العلامة أحمد بن تاويت.. فقيه ومحدث وقاضٍ من أعلام تطوان
يُعد العلامة الفقيه المحدث الأصولي أبو العباس أحمد بن محمد بن عمر بن تاويت الودراسي واحداً من أبرز علماء مدينة تطوان خلال القرن العشرين، ومن الأسماء التي جمعت بين حفظ القرآن، والفقه، والحديث، والأصول، والقضاء، والتدريس، وخدمة العلم الشرعي.
وُلد بمدينة تطوان أواخر سنة 1321هـ، الموافق لسنة 1903م، ونشأ في بيت علم وزهد وورع. وقد عُرف بين أهل العلم والطلبة بوقاره وتواضعه وزهده في المناصب، وبحرصه على أداء الرسالة العلمية والتربوية دون طلب للجاه أو المال.
وكان من أعلام تطوان الذين ظلوا أوفياء للعلم والتعليم إلى آخر حياتهم، حتى بعد رجوعه من التدريس في الحجاز، حيث واصل نشر العلم في الجامع الكبير وفتح بيته للطلبة والمستفتين والباحثين.
اسمه الكامل هو أبو العباس أحمد بن الفقيه البركة مقرئ القرآن الكريم محمد بن عمر بن تاويت الودراسي نسباً، التطواني داراً ومنشأً وقراراً.
وُلد بمدينة تطوان سنة 1903م، داخل بيت عرف بالقرآن والعلم والصلاح. وقد نشأ في محيط علمي وروحي ساعده منذ الصغر على التعلق بكتاب الله وبمجالس العلماء.
وكان والده الشيخ المقرئ الفقيه محمد بن عمر بن تاويت من أهل القرآن، وقد كان له دور كبير في التكوين الأول لابنه، إذ حفظ أحمد بن تاويت القرآن الكريم على يديه.
بدأ أحمد بن تاويت تعليمه الأول في كتاب والده بحي الطرنكات، في الزنقة التي تعرف اليوم باسم زنقة عبد اللطيف المدوري.
هناك حفظ القرآن الكريم على يد والده، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والتجويد، قبل أن ينتقل إلى مرحلة حفظ المتون والمصنفات العلمية التي كانت تشكل أساس التكوين التقليدي لطلبة العلم في تطوان.
وقد ساعده هذا التكوين المبكر على بناء قاعدة علمية قوية، جعلته لاحقاً من العلماء المبرزين في الفقه والنحو والأصول والعلوم الدينية واللغوية.
لازم أحمد بن تاويت عدداً من كبار شيوخ وفقهاء مدينة تطوان، وأخذ عنهم العلوم الشرعية واللغوية.
ومن أبرز من تلقى عنهم:
وقد ساهم هؤلاء العلماء في ترسيخ تكوينه الشرعي، وفي جعله واحداً من الوجوه العلمية البارزة بالمدينة.
سافر أحمد بن تاويت إلى مدينة فاس، التي كانت آنذاك منبعاً للعلم ومركزاً للإشعاع الفكري بالمغرب.
ومكث بها ستة أعوام، درس خلالها بجامع القرويين، وأخذ العلم عن عدد من كبار علمائها وأساتذتها.
ومن أبرز شيوخه بفاس:
وقد أجازه عدد من هؤلاء الشيوخ إجازات علمية تشهد له بالرسوخ في العلم واللغة، وتؤهله لتحمل مسؤولية التدريس والقضاء والإفتاء.
أهلت المكانة العلمية المتميزة للفقيه أحمد بن تاويت أن يتبوأ مناصب رفيعة في القضاء والفتوى والتدريس بمختلف المعاهد والمؤسسات العلمية.
وكان مرجعاً في:
ورغم هذه المكانة، عُرف بتواضعه وزهده في المناصب الإدارية، بل كان يتخلى عنها أحياناً إيثاراً لراحة الضمير، ورفضاً لأي أجر لا يقابله عمل وجهد.
وهذا الجانب الأخلاقي ظل من أبرز ما يذكره عنه طلبته وأصدقاؤه.
بعد رجوعه إلى مسقط رأسه تطوان، كان في نيته السفر إلى مصر للاستزادة من العلم والأخذ عن علمائها وفقهائها، كما تيسر ذلك لاحقاً لشقيقه الأستاذ الأديب محمد بن تاويت التطواني.
لكن ظروفاً خاصة حالت دون سفره، فتم تعيينه مدرساً بالمعهد الديني العالي بتطوان.
ثم ولج خطة العدالة، غير أنه ما لبث أن عاد مرة أخرى إلى التدريس، وهذه المرة بالمدرسة الإسلامية النيل الفرنسية بتطوان، حيث ظل يدرس مدة طويلة.
ظل أحمد بن تاويت يدرس بالمدرسة الإسلامية النيل الفرنسية بتطوان إلى أن قرر الاستقالة منها، بعدما أقدم الفرنسيون على النيل من رمز سيادة الأمة ووحدتها.
وقد عكس هذا الموقف حسه الوطني ورفضه لأي مساس برمز الشرعية المغربية، كما أظهر أن العالم عنده لا ينفصل عن هموم بلده وقضايا أمته.
ولم يكن أحمد بن تاويت عالماً منعزلاً عن واقعه، بل كان متتبعاً لأحوال المغرب، مشاركاً في همومه، ومعبراً عن مواقفه حين تقتضي الضرورة ذلك.
بعد مغادرته التدريس في المدرسة الإسلامية الفرنسية، عُين من طرف الخليفة السلطاني قاضياً بالحضرة التطوانية.
ثم تولى مهمة مفتش العدالة الشرعية بالناحية الغربية.
وقد عرف في القضاء بالورع والاستقامة والتواضع، وكان من القضاة الذين جمعوا بين الرسوخ العلمي والحرص على سلامة الضمير.
ومن أعماله في هذا المجال إصدار الأحكام الشرعية خلال مدة قضائه، إضافة إلى تعليقات وتقاييد فقهية تدل على اهتمامه بالقضاء والنوازل والأحكام.
نال الفقيه أحمد بن تاويت جائزة عيد العرش الأدبية مرتين:
ويعكس هذا التتويج مكانته العلمية والأدبية، وقدرته على الجمع بين الفقه واللغة والبيان، في وقت كانت فيه الجوائز الأدبية والعلمية تعكس الاعتراف بمكانة العلماء والأدباء داخل الحياة الثقافية المغربية.
بعد استقلال المغرب، عُين أحمد بن تاويت مديراً للمعهد الديني الثانوي.
ثم عمل أستاذاً بكلية أصول الدين بتطوان، التابعة لجامعة القرويين.
وبعد ذلك انتُدب للتدريس بدار الحديث الحسنية بالرباط، وهو انتداب يدل على مكانته العلمية العالية وقدراته الذهنية المتميزة.
فدار الحديث الحسنية كانت تضم ثلة من كبار علماء المغرب، ومن بينهم:
وكان وجود أحمد بن تاويت بينهم شهادة واضحة على قيمته العلمية.
أسندت إلى الفقيه أحمد بن تاويت مهمة تدريس الفقه على مستوى الخلاف العالي بدار الحديث الحسنية.
وكانت دروسه من أهم الدروس التي تلقى في هذه المؤسسة العلمية الرفيعة.
وقد تألق نجمه في دار الحديث الحسنية، وكان وجوده بها من أسمى المحطات في مساره العلمي، إذ بلغ من خلالها مقاماً علمياً مرموقاً بين كبار علماء المغرب.
أهله تألقه العلمي في دار الحديث الحسنية لأن يُنتدب من طرف الأمين العام لرابطة علماء المغرب للتدريس بجامعة أم القرى بالمدينة المنورة.
فرحل إلى الحجاز، ليصبح أستاذاً مبرزاً في هذه الجامعة العريقة، التي تضم كبار الشيوخ والعلماء.
وقد أدى مهمته هناك عن جدارة واستحقاق، مثبتاً ما لعلماء المغرب من دراية وكفاية في البحث والاطلاع، وما راكموه من تجربة في التربية والتعليم.
غير أنه بعد أعوام قليلة، ونظراً لحالته الصحية، فضل إنهاء مهمته بالديار المقدسة والرجوع إلى مدينة تطوان.
بعد عودته إلى تطوان، لم يخلد أحمد بن تاويت إلى الراحة، رغم تقدمه في السن وما كان يعتريه من وعكات صحية.
بل واصل أداء رسالته العلمية، فتولى مسؤولية كرسي التفسير بالجامع الكبير، ضمن الكراسي العلمية التي أعيد إحياؤها بالمدينة.
كما ظل بيته مفتوحاً أمام طلبة العلم، والمستفتين، والباحثين، وأصبح منتدى للعلم والعلماء، ومركزاً يجتمع فيه عدد من أصدقائه ورفقائه في العلم.
وهذا يؤكد أن العلم كان عنده رسالة حياة، لا وظيفة تنتهي بالإحالة على التقاعد أو المرض.
كان الفقيه أحمد بن تاويت من الأسماء العلمية الفاعلة في المؤسسات العلمية المغربية.
فقد كان:
وتكشف هذه العضويات عن حضوره في مجال خدمة القرآن والعلوم الشرعية، وعن دوره في دعم مؤسسات التعليم الديني بمدينة تطوان.
لم تكن المهام العلمية للشيخ وانشغاله بالعلم والتدريس والقضاء لتشغله عن الاهتمام بأحوال بلده السياسية والاجتماعية.
فقد كان متتبعاً لأحوال الأمة، مشاركاً في همومها وأحزانها، كما كان حاضراً في آمالها وأحلامها.
وقد تجلى ذلك في استقالته من منصبه كمدرس بالمدرسة الإسلامية الفرنسية، احتجاجاً على سياسة فرنسا بالمغرب.
كما عُين من طرف الخليفة السلطاني، باعتباره القاضي الشرعي لمدينة تطوان، ضمن الوفد الرسمي الذي تقرر إيفاده إلى مدريد لتقديم الشكر لرئيس الدولة الإسبانية على موقف إسبانيا بعد نفي جلالة الملك محمد الخامس.
وبعد عودة الملك محمد الخامس من المنفى واستقلال المغرب، استقبله جلالته، كما استُقبل كذلك من طرف جلالة الملك الحسن الثاني ضمن أعضاء رابطة علماء المغرب.
عُرف أحمد بن تاويت بالعلم والزهد والتواضع والوقار.
وكان من القضاة والعلماء الذين يجمعون بين الجلال والسكينة، وبين العلم والعمل، وبين الصرامة العلمية وحسن الخلق.
وكان لا يقبل أجراً لم يبذل في مقابله جهداً وعملاً، وهو ما يدل على ورعه وسلامة ضميره.
وقد ظل طلبته وأصدقاؤه يذكرونه بما عُرف به من:
ترك الفقيه أحمد بن تاويت عدداً من الأعمال والتعليقات والتقاييد العلمية، من بينها:
وتكشف هذه الأعمال عن اهتمامه بالأصول والفقه والقضاء والنوازل، وعن جرأته في إبداء الرأي الشرعي المدلل بالحجة.
توفي العلامة الفقيه أحمد بن تاويت بمسقط رأسه مدينة تطوان، صبيحة يوم السبت 9 ربيع الأول 1414هـ، الموافق لـ 28 غشت 1993م، عن سن تناهز 90 سنة.
وقد ترك وراءه ذكراً طيباً بين أصدقائه وطلبته، الذين ظلوا يذكرونه بالعلم، والزهد، والورع، والنشاط، والخلق الرفيع.
يبقى أحمد بن تاويت واحداً من أعلام تطوان الذين جمعوا بين القرآن، والفقه، والقضاء، والتدريس، وخدمة الوطن.
وتكمن قيمته في أنه امتداد للمدرسة العلمية التطوانية الأصيلة، وفي كونه جسراً بين التعليم التقليدي، والمعاهد الدينية، ودار الحديث الحسنية، وجامعة أم القرى.
كما أن مساره يبرز مكانة علماء تطوان في خدمة العلم داخل المغرب وخارجه، ويظهر كيف كان الفقيه التطواني قادراً على التدريس في أعلى المؤسسات العلمية، من تطوان إلى الرباط، ومن الرباط إلى الحجاز.
أحمد بن تاويت عالم وفقيه ومحدث وأصولي وقاضٍ تطواني، عُرف بعلمه وورعه وتواضعه، ودرّس في مؤسسات علمية كبرى داخل المغرب وخارجه.
وُلد بمدينة تطوان أواخر سنة 1321هـ، الموافق لسنة 1903م.
حفظ القرآن على يد والده الشيخ المقرئ محمد بن عمر بن تاويت، بكتاب حي الطرنكات بمدينة تطوان.
درس على علماء تطوان، ثم سافر إلى فاس حيث مكث ست سنوات يدرس بجامع القرويين على كبار علمائه.
شغل مناصب في التدريس والقضاء والفتوى، منها قاضي الحضرة التطوانية، مفتش العدالة الشرعية، أستاذ بكلية أصول الدين، أستاذ بدار الحديث الحسنية، وأستاذ بجامعة أم القرى.
نعم، نال جائزة عيد العرش الأدبية مرتين، سنة 1951 وسنة 1952.
انتُدب للتدريس بدار الحديث الحسنية بالرباط، حيث درّس الفقه على مستوى الخلاف العالي إلى جانب كبار علماء المغرب.
نعم، انتُدب للتدريس بجامعة أم القرى بالمدينة المنورة.
توفي يوم السبت 9 ربيع الأول 1414هـ، الموافق لـ28 غشت 1993م، بمدينة تطوان.
اعتمدت هذه المادة على:
سلسلة إتحاف الإخوان بتراجم أعلام تطوان: الفقيه أحمد بن تاويت الودراسي
.
حميد
07/07/2026 at 16:14الجامعة الحجازية التي درس فيها الشيخ هي الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية، أما جامعة أم القرى فهي توجد بمكة المكرمة. وقد ذكر ذلك بعض تلاميذه، منهم العالم الكويتي الدكتور فلاح بن إسماعيل مندكار رحمه الله وأثنى على الشيخ أحمد، وكذلك الشيخ المغربي الدكتور محمد باقشيش حفظه الله.