أحمد الزواقي.. شيخ الجماعة ومالك عصره في الفقه والورع بتطوان
يُعد الفقيه العلامة أحمد الزواقي واحداً من كبار علماء مدينة تطوان في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ومن الشخصيات العلمية التي جمعت بين الفقه، والقضاء، والإفتاء، والتدريس، والإمامة، والخطابة.
واسمه الكامل هو أبو العباس أحمد بن الطاهر الزواقي الجنوني الحسني، ويُعرف أيضاً باسم أحمد الزواق، إذ ترد نسبته أحياناً بدون ياء النسبة. أما لفظ “الزواقي” فيُنطق بضم الزاي لا غير.
وُلد بمدينة تطوان سنة 1276هـ / 1860م، في فترة حساسة من تاريخ المدينة، بعيد هجرة عدد من سكانها عنها بعد دخول الجيوش الإسبانية إليها. وقد نشأ في بيت صلاح وقرآن، ثم أصبح من كبار فقهاء تطوان، حتى وصفه معاصروه بأنه شيخ الجماعة ومالك عصره فقهاً وورعاً.
ينحدر أحمد الزواقي من أسرة ذات أصول حسنية، قدم جده الرابع أو الخامس من مدشر الزواقين من قبيلة بني مسارة، حيث كان مقر أسلافه الكنونيين القاسميين الحسنيين.
وكان والده رجلاً صالحاً حسن النية، حافظاً لكتاب الله تعالى، يتعاطى عمل البناء. وقد كان يدعو الله أن يرزقه ولداً عالماً، فاستجاب الله دعاءه، ورُزق بابنه أحمد، الذي صار عالماً فقيهاً مفتياً قاضياً ومدرساً، كما رُزق بابنه الآخر محمد، الذي كان فقيهاً أديباً شاعراً مجيداً ومدرساً متقناً.
وقد تميز الأخوان منذ الصغر بطبعين مختلفين: فكان أحمد ميالاً إلى الانطواء والعزلة والنفور من اللعب مع الأقران، بينما كان أخوه محمد منبسطاً محباً للمرح والمزاح والصحبة.
وظل كل منهما على طبعه بعد الكبر؛ فأعان انطواء أحمد وصرامته على ما تولاه من مهام القضاء والإفتاء والإمامة، بينما ساعدت مرونة أخيه محمد على الاضطلاع بمهام الإدارة والسياسة والكتابة الحكومية.
عندما بلغ أحمد الزواقي سن التعليم، بدأ والده بإقرائه القرآن الكريم، فحفظ منه ما تيسر، ثم أدخله الكُتاب، فحفظ القرآن على يد الفقيهين الصالحين:
وبعد حفظ القرآن، شرع في حفظ المتون العلمية التي كانت أساس التكوين الفقهي واللغوي في ذلك العصر، مثل:
وكان هذا التكوين الأولي هو الأساس الذي سيبني عليه لاحقاً مساره العلمي الكبير.
حضر أحمد الزواقي مجالس عدد من كبار فقهاء تطوان في عصره، وكانوا من صفوة علماء المدينة.
ومن أبرز من أخذ عنهم:
وقد تلقى عن هؤلاء العلماء مبادئ الفقه، واللغة، والحديث، والعلوم الشرعية، قبل أن تتوق نفسه إلى الرحلة نحو فاس، عاصمة العلم والقرويين.
في سنة 1297هـ، رحل أحمد الزواقي إلى مدينة فاس لمتابعة دراسته بجامع القرويين، وظل بها إلى أواخر شعبان سنة 1305هـ.
وخلال هذه المدة، درس أنواع العلوم اللغوية والشرعية على أعلام الحضرة الفاسية، فتوسع في الفقه، والتفسير، والحديث، والتصوف، واللغة، والنحو، والبلاغة، وأصول الدين.
وقد كانت هذه المرحلة حاسمة في تكوينه، إذ عاد بعدها إلى تطوان عالماً متضلعاً، حافظاً للمذهب، واسع الاطلاع على علوم العربية والشريعة.
من أبرز شيوخه بفاس:
وكان للشيخ أحمد بن محمد الخياط أثر خاص في نفسه، إذ كانت له صلة كبيرة بوالد الزواقي، فكان يرعاه ويحيطه بعناية خاصة. وقد أدرك أحمد الزواقي ذلك، فاتخذه أباً روحياً في الظاهر والباطن، ولازم دروسه في الفقه والتفسير والحديث والتصوف.
بعد أن أنهى دراسته بفاس، رجع أحمد الزواقي إلى مسقط رأسه تطوان، وقد استوفى مراده من التعليم، وصار عالماً متضلعاً في علوم اللغة والشريعة.
عاد وهو حافظ للمذهب، مطلع على علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة، وعلى علوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول، فتصدّر لنشر التعليم وإرشاد الخلق، قاصداً بذلك وجه الله تعالى والدار الآخرة.
وقد انتفع به الطلاب، وكثروا بين يديه، كما تعاطى في الوقت نفسه مهنة العدالة، ثم أخذ يمارس الفتوى منذ سنة 1310هـ / 1892م.
تحدث تلميذه الفقيه المؤرخ أحمد الرهوني عن أثر شيخه الزواقي في التعليم بعد عودته من فاس، فقال إن شيخهم محمد الآبار أخبرهم بقدوم عالم كبير محقق إلى تطوان، ونصحهم بلزوم دروسه.
فلما قدم الزواقي، أقبل عليه الطلبة إقبال الظمآن على نهر الريان، وفتح معهم دروساً في مختصر خليل بشرح الدردير بالجامع الأعظم بتطوان، كما درسهم الأجرومية والألفية.
وقد لازمه الرهوني ورفاقه نحو خمس سنوات، لم يفتر فيها عن التعليم، إلى أن دُعي إلى طنجة للعمل بدار النيابة.
وتبرز هذه الشهادة مكانة الزواقي في نفوس طلبته، وتأثيره العميق في جيل من علماء تطوان.
كان أحمد الزواقي مدرساً متقناً، واسع المعرفة، وقد أقرأ عدداً كبيراً من الكتب والمتون العلمية، منها:
وتدل هذه اللائحة على سعة تكوينه، وعلى كونه من العلماء الذين جمعوا بين الفقه والحديث واللغة والبلاغة والمنطق والتصوف.
دُعي أحمد الزواقي إلى طنجة للعمل كاتباً لدى النائب السلطاني الحاج محمد الطريس بدار النيابة.
وقد استجاب لهذا الطلب وذهب إلى طنجة، غير أنه لم يلبث طويلاً في هذا العمل، إذ ضاق ذرعاً بما رآه من تطاول الأجانب على الشرع وسلطة المخزن، وبما كان رجال السلطة المغربية مضطرين إليه من مجاملة الأجانب واسترضائهم.
وكان الزواقي رجلاً غيوراً على دينه ووطنه، شديد التمسك بالشرع، فلم يحتمل ذلك الجو، فاستعفى من العمل، فأُعفي، وعاد إلى تطوان.
بعد رجوعه إلى تطوان، عاد أحمد الزواقي إلى التدريس والإفتاء والإمامة بجامع السوق الفوقي، كما كان شأنه قبل انتقاله إلى طنجة.
وقد أقرأ خلال هذه المرحلة مختصر خليل ما يقرب من ثلاث ختمات بشروح الدردير والخرشي والزرقاني، كما واصل تدريس كتب الحديث واللغة والبلاغة والمنطق والفقه.
وكان يخطب ويؤم بجامع السوق الفوقي، ويلقي فيه دروساً منتظمة، من بينها دروس في الشمائل والشفا للقاضي عياض.
أُسندت إلى أحمد الزواقي مهام التدريس بالزاوية الريسونية، فدرّس بها:
وكانت الزاوية الريسونية من الفضاءات العلمية والروحية المهمة، وقد ساهم حضوره فيها في ترسيخ دورها التعليمي داخل تطوان.
حج أحمد الزواقي في حدود سنة 1326هـ / 1908م، ثم حج مرة ثانية سنة 1331هـ / 1914م.
وخلال حجته الثانية، صادف وجود الشيخ محمد بن جعفر الكتاني بالمدينة المنورة.
وكان هذا الحج الثاني في سياق الهجرة من أرض الوطن، بعدما دخلت تطوان القوات الاستعمارية الإسبانية، وفضل كثير من أهل تطوان مغادرة المدينة والبلاد على البقاء بها تحت وطأة الاستعمار.
وتكشف هذه المرحلة عن حساسية الزواقي تجاه الاحتلال، وعن عمق غيرته الدينية والوطنية.
كان أحمد الزواقي في بداية أمره يبتعد عن قبول الوظائف الحكومية، وخاصة منصب القضاء، الذي عُرض عليه مراراً.
وتذكر سيرته أنه رأى في المنام من يقول له: “من سعى لك في الخدمة مع المخزن يموت على سوء الخاتمة”، فتباعد الوسطاء عن التوسط له في الوظائف المخزنية.
غير أنه صار في النهاية يرى أن امتناعه عن القضاء قد يؤدي إلى توليه من لا يحسن القيام به، فيقع الجور، فقبل المنصب بعد وفاة قاضي الجماعة بتطوان التهامي أفيلال سنة 1339هـ / 1920م.
تولى أحمد الزواقي منصب القضاء بتطوان بعد وفاة التهامي أفيلال، وبقي قاضياً مدة ثلاث سنوات.
وقد عُرف في قضائه بالصرامة في الحق، والوقوف إلى جانب المظلوم، وعدم التهاون في أحكام الشرع، إلا بعد المراجعة والتثبت ومعرفة الحكم الصحيح.
غير أن المنصب ضاق به، فاستعفى منه، فأُعفي.
وتكشف هذه المرحلة عن طبيعة شخصيته: رجل علم وورع، لا يبحث عن المنصب، ولكنه يقبله إذا رأى في ذلك دفعاً للظلم وحفظاً للعدل.
في سنة 1344هـ / 1926م، عُين أحمد الزواقي أستاذاً خاصاً للخليفة السلطاني المولى الحسن بن المهدي، وذلك بقرار صدر عن رئيس الوزراء، أو الصدر الأعظم، محمد بن عزوز.
وقد توثقت علاقة المودة والمحبة بين الشيخ وتلميذه الخليفة، الذي تأثر بزهد الزواقي وصدقه وقوة إيمانه وتمسكه بالشريعة.
واستفاد الخليفة من علومه، وكان يجله ويعظمه ويدافع عنه، خاصة عندما كان الخصوم أو بعض رجال الدولة الحامية يعترضون على أحكامه، أو على عدم مبالاته بالقوانين التي كانت تصادم نصوص الشريعة ومقتضيات العدل والإنصاف.
وقد بقي الخليفة يسعى في مرضاة شيخه إلى أن توفاه الله.
في سنة 1346هـ / 1927م، أُسند إلى أحمد الزواقي منصب مشيخة العلوم والمعارف الإسلامية العالية.
وقد طالبت جريدة الإصلاح قبل ذلك بتنظيم وزارة للمعارف الإسلامية وإسنادها إلى شخصية علمية كبيرة مثل الشيخ أحمد الزواقي، ووصفتْه بأنه من الأفراد الذين لا يتجاوز عددهم في المغرب كله أصابع اليدين علماً وعملاً وإكباباً على نفع العباد بعلمه الفياض.
وتبرز هذه الشهادة الصحافية مكانته العلمية ليس فقط في تطوان، بل في المغرب كله.
بعد عامين من ذلك، عُين أحمد الزواقي قاضياً بمدينة القصر الكبير.
وهناك سار في الحكم بالعدل والجد والاجتهاد، لا يخاف في الله لومة لائم، الأمر الذي أغاظ بعض رجال السلطة.
وتذكر الرواية أنه تعرض لمكيدة خطيرة، إذ أُسقطت عليه رحى كبيرة من أحد السطوح ليلاً وهو في طريقه إلى الصلاة بالمسجد.
وبعد هذه الواقعة، استعفى من منصبه، ورجع إلى تطوان معززاً مكرماً.
في سنة 1353هـ / 1934م، عُين أحمد الزواقي قاضياً على تطوان للمرة الثانية.
وكانت عودته إلى القضاء استمراراً لمسار طويل من خدمة العدالة الشرعية، قائم على النزاهة، والصرامة، والتثبت، والانتصار للمظلوم.
وقد ظل في هذه المرحلة من كبار المراجع العلمية والقضائية بالمدينة.
عندما تأسس المعهد الديني العالي بتطوان سنة 1367هـ / 1947م، عُين الفقيه أحمد الزواقي أول شيخ له، وكانت المشيخة في هذا السياق تعني العمادة.
وقد قام بإدارة المعهد، وفي الوقت نفسه كان يلقي الدروس على الطلبة في مختلف العلوم الشرعية واللغوية.
وتُعد هذه المحطة من أهم محطات مساره، لأنها جعلته على رأس مؤسسة علمية عليا في تطوان، هدفها تكوين الطلبة في العلوم الإسلامية والعربية.
في أواخر عمره، تولى أحمد الزواقي منصب قضاء الناحية بتطوان إلى جانب مشيخة المعهد.
وكانت أحكام المحاكم الشرعية الابتدائية تُستأنف لدى هذا القضاء، الذي كان يعرف باسم قضاء الدائرة.
وظل يشغل هذا المنصب إلى أن توفاه الله تعالى.
من أهم ما يميز حياة أحمد الزواقي أنه لم ينقطع يوماً عن التدريس، والخطابة، والإمامة، رغم ما تقلده من أعمال القضاء والإفتاء والمشيخة.
فقد ظل يرى العلم رسالة لا تنتهي، وكان يبذل وقته في نفع الطلبة والناس، وتعليمهم أمور الدين واللغة والشريعة.
ولهذا بقي اسمه مرتبطاً في تطوان بصورة العالم العامل، الذي جمع بين العلم والورع، وبين القضاء والتدريس، وبين الفتوى والتربية.
عُرف أحمد الزواقي بعدد من الصفات التي جعلته يحظى بمكانة خاصة، منها:
وقد ساعده طبعه المنطوي الجاد منذ الصغر على أداء مهامه العلمية والقضائية، خاصة أن القضاء والإفتاء يتطلبان حزماً وتثبتاً وقوة في الحق.
ظل الشيخ أحمد الزواقي مشتغلاً بالعلم والقضاء والتدريس إلى أواخر حياته، إلى أن توفي يوم 17 جمادى الأولى 1371هـ، الموافق لـ 13 فبراير 1952م.
وبوفاته فقدت تطوان واحداً من كبار علمائها، وعلماً من أعلام القضاء والفتوى والتدريس، ورجلاً ظل وفياً للعلم والعدل والورع إلى آخر أيامه.
يدخل أحمد الزواقي ضمن أعلام تطوان البارزين لأنه وُلد بها، وتعلم فيها، ودرّس في مساجدها وزواياها، وتولى القضاء بها، وكان أول شيخ للمعهد الديني العالي بتطوان.
كما أن أثره امتد إلى أجيال من الطلبة والعلماء، ومن بينهم الفقيه المؤرخ أحمد الرهوني، الذي حفظ لنا شهادات مهمة عن علمه وتعليمه.
ومن خلال شخصيته، تظهر تطوان كمدينة علمية كبيرة، عرفت فقهاء وقضاة ومدرسين كباراً، حافظوا على تقاليد القرويين والعلوم الإسلامية داخل المجال الشمالي.
أحمد الزواقي، أو أحمد الزواق، فقيه وقاضٍ ومفتٍ ومدرس تطواني، عُرف بلقب شيخ الجماعة، وكان من كبار علماء تطوان في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
وُلد بمدينة تطوان سنة 1276هـ، الموافق تقريباً لسنة 1860م.
ينحدر من أسرة حسنية، قدم بعض أسلافها من مدشر الزواقين من قبيلة بني مسارة، وكان والده رجلاً صالحاً حافظاً للقرآن.
درس أولاً بتطوان على كبار فقهائها، ثم رحل إلى فاس سنة 1297هـ، حيث درس بجامع القرويين على عدد من كبار علماء الحضرة الفاسية.
من شيوخه بتطوان محمد بن علي عزيمان، محمد السلاوي، محمد البقالي، المكي العلمي، والطيب اليعقوبي. ومن شيوخه بفاس أحمد بن محمد الخياط، محمد بن المدني كنون، وأحمد بن الجلالي الأمغاري، وغيرهم.
تولى التدريس، والفتوى، والعدالة، والإمامة، والخطابة، والقضاء بتطوان، والقضاء بالقصر الكبير، ومشيخة العلوم والمعارف الإسلامية العالية، ومشيخة المعهد الديني العالي بتطوان، وقضاء الناحية.
عُين سنة 1344هـ / 1926م أستاذاً خاصاً للخليفة السلطاني المولى الحسن بن المهدي، وتوثقت بينهما علاقة علمية وروحية قوية.
عند تأسيس المعهد الديني العالي بتطوان سنة 1367هـ / 1947م، عُين أحمد الزواقي أول شيخ له، أي أول عميد، وكان يقوم بإدارته والتدريس فيه.
توفي يوم 17 جمادى الأولى 1371هـ، الموافق لـ13 فبراير 1952م.
لأنه كان من كبار علماء المدينة، وشيخ جماعتها، وقاضيها، ومفتيها، ومدرسها، وأول شيخ للمعهد الديني العالي بتطوان، كما لم ينقطع عن التدريس والخطابة والإمامة رغم تقلده عدة مناصب.
بقلم: الدكتور إدريس خليفة
ومن المراجع المعتمدة في ترجمته: