى حساسية كبيرة في التعامل مع اللون والشفافية والضوء.
وتعكس هذه الاختيارات انفتاحه على مواد وتقنيات مختلفة، ورغبته في تطوير أدواته التعبيرية بعيداً عن القوالب الجاهزة.
إلى جانب الصباغة والنحت، اشتغل عبد الكريم الوزاني في مجال التصميم والإشهار والملصقات الفنية.
وقد بلغ عدد ملصقاته أكثر من 50 ملصقاً.
وتكتسي الملصقات أهمية خاصة، لأنها تجعل الفن قريباً من الفضاء العمومي، ومن التظاهرات الثقافية، ومن الذاكرة البصرية للمدينة والمجتمع.
ومن خلال هذا الجانب، ساهم الوزاني في إثراء الثقافة البصرية خارج حدود اللوحة التقليدية.
يرى عبد الكريم الوزاني أن الملونات الطبيعية، مثل حبات الشاي والزعفران، لم توجد إلا لتعطي نكهة خاصة للطعام، لا لتلوين الأعمال الفنية.
ويكشف هذا الرأي عن موقف جمالي واضح تجاه المادة الفنية، وعن حرص على التمييز بين الوظيفة الغذائية والوظيفة التشكيلية، وبين النكهة واللون، وبين الاستعمال اليومي والاستعمال الفني.
وقد ساعده هذا الوعي بالمادة على تطوير اختياراته التقنية الخاصة، وعلى بناء عالم لوني متحرر من الخطاب السهل حول “الطبيعي” و“الأصيل”.
بعد عودته إلى تطوان، عُين عبد الكريم الوزاني أستاذاً بمدرسة الفنون الجميلة بتطوان.
وكان لهذا التعيين أثر كبير في مساره، لأنه جعله ليس فقط فناناً ممارساً، بل أيضاً مؤطراً ومربياً فنياً لأجيال من الطلبة.
ومن خلال التدريس، نقل تجربته الفنية ومعرفته إلى أجيال جديدة، وساهم في استمرار مدرسة تطوان كفضاء للتكوين الفني.
في سنة 1998، أصبح عبد الكريم الوزاني مديراً لـ المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، المعروف سابقاً بمدرسة الفنون الجميلة، وذلك بعد المرحوم محمد السرغيني.
وتُعد هذه المحطة من أبرز محطات مساره، لأنها وضعته على رأس المؤسسة التي تخرج منها، والتي ساهمت في تكوينه الأول.
ومن موقعه الإداري والتربوي، واصل خدمة الفن، والطلبة، والتكوين، والمشهد التشكيلي بالمدينة.
من العبارات التي يرددها عبد الكريم الوزاني:
“من لا يفكر في الشباب لا يهمه المستقبل”.
وهذه العبارة تختصر نظرته إلى التكوين الفني، وإلى دور الفنان الأستاذ.
فهو يرى أن المستقبل يُبنى عبر الاهتمام بالشباب، وتشجيع الطلبة، وحثهم على الاجتهاد والمثابرة.
ولهذا ظل معروفاً بعلاقته القوية بطلبته في المعهد الوطني للفنون الجميلة، حيث يقابلون عطف مديرهم وأستاذهم بالمحبة والتقدير.
حظي عبد الكريم الوزاني بتقدير وتكريم من عدة جهات داخل المغرب وخارجه.
ففي سنة 1999، حصل على وسام الجمهورية الفرنسية من درجة فارس.
وفي سنة 2001، تم تكريمه في المهرجان الثقافي الثاني “خان مونت روزا للفنون” بدمشق.
وفي سنة 2004، حصل على وسام المملكة البلجيكية من درجة فارس.
وفي سنة 2007، عُين عضواً مراسلاً لأكاديمية الفنون الجميلة بقادس.
وتدل هذه التكريمات على المكانة التي اكتسبها داخل وخارج المغرب، وعلى امتداد تجربته في فضاءات فنية متعددة.
في سنة 1995، جرى اختيار عبد الكريم الوزاني ليتولى مهام عضو مراسل للأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بغرناطة.
ثم في سنة 2007، عُين عضواً مراسلاً لأكاديمية الفنون الجميلة بقادس.
وتعكس هذه العضويات الاعتراف بتجربته الفنية داخل الفضاء الإسباني والمتوسطي، كما تؤكد استمرارية العلاقة الرمزية بين تطوان والأندلس في مجال الفنون البصرية.
دخلت أعمال عبد الكريم الوزاني متاحف ومؤسسات فنية، واحتضنتها فضاءات متخصصة ومؤسسات تتنافس على اقتناء أعماله.
وهذا الحضور يعكس القيمة الفنية لتجربته، خاصة أن منحوتاته ولوحاته تحمل بصمة بصرية خاصة، يصعب الخلط بينها وبين تجارب أخرى.
فهو من الفنانين الذين استطاعوا أن يصنعوا عالماً خاصاً، وأن يحولوا المرح والطفولة والحركة إلى لغة تشكيلية معاصرة.
يدخل عبد الكريم الوزاني ضمن أعلام تطوان لأنه وُلد بها، وتكون في مدرستها الفنية، وعاد إليها أستاذاً ومديراً ومربياً، وساهم في تشكيل جزء من ذاكرتها البصرية الحديثة.
ومن خلاله، تظهر تطوان كمدينة لا تكتفي بحفظ تراثها الأندلسي، بل تنتج أيضاً فناً معاصراً، ونحتاً مختلفاً، وتجارب تشكيلية عالمية الأفق.
فهو واحد من الأسماء التي جعلت مدرسة تطوان حاضرة في النقاش التشكيلي المغربي، وواحد من الفنانين الذين منحوا للنحت المغربي المعاصر روحاً طفولية مرحة وعالماً بصرياً فريداً.
عبد الكريم الوزاني فنان تشكيلي ونحات مغربي من مدينة تطوان، يُعد من أبرز وجوه الفن التشكيلي والنحت المغربي المعاصر.
وُلد بمدينة تطوان يوم 7 فبراير سنة 1954.
درس بمدرسة الفنون الجميلة بتطوان، ثم تابع دراسته بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس.
حصل على دبلوم مدرسة الفنون الجميلة بتطوان سنة 1975.
يمزج أسلوبه بين الواقعي والمتخيل، ويعتمد على الروح الطفولية، والحركة الحلزونية، والمرح، والخيال، والنحت الملون.
لا، فهو يزاوج بين الصباغة والنحت، كما اشتغل على الأكواريل، والأكريليك، والتصميم، والإشهار، والملصقات الفنية.
تخرج من مدرسة الفنون الجميلة بتطوان، ثم عاد إليها أستاذاً، وأصبح سنة 1998 مديراً للمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان.
حصل على وسام الجمهورية الفرنسية من درجة فارس سنة 1999، ووسام المملكة البلجيكية من درجة فارس سنة 2004، كما عُين عضواً مراسلاً لأكاديميات فنية في غرناطة وقادس.
لأنه وُلد في تطوان، وتكون في مدرستها الفنية، وساهم في تطوير الفن التشكيلي والنحت المغربي، كما لعب دوراً تربوياً وإدارياً مهماً في المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان.