لم تكن محبة العلماء والأدباء لمدينة تطوان مجرد إعجاب عابر بمدينة جميلة في شمال المغرب، بل كانت ثمرة علاقة عميقة جمعت بين المكان والإنسان، وبين العلم والجمال، وبين الذاكرة الأندلسية والروح المغربية. فقد رآها العلماء مدينة للفقه والقراءة والمجالس العلمية، ورآها الأدباء مدينة للبياض والسكينة والماء والبساتين، فاجتمع في صورتها ما يخاطب العقل والقلب معا.
ومن خلال الصفحات التي خصصها الدكتور إدريس خليفة لوصف مدينة تطوان، يتضح أن هذه المدينة حظيت بمكانة خاصة في عيون المؤرخين والشعراء والرحالة. فقد نقل عددا من الشهادات التي تجعل تطوان مدينة لا تكتفي بجمال موقعها، بل تمتد جاذبيتها إلى أخلاق أهلها، ومجالس علمائها، وهدوء أزقتها، وخصوبة محيطها، وعمق ذاكرتها.
وإلى جانب ما أورده الدكتور إدريس خليفة، نجد أن مراجع تطوانية كبرى مثل تاريخ تطوان لمحمد داود وعمدة الراوين في تاريخ تطاوين لأحمد الرهوني تساعدنا على فهم هذا الحب العميق الذي ربط العلماء والأدباء بالمدينة. فتطوان لم تكن فقط موضوعا للوصف، بل كانت فضاء للعلم، ومجالا للعيش، ومقاما للكتابة، ومصدرا للإلهام.
من أهم الأسباب التي جعلت العلماء والأدباء يحبون تطوان أنها جمعت بين عنصرين نادرا ما يجتمعان بهذا الانسجام: العلم والجمال.
فمن جهة، عرفت المدينة بمكانتها العلمية، وبحضور الفقهاء والعلماء والقراء، وبما احتضنته من مجالس علمية ودينية. ومن جهة أخرى، كانت مدينة جميلة في موقعها وعمرانها، تحيط بها الجبال والبساتين، وتجري في محيطها المياه والعيون، وتظهر ببياضها المميز كأنها لوحة بين الجبل والبحر.
وهذا الجمع بين العلم والجمال هو ما جعل تطوان قريبة من قلوب العلماء والأدباء. فالعالم يجد فيها مجالا للدرس والفقه والقراءة، والأديب يجد فيها مادة للوصف والتأمل والحنين.
يعد أحمد الرهوني من أبرز من كتبوا عن تطوان، وقد نقل الدكتور إدريس خليفة عنه وصفا يعكس مكانة المدينة في الوجدان التاريخي. فقد وصفها بأنها:
“مدينة غراء نقية بيضاء، كثيرة الخيرات والأنعام والبركات”.
هذه العبارة تكشف جانبا من سر محبة العلماء والأدباء لتطوان. فالمدينة في هذا الوصف ليست جميلة فقط، بل مباركة وكثيرة الخيرات. إنها مدينة بيضاء في مظهرها، نقية في صورتها، وذات بركة في محيطها وأهلها.
والأديب حين يقرأ مثل هذا الوصف يجد أمامه مدينة ملهمة، أما العالم فيرى فيها بيئة صالحة للاستقرار والقراءة والتعليم. لذلك لم تكن تطوان مجرد مكان جميل، بل كانت في نظرهم مدينة قابلة للمحبة والإقامة والكتابة.
من خلال كتابات محمد داود في تاريخ تطوان، ومن خلال ما حفظته المصادر التطوانية، تظهر المدينة كحاضرة علمية مهمة في شمال المغرب. فقد عرفت بعلمائها، وفقهائها، ومدارسها، ومساجدها، وزواياها، وبحضور التعليم التقليدي في حياة أهلها.
وكان هذا الجو العلمي من الأسباب الكبرى التي جعلت العلماء يرتبطون بتطوان. فالمدينة وفرت مجالا مناسبا للطلب، والتدريس، واللقاء، والمناظرة، وتبادل المعرفة. ولذلك قصدها بعض أهل العلم، وأقام بها آخرون، وكتب عنها من أحب أجواءها العلمية.
ولم يكن العلم في تطوان منفصلا عن الحياة اليومية، بل كان جزءا من شخصية المدينة. فالمسجد، والبيت، والمجلس، والمدرسة، كلها كانت فضاءات يتناقل فيها الناس المعرفة والأدب والفقه.
لم يحب العلماء والأدباء تطوان بسبب عمرانها وموقعها فقط، بل بسبب أهلها أيضا. فقد تكررت في الشهادات التاريخية أوصاف تتحدث عن كرم أهل تطوان، وتواضعهم، وحسن معاشرتهم، وحبهم للعلم، واحترامهم للعلماء.
وهذا الجانب مهم جدا، لأن العالم أو الأديب لا يتعلق بالمكان وحده، بل بالناس الذين يسكنونه. والمدينة التي يجد فيها الزائر التقدير، والوقار، وحسن الاستقبال، تصبح في ذاكرته مكانا عزيزا.
وقد أشار الدكتور إدريس خليفة، من خلال النصوص التي جمعها، إلى أن أخلاق أهل تطوان كانت جزءا من صورتها العامة. فالمدينة البيضاء لم تكن بيضاء في جدرانها فقط، بل في ما ارتبط بها من صفاء التعامل، ووفاء، وحياء، ووقار.
من الأسباب التي جعلت تطوان محبوبة عند الأدباء خاصة، ذلك المشهد الطبيعي الذي يحيط بها: الجبال، العيون، المياه، السواقي، والرياض. فهذه العناصر تمنح المكان طاقة شعرية، وتجعل المدينة قابلة للوصف والتغني.
وقد ورد في الصفحات التي اعتمدها الدكتور إدريس خليفة حديث عن عيون تطوان ومياهها وبساتينها، وهي عناصر ظلت حاضرة في وصف المؤرخين والرحالة. فالمدينة البيضاء وسط الخضرة والماء كانت تترك أثرا قويا في النفس.
والأديب بطبيعته يتأثر بهذه الصور: ماء يجري، جبل يحيط، بساتين تمتد، ومدينة بيضاء هادئة. لذلك لم يكن غريبا أن تحضر تطوان في الشعر والنثر باعتبارها مدينة ذات جمال خاص.
من الشهادات الأدبية الجميلة التي أوردها الدكتور إدريس خليفة قول أبي عبد الله محمد بن زاكور الفاسي، المتوفى سنة 1120هـ / 1708م:
“تطوان ما أدراك ما تطوان”.
هذه العبارة تكاد تلخص دهشة الأدباء أمام المدينة. فهي لا تدخل مباشرة في التفاصيل، بل تجعل اسم تطوان نفسه مثيرا للتعجب والإعجاب. وكأن الشاعر أراد أن يقول إن للمدينة سرا لا يدركه إلا من رآها أو عاش فيها.
وهذا النوع من التعبير يكشف أن حب الأدباء لتطوان لم يكن مبنيا على وصف واحد، بل على تجربة كاملة: تجربة المكان، والناس، والجمال، والسكينة، والذاكرة.
من الأوصاف التي زادت ارتباط الأدباء بتطوان لقب “عروس الشمال”. وقد ورد هذا الوصف في الشهادات التي تناولت المدينة، ومن بينها ما أورده الدكتور إدريس خليفة عند حديثه عن جمال تطوان وموقعها.
هذا اللقب ليس مجرد زينة لفظية، بل يعكس صورة عميقة للمدينة. فالعروس ترمز إلى البهاء، والصفاء، والرقة، والتميز. وتطوان كانت في نظر الأدباء كذلك: مدينة متزينة ببياضها، محاطة بخضرتها، واقفة بين الجبل والبحر في صورة آسرة.
ولهذا ظل لقب “عروس الشمال” قريبا من لقب “الحمامة البيضاء”، فكلاهما يعبر عن علاقة عاطفية وجمالية بالمدينة.
من العناصر التي جعلت تطوان محبوبة عند العلماء والأدباء ذاكرتها الأندلسية. فالمدينة ارتبطت تاريخيا بالمهاجرين الأندلسيين، وحافظت على طابع خاص في عمرانها، وموسيقاها، وعاداتها، وذوقها الحضري.
هذه الذاكرة منحت تطوان شخصية مختلفة. فهي مدينة مغربية، لكنها تحمل نفَسا أندلسيا واضحا في بعض ملامحها. وهذا ما جعلها قريبة من الأدباء الذين يبحثون عن المدن ذات الروح الخاصة، لا المدن المتشابهة.
فالأديب يحب المدينة التي تملك حكاية، وتطوان تملك أكثر من حكاية: حكاية الأندلس، وحكاية الجبل، وحكاية الماء، وحكاية العلم، وحكاية الإنسان.
من الأسماء التي حضرت في الصفحات التي جمعها الدكتور إدريس خليفة محمد بن الطيب العلمي الفاسي، الذي زار تطوان وأقام بها للدراسة ولقاء علمائها وأدبائها.
وهذا المعطى يوضح أن تطوان كانت مدينة يقصدها أهل العلم، لا لمجرد المرور، بل للتعلم واللقاء والاستفادة. فالمدينة كانت توفر ذلك الجو الذي يحتاجه طالب العلم أو الأديب: علماء، مجالس، هدوء، وبيئة اجتماعية تحترم المعرفة.
ومن هنا نفهم لماذا أحبها العلماء. لأنها لم تكن مدينة للفرجة فقط، بل مدينة للمقام العلمي والثقافي.
حين نذكر محبة العلماء والأدباء لتطوان، لا يمكن أن نتجاوز اسم محمد داود، الذي جعل من تاريخ المدينة مشروعا علميا كبيرا. فكتابته عن تطوان ليست مجرد توثيق بارد للأحداث، بل تعبير عن ارتباط عميق بمدينة أراد أن يحفظ ذاكرتها.
لقد اهتم محمد داود برجال تطوان، وأسرها، ومؤسساتها، وعلمائها، وأحداثها، وحياتها الثقافية والاجتماعية. وهذا النوع من الكتابة لا يصدر إلا عن حب معرفي ووجداني للمكان.
فمحبة تطوان عند محمد داود تحولت إلى عمل توثيقي، حفظ للأجيال صورة مدينة غنية بالتاريخ والعلم والناس.
كما يمثل أحمد الرهوني نموذجا آخر للعالم الذي أحب تطوان من خلال التأريخ لها. فكتابه عمدة الراوين في تاريخ تطاوين ليس مجرد سجل للأخبار، بل ذاكرة واسعة لمدينة، وأهل، وعلماء، وأحداث، وأنساب، ومؤسسات.
ومن خلال هذا العمل، يظهر أن حب العلماء لتطوان كان حبا مسؤولا، يقوم على حفظ الذاكرة، وصيانة الأخبار، وتوثيق ما قد يضيع مع الزمن.
ولذلك فإن الرهوني ومحمد داود وغيرهما لم يحبوا تطوان بالكلام فقط، بل أحبوها بالكتابة والتوثيق، وهذا من أرقى أشكال الوفاء للمدن.
إذا أردنا أن نلخص أسباب محبة الأدباء لتطوان، نجد أنها ترتبط بعدة عناصر متكاملة.
أحبوها لأنها مدينة جميلة في موقعها بين الجبل والبحر.
أحبوها لأنها بيضاء هادئة، ذات طابع بصري خاص.
أحبوها لأنها مدينة ماء وعيون وبساتين.
أحبوها لأن لها ذاكرة أندلسية وشخصية حضارية مميزة.
أحبوها لأن أهلها عرفوا بالكرم والوقار وحسن المعاشرة.
أحبوها لأنها منحتهم مادة شعرية وإنسانية غنية.
لهذا لم تكن تطوان عندهم مجرد موضوع للكتابة، بل مدينة للدهشة والحنين.
أما العلماء، فقد أحبوها لأسباب قريبة ومختلفة في الوقت نفسه.
أحبوها لأنها مدينة علم وفقه وقراءة.
أحبوها لأنها كانت تحترم العلماء وتقدر المعرفة.
أحبوها لأنها احتضنت مجالس علمية ودينية.
أحبوها لأنها عرفت بأهل الوقار والدين.
أحبوها لأنها وفرت بيئة مناسبة للاستقرار والتعليم.
أحبوها لأن تاريخها كان جديرا بالحفظ والتدوين.
ومن هنا نفهم أن محبة العلماء لتطوان لم تكن عاطفية فقط، بل كانت مبنية على مكانة علمية واجتماعية حقيقية.
المدن التي يحبها الناس قد تكون جميلة، أو عالمة، أو كريمة، أو هادئة. أما تطوان فقد جمعت بين هذه العناصر. فهي مدينة تخاطب العين ببياضها، والقلب بهدوئها، والعقل بعلمها، والذاكرة بتاريخها.
ولهذا أحبها العلماء والأدباء معا. فالعالم وجد فيها مادة للدرس والتوثيق، والأديب وجد فيها مادة للشعر والوصف، والزائر وجد فيها مدينة تترك أثرا لا ينسى.
وهذه هي قوة تطوان: أنها لا تقدم نفسها من زاوية واحدة، بل من زوايا متعددة، كل واحدة منها تكفي لتجعل الإنسان يتعلق بها.
أحب العلماء والأدباء مدينة تطوان لأنها جمعت بين جمال المكان وسمو الإنسان. فهي مدينة بيضاء بين الجبل والبحر، ذات عيون وبساتين، وذاكرة أندلسية، ومكانة علمية، وأهل عُرفوا بالكرم والوقار وحسن المعاشرة.
ومن خلال ما أورده الدكتور إدريس خليفة من شهادات تاريخية وأدبية، وما تؤكده مراجع مثل تاريخ تطوان لمحمد داود وعمدة الراوين في تاريخ تطاوين لأحمد الرهوني، يظهر أن حب العلماء والأدباء لتطوان لم يكن وليد مجاملة، بل نتيجة طبيعية لما كانت تمثله المدينة من علم، وجمال، وأخلاق، وذاكرة.
لقد أحب العلماء تطوان لأنها مدينة معرفة، وأحبها الأدباء لأنها مدينة جمال، وأحبها أهلها لأنها مدينة روح وانتماء. لذلك بقيت تطوان حاضرة في الكتابات والقصائد والذاكرة المغربية كمدينة تستحق أن تُقرأ، وتُزار، وتُحب.