عبد السلام السكيرج.. مؤرخ تطوان الأول وصاحب “نزهة الإخوان”
يُعد الفقيه المؤرخ عبد السلام بن أحمد السكيرج واحداً من الأسماء العلمية المهمة في تاريخ مدينة تطوان، ومن أوائل من حاولوا تدوين تاريخ المدينة وأخبارها وأعيانها في مؤلف مستقل.
ينتمي عبد السلام السكيرج إلى أسرة السكيرج الأندلسية، وهي أسرة هاجرت إلى المغرب واستقر بعض أفرادها في مدينتي فاس وتطوان منذ سنة 1017هـ. وقد اشتهرت هذه الأسرة بالعلم والأدب، وبرز منها عدد من الفقهاء والعدول والأدباء.
وقد ارتبط اسم عبد السلام السكيرج بكتابه التاريخي “نزهة الإخوان وسلوة الأحزان في الأخبار الواردة في بناء تطوان ومن حكم فيها أو تقرر من الأعيان”، وهو من أقدم ما أُلّف في تاريخ تطوان، ولذلك يُنظر إليه باعتباره من أوائل مؤرخي المدينة.
وُلد عبد السلام بن أحمد السكيرج بمدينة تطوان سنة 1145هـ، داخل أسرة علمية أندلسية الأصل، كان لها حضور في مدينتي فاس وتطوان.
وتنتمي أسرته إلى البيوتات التي حافظت على الصلة بالعلم والفقه والوثائق، وهو ما هيأ له منذ صغره وسطاً مناسباً لتلقي المعرفة والانخراط في الحياة العلمية للمدينة.
وقد كان لانتمائه إلى أسرة السكيرج أثر في تكوين شخصيته، خاصة أن هذه الأسرة عرفت بوجود فقهاء وعدول وأعلام في مجالات متعددة.
مثل كثير من أقرانه في ذلك العصر، التحق عبد السلام السكيرج بالكتاب القرآني، فحفظ القرآن الكريم على يد عدد من المدررين.
وكان التعليم القرآني في تطوان يشكل المرحلة الأولى في تكوين العلماء والفقهاء، إذ يبدأ الطالب بحفظ كتاب الله، ثم ينتقل بعد ذلك إلى دراسة المتون والعلوم الشرعية واللغوية.
وبعد حفظ القرآن، اتجه السكيرج إلى طلب العلم على يد علماء تطوان، فدرس الفقه، والحديث، والتفسير، والنحو، والبلاغة، والعروض، والمنطق، وغيرها من العلوم التي كانت متداولة في تلك المرحلة.
أخذ عبد السلام السكيرج العلم عن عدد كبير من علماء تطوان، وقد بلغ عدد شيوخه الذين درس عليهم 27 شيخاً.
ومن أبرز هؤلاء:
وقد تلقى عنهم مختلف العلوم التي كانت تدرس في ذلك العصر، وهو ما مكنه من تكوين علمي واسع جعله لاحقاً من فقهاء وعدول المدينة.
درس عبد السلام السكيرج على شيوخه عدداً من الكتب والمتون الأساسية في التكوين العلمي المغربي.
ومن بين ما قرأه:
وتكشف هذه اللائحة عن تكوين علمي متين، يجمع بين الفقه المالكي، والعقيدة، واللغة، والحديث، والتفسير، والمنطق، والبلاغة.
بعد أن نهل من علماء تطوان، انتقل عبد السلام السكيرج إلى مدينة فاس للأخذ من معين علمائها، ومتابعة دراسته بجامع القرويين، الذي كان من أكبر مراكز العلم في المغرب.
وقد درس بفاس العلوم التي كانت متداولة في عصره، وهي لا تختلف كثيراً عما درسه في تطوان، لكنها أتاحت له الاحتكاك بمدرسة علمية واسعة وراسخة.
ورغم أن عدد شيوخه بفاس غير معروف بشكل كامل، فإن المصادر التي تحدثت عنه تذكر عالمين كبيرين كان لهما أثر خاص عليه، وهما:
وقد درس عليهما مختصر خليل، والتفسير، وصحيح البخاري، والسنوسية، وألفية ابن مالك.
بعد أن تضلع في مختلف العلوم، عاد عبد السلام السكيرج إلى تطوان، حيث استقر بها وتزوج سنة 1242هـ.
وفي السنة نفسها، رُزق بولده الوحيد عبد الخالق.
وقد نشأ هذا الابن يتيماً فقيراً عامياً، واشتغل في بداية حياته بصنعة الحياكة، ثم مارس مهنة البقالة، قبل أن يصبح أميناً بالجديدة، وهناك تحسنت أحواله واغتنى بمال وفير.
وتوفي عبد الخالق سنة 1308هـ من غير عقب.
تعددت مهن عبد السلام السكيرج وتنوعت، فقد اشتغل بالتدريس والتوقيت، كما مارس خطة العدالة.
وقد استقر في مزاولة خطة العدالة بحانوته الواقع تحت صومعة جامع العيون، واكتسب صيتاً طيباً بفضل حسن خطه ودقة توثيقه.
وكانت خطة العدالة في ذلك الزمن من الوظائف العلمية والاجتماعية المهمة، لأنها ترتبط بتوثيق المعاملات والعقود والنوازل، وتتطلب معرفة بالفقه، واللغة، والضبط، والأمانة.
وفي أواخر عمره، أصبح إماماً في زاوية الفاسيين، الواقعة قبالة القنى الكبير.
اشتهر عبد السلام السكيرج بحسن الخط ودقة التوثيق، وهما صفتان ضروريتان في عمل العدول.
وقد ساعده ذلك على اكتساب ثقة الناس، خاصة أن العدول في تطوان كانوا يقومون بدور مهم في حفظ الوثائق والعقود والمعاملات.
ومن هنا، يمكن القول إن السكيرج لم يكن فقط مؤرخاً يكتب عن الأخبار، بل كان أيضاً رجل وثيقة ومعاملة، قريباً من حياة الناس اليومية، ومن تاريخ الأسر والأعيان والوقائع المحلية.
اشتهر الفقيه عبد السلام السكيرج بحب المزاح والدعابة، وبخفة الظل وكثرة البسط.
وقد ذكر له العلامة أحمد الرهوني في تاريخه عدة حكايات تُظهر ميله إلى المزاح، وتبرز خفة روحه وشدة مرحه.
غير أن بعض مظاهر مزاحه، كما تذكر المصادر، كانت قد تخرج أحياناً عن حدود اللياقة والأدب حسب معايير زمانه.
وتعطي هذه الأخبار صورة إنسانية عن الرجل، فهو فقيه وعدل ومؤرخ، لكنه في الوقت نفسه شخصية اجتماعية مرحة، حاضرة في ذاكرة الحكاية التطوانية.
كان عبد السلام السكيرج قليل التأليف، ولا تذكر المصادر التي ترجمت له سوى مؤلفين اثنين:
وهي منظومة يذكر فيها أسماء أوراق الكارطة وطريقة لعبها، وقد ذيلها بشرح.
وتعتبر هذه المنظومة وشرحها في حكم المفقود.
ورغم طرافتها، فإنها تكشف جانباً من شخصية السكيرج المرحة، واهتمامه ببعض مظاهر الحياة الاجتماعية والترفيهية في زمنه.
أهم مؤلفاته على الإطلاق هو كتابه:
“نزهة الإخوان وسلوة الأحزان في الأخبار الواردة في بناء تطوان ومن حكم فيها أو تقرر من الأعيان”
وهو كتاب ضخم في تاريخ تطوان وأخبارها وأعيانها، ويُعد من أقدم المؤلفات التي اهتمت بتوثيق تاريخ المدينة.
يُعتبر كتاب “نزهة الإخوان وسلوة الأحزان” من أهم الأعمال المبكرة في تاريخ تطوان.
وقد كان الكتاب في أصله عملاً ضخماً يتكون من سفرين كبيرين، مجموع صفحاتهما حوالي 500 صفحة.
وقد تناول فيه السكيرج الأخبار الواردة في بناء تطوان، ومن حكم فيها، ومن تقرر فيها من الأعيان، مما يجعله مصدراً مهماً في تاريخ المدينة وأعلامها.
ويكتسي الكتاب أهمية خاصة لأنه سبق كثيراً من المؤلفات اللاحقة حول تطوان، وكان من المصادر التي اعتمد عليها من جاء بعده من المؤرخين.
كانت توجد نسخة أصلية من كتاب “نزهة الإخوان” في طنجة، بمكتبة الشيخ محمد بلعياشي السكيرج، إلا أنها ضاعت في ظروف غامضة.
وقد شكل ضياع هذه النسخة خسارة كبيرة للذاكرة التاريخية لتطوان، لأن الكتاب كان من أقدم المؤلفات التي توثق لأخبار المدينة.
ومع ذلك، لا تزال بعض القطع والأوراق منه محفوظة أو منقولة في حوزة بعض الأسر والباحثين، مما يؤكد أن أثر الكتاب لم يختف بالكامل.
يرى العلامة الفقيه محمد المنوني أن هناك قطعة أخرى من كتاب “نزهة الإخوان” كانت في حوزة السيد محمد اللواجري التطواني، وعدد صفحاتها 203 صفحة.
كما أشار الفقيه محمد بوخبزة إلى وجود أوراق من هذا الكتاب عند أسرة العطار وأسرة الفاسي.
وهذه الإشارات تدل على أن الكتاب ظل متفرقاً بين الخزائن الخاصة والأسر التطوانية، وأن جمعه وتحقيقه يمثل عملاً مهماً لكل باحث في تاريخ تطوان.
من المعطيات المهمة التي أوردها الأستاذ محمد بن عزوز حكيم أن كتاب “نزهة الإخوان” تُرجم كاملاً إلى اللغة الإسبانية من طرف Climente Cerdera.
وقد أكد ابن عزوز حكيم أنه وقف بنفسه على هذه الترجمة في الأرشيف الإداري العام بمدريد.
ويُعد هذا المعطى مهماً جداً، لأنه يفتح باباً أمام الباحثين لاستعادة مضمون الكتاب من خلال ترجمته الإسبانية، حتى لو ضاعت النسخة العربية الأصلية أو تفرقت أوراقها.
تكمن أهمية عبد السلام السكيرج في كونه من أوائل من حاولوا جمع أخبار تطوان في كتاب مستقل.
فقد أدرك مبكراً أن المدينة تحتاج إلى تدوين تاريخها، وأخبار بنائها، وحكامها، وأعيانها، وتفاصيل حياتها.
ومن هذه الزاوية، يمكن اعتباره من أوائل مؤرخي تطوان، بل إن بعض الباحثين يشيرون إليه بوصفه مؤرخ تطوان الأول.
وإذا كان كتابه قد ضاع أو تفرق، فإن مجرد الإشارة إلى حجمه ومحتواه تدل على أن الرجل كان يحمل وعياً تاريخياً مبكراً بقيمة المدينة وضرورة حفظ ذاكرتها.
توفي الفقيه المؤرخ عبد السلام السكيرج سنة 1250هـ.
وقد دُفن بتطوان في مكان غير معلوم على وجه اليقين.
غير أن محقق كتاب “نزهة الإخوان”، الأستاذ يوسف احنانة، وبناءً على أكثر من مصدر، يرجح أن يكون مؤرخ تطوان الأول قد دُفن في الزاوية العيساوية بضريح للا عربية في حي العيون.
وقد علل هذا الرأي بكون معظم سكان هذا الحي المعروفين دُفنوا في هذه الزاوية.
ومع غياب دليل قطعي، تبقى هذه المعلومة واردة بصيغة الترجيح لا الجزم.
يبقى عبد السلام السكيرج شخصية مهمة في تاريخ تطوان، ليس فقط لأنه فقيه وعدل ومؤرخ، بل لأنه يمثل مرحلة مبكرة من الوعي التاريخي بالمدينة.
وقد جمع في شخصيته بين:
كما أن كتابه “نزهة الإخوان” يجعله حلقة أساسية في سلسلة مؤرخي تطوان، قبل أحمد الرهوني ومحمد داود وغيرهما من الأعلام الذين اعتنوا بتاريخ المدينة.
عبد السلام بن أحمد السكيرج فقيه وعدل ومؤرخ تطواني، يُعد من أوائل من كتبوا في تاريخ مدينة تطوان.
وُلد بمدينة تطوان سنة 1145هـ.
تنحدر أسرة السكيرج من أصل أندلسي، وقد هاجرت إلى المغرب واستقر أفرادها في فاس وتطوان منذ سنة 1017هـ.
أشهر مؤلفاته كتاب “نزهة الإخوان وسلوة الأحزان في الأخبار الواردة في بناء تطوان ومن حكم فيها أو تقرر من الأعيان”.
كانت له نسخة أصلية في طنجة، لكنها ضاعت في ظروف غامضة. وتوجد منه قطع وأوراق متفرقة، كما قيل إن له ترجمة إسبانية كاملة محفوظة بالأرشيف الإداري العام بمدريد.
مكان دفنه غير معلوم بشكل قطعي، لكن بعض الباحثين يرجحون أنه دُفن في الزاوية العيساوية بضريح للا عربية في حي العيون بتطوان.
لأنه ألّف من أقدم الكتب المعروفة في تاريخ تطوان، واهتم فيه ببناء المدينة وحكامها وأعيانها وأخبارها.
اعتمدت هذه المادة على المعطيات الواردة في منشورات باب الحكمة، ضمن مادة للمؤلف الوهابي حول الفقيه المؤرخ عبد السلام بن أحمد السكيرج.
.