المؤرخ العلامة أحمد الرهوني، و هو أبوالعباس أحمد بن محمد بن الحسن النجار الرهوني علامة و مؤرخ و أديب تطواني، ولد عام1871 م الموافق 1288 هـ بمدينة تطوان، و توفي يوم 14 ربيع الثاني 1373ه الموافق لـ 21 دجنبر 1953م، صاحب كتاب عمدة الراوين في تاريخ تطاوين.
كان أجداده يسكنون في مدشر أغبالو وهو من مداشر قبيلة الأخماس، ثم انتقل بعضهم لقبيلة رهونة وشارط في أحد مساجدها، فصار أبناؤه ينسبون إليها، و كان والده محمد يشتغل بالتجارة في الصوف وغيرها، وكان رجلا صالحا ذاكرا ملازما للصلوات الخمس، متبعا لطريقة الشيخ محمد ابن عيسى الصوفية، وسكن جده الحسن شفشاون.
ولد الفقيه الرهوني بتطوان التي استقر بها والده، وحفظ القرآن الكريم ودرس بعض المتون العلمية في مدينة تطوان، فشرع في حضور الدروس العلمية على مشايخ تطوان في تلك الفترة و من هؤلاء محمد بن على عزيمان و محمد بن الآبار و محمد المفضل بن محمد أفيلال و التهامي أفيلال و محمد بن النجار و أحمد الزواقي و غيرهم، قرأ عليهم المرشد المعين و شروحه و المختصر و اللامية و الأجرومية و الألفية و الموطأ و صحيح البخاري و الشفا و شمائل الترميذي و همزية البوصيري و غير ذلك، و لما رحل شيخه العلامة الزواقي إلى طنجة، لم يجد بعده في تطوان من يشفي غلته في العلم.
فرحل إلى مدينة فاس، فأخذ العلم على أجلّة من علمائها، حتى تمّت إجازته بعد 6 سنوات. وقد وصف في كتاب عمدة الراوين أحوال هذه الرحلة وما لاقى فيها من صعوبات حتى دخل العاصمة الإدريسية بعد أربعة عشر يوما قضاها في الطريق إليها.
وكان عليه أن يسكن بفاس مدرسة العطارين التي كان ينزل بها عدد من طلبة القرويين الغرباء، و قد انقبض لسكنى فاس أول مرة، و ذلك لأسباب ذكرها فقال : ” أحدها أنا كنا نعهد أسوار بلدنا وجدرانها بياضا ساطعا من جميع الجهات لكثرة تبييضها بالجير، و جدران فاس كلها خامة إلى السواد، يؤثر ظاهرها انقباضا في النفوس، ثانيها أنا كان نعهد من بلدتنا اتساع طرقها وعدم الازدحام فيها، فلما دخلنا فاسا وجدناها ضيقة الطرق، مزدحمة، لا يكاد يمر الإنسان فيها بدون مزاحمة المناكب، ثالثها أنا كنا نعهد من مدرستنا (مدرسة لوقش) أنها روض ذو أزهار و أنوار و نظافة تامة مع وسع بيوتها وكأنها منازه، فلما دخلنا مدرسة العطارين و صعدنا درجها حذرنا الحاضرون من مس حيطانها خوف مصادفة عقرب مع شدة ظلمتها وعدم انتظامها، و كذا غيرها من المدارس، لا نسبة بينهما و بين مدرسة تطوان، رابعها أني كنت لم أفارق الوالدين فراقا طويلا”.
وقد أخد بفاس عن عدد من أعلام علمائها من أمثال أحمد بن الخياط و محمد بن التهامي الوزاني و محمد بن جعفر الكتاني و محمد القادري و أحمد بن الجلالي الأمغاري، قرأ عليهم معظم العلوم التي قرأها على الشيوخ بتطوان من قبل، لكن هذا التكرار كان مفيدا، إذ كان به يصحح معارفه، و يزداد بصرا بطرق التدريس، ويكثر حفظه، و تتعمق معارفه و تترسخ.
عاد من فاس إلى تطوان عام 1315ه – 1897م، حيث ابتدأ مرحلة جديدة من حياته هي مرحلة الحياة العلمية التي قام فيها بالتعليم والوظائف و التأليف و الكتابة، حيث درس في عدد من مساجد المدينة و زواياها كمدرسة لوقش و زاوية سيدي بوجيدة و مسجد العيون، و تقلد وظيفة العدالة بها، ثم صار بالإضافة لما تقدم فارضا للنفقات بالمحكمة الشرعية، ثم عين للعدالة بجمارك مرسى الجديدة عام 1319ه – 1901م و درس بها، ثم رجع إلى تطوان عام 1320، و استدعى عام 1324ه – 1906م ليتولى الكتابة بدار النيابة بطنجة مع النائب الحاج محمد بن العربي الطريس، و درس بهذه المدينة كذلك، و لما توفي الطريس عام 1326ه – 1908م صار كاتبا للنائب السلطاني محمد بن محمد الجباص الفاسي، ثم مستشارا شرعيا وقاضيا بالاستئناف و كاتبا أول و مدرسا بالمدرسة الكبرى.
ولما انقسم المغرب إلى منطقتين: خليفية و سلطانية و قع الاختيار عليه لوزارة العدلية في الحكومة الخليفية للمولى المهدي فصار وزير العدل من عام 1331ه – 1913، و هي وزارته الأولى، و قد أعفي منها في محرم 1342ه – 1923م قبل وفاة المولى المهدي بشهرين، ثم وليها ثانيا في فاتح ذي الحجة 1342ه – 1923م و كان القائم بهذه الوزارة يعرف بقلب قاضي قضاة المنطقة، و بقي بها إلى أن أعفي أخيرا منها عام 1353ه – 1934م و قد خرج من الوزارة خالي الوفاض، لم يكتسب مالا ولم يتقن ما يدفع به عن نفسه الحاجة للمعاش، و هذا ما جعل محبيه و تلاميذه ينتقدون ذلك، و يوجهون اللوم للحكومة لعدم ضمانها معاشا للموظفين. وقد تداركت الحكومة موقفها من الفقيه الرهوني، فأسندت إليه وظيفة شيخ العلوم في 16 نوفمبر 1934م بعد اجتماع انعقد بالصدارة العظمى لاختيار الشخص المناسب للمنصب المذكور.
ثم عين في 3 أبريل 1936م مفتشا للتعليم الإسلامي ثم رئيسا للمجلس الأعلى للتعليم. وقد عزل من رئاسة المجلس الأعلى للتعليم بعد مدة من ولايته، و ذلك راجع إلى فتوتين متناقضتين صدرتا عنه. وكلب لها الإسبان و استغربوا من صدورهما ووجهوا انتقادهم للحكم الشرعي و الشريعة، فتدخل الخليفة وعزل الفقيه عن جميع المناصب، ثم عزله الإسبان عن رئاسة المجلس الأعلى للتعليم.
وكان الفقيه الرهوني في هذه المرحلة الأخيرة من حياته مال الى التصوف، و انخرط في الطريقة التيجانية، و صار من دعاتها، و صادف ذلك نزول الشيخ تقي الدين الهلالي بتطوان الذي كان يدعو للسلفية و يهاجم الطرقية، فنشأت بين الرجلين مهاجاة، أدت إلى السباب و القول الفاحش العنيف، و لم يضع حدا لهذا غير العزل الذي مني به الفقيه الرهوني.
وكان الفقيه الرهوني عزل من وزارة العدل للمرة الأولى بسبب خطبة جمعة، ألقاها بتطوان في موضوع الجهاد عام 1342ه- 1923م، وكان ذلك كما هو ظاهر من التاريخ في وقت كانت القبائل الشمالية تقاتل المستعمرين و تنزل بهم في ميدان الجهاد أفدح الخسائر، فاعتبرت السلطة الإسبانية ذلك دعوة للثورة ضدها، فقررت إعفاؤه من منصبه و فرضت عليه الإقامة الجبرية في بيته، ثم خافت أن تلفت بعملها هذا الأنظار إلى أوضاع المنطقة و بكون لذلك رد فعل عند الجمهور، فقررت ارجاع الفقهيه لمنصبه، و هكذا يبدو أن الفقيه الذي عمل في الدوائر الحكومية و مارس أعمالا إدارية، و تدخل لدى الدوائر الإستعمارية كان يحب وطنه و يغار عليه و يحتفظ في أعماق نفسه بشعور وطني إسلامي أصيل رغم الظروف الكالحة التي تحيط به، و يؤكد هذا أن الفقيه كان في طليعة العلماء الذين وقعوا على وثيقة تجديد البيعة للملك محمد الخامس المؤرخة بخامس شعبان 1372ه- 29 أبريل 1953م و التي أعدها الوطنيون الشماليون عندما شعروا بأن الفرنسيين يدبرون مؤامرة لإبعاد الملك عن عرشه، و هي المؤامرة التي نفذها الفرنسيون يوم 20 غشت 1953م.
و توفي يوم 14 ربيع الثاني 1373ه الموافق لـ 21 دجنبر 1953م.
كان الفقيه الرهوني عالما نابها فاضلا، حافظا للعلوم الإسلامية وخاصة الفقه الذي صار فيه من المبرزين، وكان من المنتصرين لمذهب الإمام مالك و الملتزمين بالفتوى به، و كان ميالا للتصوف، فانخرط في الطريقة التيجانية، و يبدو أنه لشدة حبه للصوفية كان يقبل ما يروى عنهم من الكرامات دون نقد، و كان من سوء حظه أن يبتلى برجل شديد المغالاة في كراهية الصوفية و الإنكار عليهم،و هو الشيخ الداعية تقي الدين الهلالي، فكانت بنيهما معارك كلامية نظما و شعرا، كان أهل تطوان يروونها ويسمرون بأحاديثها، و سجل بعضها تقي الدين في كتابه “الدعوة إلى الله” كما كان من سوء حظه أن يواجه في تقي الدين رجلا يكره التقليد و ينكر على المقلدة، في حين كان الفقيه الرهوني من أشد الناس تمسكا بمذهب الإمام مالك، و إنما نرثي هنا لحظ الفقيه الرهوني لسببين : أولهما أن الفقيه الرهوني في نفسه كان رجلا فاضلا عالما، قضى حياته يعلم و ينصح و يبحث عما فيه خير، و ثانيا: لأن الشيخ الهلالي كان عضب اللسان، قوي الجنان، حاد الطبع، بحاثا عن العيوب، نقادا للطبائع و التصرفات فأطلق المقال في الشيخ و ذمه، و نال منه كثيرا.
ولابد أن نذكر شيئا عن كرم الفقيه الرهوني قبل تمام الكلام عن شخصيته، و هو أنه كان جوّادا، و يعطي العطاء الجزل، و يمنح أمواله للفقراء و الطلبة و المحتاجين و المنخرطين في سلك التصوف، و بسبب هذا الكرم الذي بلغ فيه حد التبدير و جد نفسه فقيرا مملقا مرتين : الأولى عندما عزل عن وظيف وزارة العدل أول مرة عام 1342ه- 1923م، و الثانية عندما أبعد عن مصبه كرئيس للمجلس الأعلى للتعليم فصار لا يجد ما ينفق.
وقد ترك الفقيه الرهوني آثارا علمية تدل على ما كان عليه من حرص على العلوم و رغبته في تبسيطها تيسيرها، و لعل الفقيه الرهوني كان يرى أن آفة العلم الإسلامي في العصور السالفة التطويل على الطالب و الاشتغال بالحواشي و ما كان يملأ دواوين الفقه و النحو من تعقيد لفظي و شكليات بيانية و استطرادات تشغل الطالب عن موضوع العلم ولهذا نجد آثاره مطبوعة باختصار، و الرغبة في وضع شروح سهلة غير مطولة للكتب المذكورة، وقد ذهبت به هذه الرغبة في التيسير إلى درجة اختصار كتب، لا تقبل بطبيعتها الاختصار كنفح الطيب و الاستقصا، و له كتب تمتاز بما فيها من ابتكار و جودة وفي طليعتها كتاب عمدة الراوين في تاريخ تطاوين، و له فتاوى يمكن ادراجها في آثاره الفقهية، وله نظم و شعر في موضوعات مختلفة، ويمكن القول بأن شعره هو كشعر الفقهاء، أسلوبا و نظما، و لكنه مع ذلك دال على صاحبه مفيد في التعرف على أحواله، و شخصيته، وهذه أسماء مؤلفاته النثرية، نذكر منها :
شاعر مقلد، نظم على الموزون المقفى في الأغراض المألوفة، فهنأ ومدح وبايع الملوك ودعا واستسقى للزروع، كما نظم في الرثاء مرتبطًا بالمناسبات المختلفة، وله نظم من الشعر الديني، منه مطولة (63 بيتًا) في التوسل بأسماء الله الحسنى، وله أخرى في صلاة الاستسقاء، وشعره ينهض على وحدة البيت، مضمخ بمعاني العظة والحكمة.
كان الرهوني شخصا مرهف الحس جياش العواطف، يحب من أعماق نفسه، يظن الخير بالناس ويصدق بكرامات الأولياء، ويقبل أن يعتقد فيهم كل صفات الكمال و السمو التي يوصفون بها، وكان إلى ذلك رجلا يعمل في الميدان الحكومي كوزير أو قائم ببعض المصالح المهمة في الأدارة، وأتاحت له ظروفه أن يرحل ويلقي الناس بالمغرب و المشرق، وأن يبادلهم التهاني و المجاملات، ومن الطبيعي بالنسبة لرجل مطلع على أدب العرب شعرا ونثرا، عارف بعمود الشعر والعروض، أن يعبر عما في نفسه من المشاعر في تلك المواضيع شعرا كما عبر عنها نثرا، لاسيما أنه رجل مرهف المشاعر جياش الإحساس، لكن توفيقه في أن يكون نظمه في درجة شعراء العربية المرموقين يكون متوقفا على مقدار معالجته للشعر، وتحرره من رتابة النثر، و أظن أن اشتغال الفقيه الرهوني بالفقه والتراجم و النحو وغيرها من العلوم حال بينه و بين أن يعد في الشعراء الممتازين بجمال التعبير و دقة الأداء وتنوع الأغراض وطول النفس، لكنه عندما يذكر الفقهاء الذين غلب عليهم الفقه كشعراء فإن من الممكن أن يكون بينهم في الطليعة.
وقد تناول بشعره أغراض المدح و التهاني و التعزية، و هو فيها جميعا أقرب إلى النظم من الشعر. وله في غير الأغراض الشعرية نظم علمي، ومنه قصيدة له في الفرائض، وقصيدة ذكر فيها علماء بلدة تطوان و شرحها، وهي مذكورة بشرحها في كتاب “عمدة الراوين”. وكان المديح عنده يمكن تقسيمه إلى مديح سياسي، ومديح ديني.
بقلم: الدكتور إدريس خليفة المراجع: - كتاب عمدة الراوين. - إدريس بن الماحي الإدريسي: معجم المطبوعات المغربية - مطابع سلا - سلا (المغرب) 1988. - الحسن بن عبدالوهاب: حواشي على بهجة التسولي - المطبعة المهدية - تطوان 1952. - عبدالسلام ابن سودة: دليل مؤرخ المغرب الأقصى - دار الكتاب - الدار البيضاء 1960. - كتاب الدعوة إلى الله : 52-58. - محمد العربي الشاوش: "من علماء المغرب في القرن الرابع عشر الهجري أبو العباس أحمد : محمد الرهوني التطواني" - مجلة الإيمان ص 79