محمد الزواقي.. الفقيه الأديب والكاتب الديواني من أعلام تطوان
يُعد الفقيه العلامة محمد بن الطاهر الزواقي الحسني واحداً من الوجوه العلمية والأدبية البارزة بمدينة تطوان في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ومن الشخصيات التي جمعت بين الفقه، والعدالة، والقضاء، والتدريس، والكتابة الديوانية، والأدب والشعر.
وُلد محمد الزواقي بمدينة تطوان سنة 1282هـ / 1865م، وهو أخو الفقيه الكبير أحمد الزواقي، شيخ الجماعة وقاضي تطوان. وقد نشأ مثله في بيت علم وصلاح، في ظل والدهما الفقيه الورع السيد الطاهر الزواقي.
وقد عُرف محمد الزواقي بذكائه النادر، وبميله إلى الأدب والعلوم العقلية، وبقدرته المتميزة في الإنشاء والكتابة، حتى صار من أبرز كتاب عصره، إلى جانب مكانته في الفقه والتدريس والعدالة.
نشأ محمد الزواقي في مدينة تطوان داخل أسرة عُرفت بالعلم والورع والصلاح.
كان والده السيد الطاهر رجلاً صالحاً، حافظاً للقرآن، معروفاً بالتقوى وحسن السيرة، وقد كان لبيئة الأسرة أثر واضح في تكوين ابنيه أحمد ومحمد، اللذين أصبحا من أعلام تطوان.
وقد كان محمد الزواقي منذ صغره مميزاً بذكاء كبير، ومطبوعاً على الجد وطلب المعالي، غير أن شخصيته كانت تختلف عن شخصية أخيه أحمد؛ فبينما مال أحمد إلى الانطواء والصرامة العلمية والفقهية، كان محمد أكثر انبساطاً ومرونة، وهو ما أهله لاحقاً للقيام بمهام الكتابة والإدارة والسياسة.
يُذكر محمد الزواقي دائماً إلى جانب أخيه الأكبر أحمد الزواقي، لأنهما نشآ في البيت نفسه، ودرسا على عدد من الشيوخ أنفسهم، ورحلا إلى فاس، وتخرجا في بيئة علمية واحدة.
لكن الفرق بينهما كان واضحاً في الميل العلمي والطباع الشخصية.
فقد كانت ميول أحمد الزواقي أقرب إلى الفقه، والقضاء، والفتوى، والصرامة في أحكام الشرع، بينما كانت ميول محمد الزواقي أقوى في الأدب، والعلوم العقلية، والإنشاء، والكتابة الديوانية.
وهذا الاختلاف لم يكن نقصاً في أحدهما، بل جعل كل واحد منهما متميزاً في مجاله، مع مشاركة كل منهما في مختلف العلوم والفنون التي كانت تدرس في عصرهما.
بدأ محمد الزواقي تعليمه على يد والده أولاً، ثم تابع حفظ القرآن الكريم على يد الفقيه محمد البوزراتي، فأتم عليه حفظ كتاب الله تعالى.
وبعد حفظ القرآن، شرع في دراسة المتون العلمية والعلوم الشرعية واللغوية، مثل غيره من طلبة العلم بتطوان.
وقد أخذ عن عدد من فقهاء المدينة، من بينهم:
وكانت هذه المرحلة التطوانية هي الأساس الأول في تكوينه العلمي، قبل انتقاله إلى فاس.
بعد أن أخذ نصيبه من العلم بمدينة تطوان، رحل محمد الزواقي إلى مدينة فاس للدراسة بجامع القرويين، صحبة أخيه أحمد الذي كان قد سبقه إلى هناك.
وفي فاس، قرأ على أعلام علمائها، وتلقى تكويناً عميقاً في العلوم الشرعية واللغوية والأدبية، حتى تخرج فقيهاً عالماً أديباً.
وكانت القرويين في ذلك العصر من أهم المراكز العلمية بالمغرب، حيث يجتمع فيها طلبة العلم من مختلف المدن والقبائل، ويتلقون عن كبار العلماء في الفقه، والحديث، واللغة، والمنطق، والبلاغة، والأصول، والتفسير.
وقد ساهمت هذه المرحلة في صقل شخصية محمد الزواقي العلمية والأدبية، وجعلت منه واحداً من علماء تطوان المبرزين.
رجع محمد الزواقي إلى تطوان بعدما أنهى دراسته بفاس سنة 1309هـ / 1891م، وقد عاد محملاً بتكوين علمي وأدبي رفيع.
وبعد عودته، اشتغل بالتدريس والعدالة، وبدأ يبرز في محيطه كفقيه متمكن وأديب حسن الإنشاء.
وقد عرفه أهل تطوان بجودة الكتابة، وقوة العبارة، والقدرة على تحرير النصوص الرسمية والشرعية بأسلوب بديع.
كان محمد الزواقي لا ينفك طيلة حياته عن التدريس، وقد انتفع به طلاب كثيرون.
وقد درّس في عدد من مساجد تطوان، من بينها:
ومن العلوم والكتب التي درّسها:
وتبرز هذه اللائحة مكانته كمدرس في العلوم الشرعية والفقهية، وقدرته على نقل المعارف إلى الطلبة داخل الفضاءات العلمية التقليدية بتطوان.
بعد عودته إلى تطوان، اشتغل محمد الزواقي بخطة العدالة، وهي من الوظائف العلمية المهمة في المجتمع المغربي التقليدي.
فالعدل كان يقوم بتوثيق العقود والمعاملات، ويتطلب ذلك معرفة دقيقة بالفقه، وباللغة، وبأحكام الشريعة، وبأساليب التحرير والتوثيق.
وقد أهلته معرفته الشرعية وقدرته الكتابية لأن يكون عدلاً مبرزاً، قبل أن يتولى عدداً من الوظائف الحكومية في مراسي ومدن مختلفة.
تولى محمد الزواقي عدة مهام عدلية وإدارية في عدد من المدن المغربية.
ومن أبرز محطات عمله:
وتدل هذه التنقلات على ثقة الإدارة المخزنية في كفاءته، وعلى حاجة الدولة إلى كتاب وعدول متمكنين من الفقه والتحرير والضبط.
في سنة 1324هـ / 1906م، خرج محمد الزواقي إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج.
وبعد أداء الفريضة، عاد إلى بلده تطوان، حيث ستبدأ مرحلة جديدة من مساره، مرتبطة بالكتابة الحكومية والعمل الديواني في سياق سياسي خاص عرفته المدينة.
عندما دخل الخليفة السلطاني المولى المهدي مدينة تطوان، وأسس بها حكومته برئاسة الصدر الأعظم، أو رئيس الوزراء، محمد بن عزوز، انتُدب محمد الزواقي لمنصب الكتابة عن الحكومة.
وقد قام بهذه المهمة خير قيام، وعُرف فضله في ميدان الكتابة الديوانية، حتى قيل إنه أحرز فيها قصب السبق، وكان لا يشق له غبار.
وهذه المحطة من أهم محطات حياته، لأنها أظهرت قدرته على الجمع بين العلم الشرعي والكتابة الرسمية، وبين الفقه والأدب والسياسة.
كان محمد الزواقي من أبرز كتاب عصره بتطوان، وقد عُرف بجودة الإنشاء منذ رجوعه من فاس.
والكتابة الديوانية في ذلك الزمن لم تكن مجرد تحرير إداري، بل كانت فناً قائماً بذاته، يحتاج إلى فصاحة، وبلاغة، ومعرفة بالمصطلحات المخزنية، وقدرة على صياغة الرسائل والوثائق بأسلوب رسمي رفيع.
وقد امتاز محمد الزواقي في هذا المجال، حتى صار من الأسماء التي يُشار إليها في حسن الإنشاء وجودة التحرير.
من أبرز الشواهد على براعة محمد الزواقي في الإنشاء أن قاضي تطوان العلامة التهامي أفيلال كلفه بكتابة البيعة الحفيظية.
وقد أنشأها الزواقي بأسلوب بديع جميل معجب، حتى صار الناس بعد ذلك يتحدثون عن حسنها وجليل موقعها.
وتُعد هذه المحطة دليلاً واضحاً على مكانته الأدبية والسياسية، لأن كتابة البيعة في ذلك العصر كانت عملاً رفيعاً يتطلب علماً، وبلاغة، وحسن تقدير للسياق السياسي والشرعي.
بلغت كفاءة محمد الزواقي في العمل الإداري والسياسي درجة جعلته ينوب عن الصدر الأعظم أحمد الركينة في رئاسة الوزارة مدة خمسة أشهر.
وقد حُمدت في هذه المدة سيرته وسياسته، مما يدل على قدرته على التدبير، وعلى حسن تصرفه في الملفات والمسؤوليات التي أُسندت إليه.
وهذه المحطة تبرز جانباً مهماً من شخصيته: فهو لم يكن فقيهاً أو شاعراً فقط، بل كان أيضاً رجل إدارة وسياسة، قادراً على تحمل المسؤوليات الحكومية.
في سنة 1345هـ / 1926م، وُلي محمد الزواقي قضاء مدينة القصر الكبير.
وقد بقي في هذا المنصب إلى أن توفي سنة 1347هـ / 1928م.
وتُعد هذه المرحلة آخر محطات مساره المهني، حيث ختم حياته في القضاء، بعد مسار جمع بين التعليم، والعدالة، والكتابة الحكومية، والأدب.
توفي محمد الزواقي سنة 1347هـ / 1928م، وهو يشغل منصب القضاء بمدينة القصر الكبير.
ودُفن في زاوية أبي غالب.
وبرحيله فقدت تطوان واحداً من أبنائها العلماء الأدباء، ورجلاً جمع بين الفقه والكتابة والسياسة والقضاء، وترك أثراً في الذاكرة العلمية والإدارية للمدينة.
إلى جانب كونه فقيهاً وعدلاً وقاضياً، كان محمد الزواقي أديباً وشاعراً.
وقد كانت ميوله للأدب والعلوم العقلية أقوى من ميوله إلى الدراسات الفقهية، بخلاف أخيه أحمد الذي غلب عليه الجانب الفقهي والقضائي.
وهذا الميل الأدبي هو الذي جعله بارعاً في الإنشاء، قادراً على تحرير النصوص بأسلوب رصين وجميل، ومؤهلاً للكتابة الديوانية والبيعة والوثائق الرسمية.
يدخل محمد الزواقي ضمن أعلام تطوان لأنه وُلد بها، وتعلم في كتاتيبها ومساجدها، ودرس على علمائها، ثم عاد إليها بعد رحلته إلى فاس، فاشتغل بالتدريس والعدالة، وساهم في الحياة العلمية والإدارية والسياسية للمدينة.
كما أنه يمثل جانباً مهماً من تاريخ تطوان في مرحلة التحول بين القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين كانت المدينة تعيش بين التعليم التقليدي، والإدارة المخزنية، وبدايات التحولات السياسية الكبرى.
محمد الزواقي هو فقيه، عدل، قاضٍ، كاتب ديواني، أديب وشاعر من مدينة تطوان، عاش بين 1865 و1928م.
اسمه الكامل هو محمد بن الطاهر الزواقي الحسني.
هو أخو الفقيه العلامة أحمد الزواقي، شيخ الجماعة وقاضي تطوان.
وُلد بمدينة تطوان سنة 1282هـ / 1865م.
درس أولاً بتطوان على والده وعدد من فقهاء المدينة، ثم رحل إلى فاس حيث درس بجامع القرويين.
اشتهر بالفقه، والعدالة، والتدريس، والقضاء، والكتابة الديوانية، وجودة الإنشاء، كما كان أديباً وشاعراً.
درّس في مسجد غرسيه، والجامع الأعظم، ومسجد السويقة.
هي بيعة سياسية وشرعية كتبها محمد الزواقي بتكليف من قاضي تطوان التهامي أفيلال، وقد اشتهرت بجودة أسلوبها وحسن إنشائها.
اشتغل عدلاً بعدة مراسٍ مغربية، ثم كاتباً عن حكومة الخليفة السلطاني بتطوان، وناب عن الصدر الأعظم أحمد الركينة، ثم تولى قضاء القصر الكبير.
توفي سنة 1347هـ / 1928م، ودُفن بزاوية أبي غالب.
بقلم: الدكتور إدريس خليفة