تطوان مدينة العلم والعلماء

لم تكن تطوان عبر تاريخها مدينة جميلة فقط، ولا مجرد حاضرة بيضاء بين الجبل والبحر، بل كانت أيضا مدينة علم وعلماء. فقد اشتهرت بمجالس الفقه، وحلقات الدرس، وقراءة القرآن، وتقدير العلماء، حتى أصبحت واحدة من المدن المغربية التي جمعت بين جمال المكان وسمو المعرفة.

ومن خلال الصفحات التي خصصها الدكتور إدريس خليفة لوصف تطوان، تظهر المدينة في صورة حاضرة علمية وروحية، لا تنفصل فيها الأخلاق عن العلم، ولا الجمال عن الدين، ولا العمران عن مجالس القراءة والفقه. فقد أورد الدكتور إدريس خليفة شهادات تاريخية وأدبية تبرز أن تطوان كانت مدينة يقصدها أهل العلم، ويستقر فيها الفقهاء، وتحظى فيها المعرفة بمكانة رفيعة داخل المجتمع.

وإلى جانب ما أورده الدكتور إدريس خليفة، نجد في مراجع تطوانية كبرى مثل تاريخ تطوان لمحمد داود وعمدة الراوين في تاريخ تطاوين لأحمد الرهوني ما يؤكد هذه الصورة. فهذه المراجع لا تقدم تطوان كمدينة أحداث سياسية فقط، بل كحاضرة علمية عرفت رجالا وفقهاء وقراء وأدباء، وساهمت في حفظ جزء مهم من الذاكرة الثقافية والدينية لشمال المغرب.

العلم جزء من هوية تطوان

حين نتحدث عن تطوان، غالبا ما تحضر ألقابها الجمالية مثل الحمامة البيضاء وعروس الشمال. غير أن هذه الصورة لا تكتمل دون استحضار وجه آخر لا يقل أهمية: وجه تطوان العلمي.

فقد عرفت المدينة عبر تاريخها بعناية أهلها بالعلم والدين، وباحترامهم للفقهاء والعلماء، وبحضور التعليم التقليدي في المساجد والزوايا والبيوت والمجالس. وكان العلم في تطوان جزءا من الحياة اليومية، لا نشاطا معزولا عن المجتمع.

ولهذا، فإن تطوان لم تكن مدينة جميلة في منظرها فقط، بل جميلة بما احتضنته من معرفة، وبما حفظته من تقاليد علمية وأدبية وفقهية.

شهادة المؤرخين في علمية تطوان

من خلال ما أورده الدكتور إدريس خليفة، يتضح أن المؤرخين الذين وصفوا تطوان لم يغفلوا الحديث عن أهلها ومكانتهم العلمية والدينية. فقد تكررت في الشهادات أوصاف تتعلق بحب العلم، واحترام العلماء، والتمسك بالدين، والوقار، وحسن السلوك.

وهذه الصفات ليست منفصلة عن بعضها. فالمدينة التي يكثر فيها العلم غالبا ما تنعكس آثار ذلك على أخلاق أهلها، وعلى طريقة عيشهم، وعلى احترامهم للمجالس، والقراءة، والفقه، والتربية.

ولهذا، تظهر تطوان في شهادات المؤرخين كمدينة علمية بالمعنى الواسع: مدينة فيها علماء، وفيها طلبة، وفيها مجالس، وفيها مجتمع يقدر المعرفة ويمنحها مكانة خاصة.

أحمد الرهوني وتطوان مدينة الدين والعلم

يعد أحمد الرهوني من أبرز أعلام تطوان الذين جمعوا بين العلم والتأريخ. وقد حفظ كتابه عمدة الراوين في تاريخ تطاوين جانبا مهما من الذاكرة العلمية للمدينة، من خلال الحديث عن رجالها، وأسرها، وعلمائها، وأحداثها، وحياتها الدينية والاجتماعية.

وقد نقل الدكتور إدريس خليفة عن الرهوني أوصافا تبرز مكانة تطوان، ليس فقط كمدينة بيضاء جميلة، بل كمدينة كثيرة الخيرات والبركات. ومن العبارات الدالة في وصفها أنها:

“مدينة غراء نقية بيضاء، كثيرة الخيرات والأنعام والبركات”.

وهذه البركة لا يمكن فهمها فقط بمعناها الطبيعي أو الاقتصادي، بل تمتد إلى ما عرفته المدينة من علم ودين ووقار. فالرهوني، باعتباره عالما ومؤرخا من داخل البيئة التطوانية، يعكس في كتابته إدراكا عميقا لقيمة العلم في تشكيل شخصية المدينة.

محمد داود وحفظ ذاكرة العلماء

لا يمكن الحديث عن تطوان مدينة العلم والعلماء دون ذكر محمد داود، صاحب كتاب تاريخ تطوان، الذي يعد من أهم الأعمال التي حفظت ذاكرة المدينة ورجالها. فقد اشتغل محمد داود على توثيق تاريخ تطوان، وأعلامها، وأسرها، ومؤسساتها، وحياتها الاجتماعية والثقافية، مما جعل كتابه مرجعا أساسيا لكل من يريد فهم المدينة.

وتكمن أهمية محمد داود في أنه لم يتعامل مع تطوان كجغرافيا فقط، بل كحاضرة لها عقل وذاكرة. فقد اهتم بالعلماء، والفقهاء، والأدباء، والوثائق، والأحداث، والمؤسسات، وأعطى للجانب الثقافي والعلمي مكانته في سرد تاريخ المدينة.

ومن هنا، يمكن اعتبار كتابة محمد داود نفسها امتدادا لذلك التقليد العلمي التطواني، لأنها لم تكن مجرد كتابة عن العلماء، بل ممارسة علمية في خدمة ذاكرة المدينة.

المساجد وحلقات الدرس

كانت المساجد من أهم فضاءات العلم في تطوان. ففيها كانت تقام الصلوات، وتُقرأ الأحزاب، وتنعقد حلقات الدرس، ويتلقى الطلبة مبادئ الفقه واللغة والقرآن. ولم يكن المسجد في المدينة التقليدية مجرد مكان للعبادة، بل كان كذلك مؤسسة تربوية واجتماعية.

ومن خلال حضور المساجد في حياة تطوان، نفهم لماذا ارتبطت المدينة بالوقار والدين. فالناس كانوا يعيشون على إيقاع النداء للصلاة، والقراءة، والمجالس، ومواسم الذكر والتعليم.

وكانت هذه الحلقات تسهم في تكوين أجيال من الطلبة والفقهاء، كما تساهم في نشر قيم الأدب والحياء والاحترام داخل المجتمع.

الزوايا ودورها في الحياة العلمية والروحية

إلى جانب المساجد، كان للزوايا دور مهم في الحياة العلمية والروحية بتطوان. فقد كانت الزوايا فضاءات للذكر، والتربية، واستقبال الطلبة والمريدين، وحفظ التقاليد الدينية والاجتماعية.

والزاوية في المدينة المغربية القديمة لم تكن مكانا روحيا فقط، بل كانت أحيانا مركزا للتعليم، والإيواء، والتوجيه، وبناء العلاقات بين العلماء والناس. وفي تطوان، ساهمت هذه الفضاءات في ترسيخ صورة المدينة كحاضرة دين ووقار.

ولهذا لا يمكن فصل علمية تطوان عن بعدها الروحي. فالفقه، والذكر، والقراءة، والتربية، كلها كانت عناصر متداخلة في تكوين شخصية المدينة.

المدارس والتعليم التقليدي

عرفت تطوان عبر تاريخها أشكالا متعددة من التعليم التقليدي، سواء في المساجد أو الكتاتيب أو المجالس الخاصة. وكان الأطفال يبدأون غالبا بحفظ القرآن وتعلم القراءة والكتابة، قبل أن ينتقل من برز منهم إلى مستويات أعمق من الفقه واللغة والعلوم الشرعية.

وقد ساهم هذا التعليم في نشر المعرفة داخل المجتمع، وفي جعل القراءة والكتابة والفقه جزءا من ثقافة المدينة. ولم يكن العلم مقتصرا على نخبة محدودة، بل كان حاضرا في الحياة العامة بدرجات متفاوتة.

ومع مرور الزمن، أصبحت تطوان تعرف بأسر علمية وبفقهاء ومدرسين وقراء، وهو ما جعلها تحتفظ بمكانة خاصة داخل المجال العلمي بشمال المغرب.

العلماء والفقهاء في المجتمع التطواني

كان للعالم في تطوان مكانة اجتماعية معتبرة. فالعلماء لم يكونوا فقط أصحاب معرفة، بل كانوا أيضا مرجعا في الفتوى، والتوجيه، والإصلاح، وتعليم الناس، وحفظ القيم.

وقد ساهم هذا الدور في جعل المجتمع التطواني ينظر إلى العلم باحترام كبير. فالعالم كان يحظى بالتقدير، والطلبة كانوا يسعون إلى مجالسته، والأسر كانت تفتخر بالارتباط بالعلم والقراءة.

وهذا ما يفسر لماذا حضرت صفات مثل الوقار، وحب العلماء، واحترام الدين، في الشهادات التي نقلها الدكتور إدريس خليفة عن تطوان وأهلها.

تطوان ومجالس الأدب

لم يكن العلم في تطوان فقها فقط، بل كان للأدب والشعر واللغة حضور واضح في حياة المدينة. فقد زارها أدباء وشعراء، وأقام بها بعضهم، وكتبوا عنها أو وصفوها. وهذا ما يبرز أن تطوان كانت تجمع بين الفقيه والأديب، بين الدرس والقصيدة، وبين العلم والذوق.

وقد أورد الدكتور إدريس خليفة أسماء شعراء وأدباء ارتبطوا بتطوان أو كتبوا عنها، ومنهم أبو عبد الله محمد بن زاكور الفاسي، الذي قال في دهشة وإعجاب:

“تطوان ما أدراك ما تطوان”.

هذه العبارة تكشف أن المدينة كانت ذات أثر في الوجدان الأدبي، وأن مجالها الثقافي لم يكن جافا أو منغلقا، بل كان قادرا على إلهام الشعراء والكتاب.

محمد بن الطيب العلمي الفاسي وتطوان كمقام علمي

من الأسماء التي حضرت في الصفحات التي أوردها الدكتور إدريس خليفة محمد بن الطيب العلمي الفاسي، المتوفى بين سنتي 1134 و1135هـ / 1721 و1723م، والذي زار تطوان وأقام بها للدراسة ولقاء علمائها وأدبائها.

وهذا المعطى يدل على أن تطوان كانت مدينة يقصدها أهل العلم، وأنها لم تكن مجرد محطة عبور. فالذي يقيم بها للدراسة ولقاء العلماء إنما يجد فيها بيئة علمية تستحق الإقامة والاهتمام.

ومن خلال هذا المثال، نرى أن تطوان كانت جزءا من شبكة علمية مغربية أوسع، تربط بين فاس، وتطوان، وبقية الحواضر العلمية في البلاد.

العلم والأخلاق في تطوان

من أبرز ما يميز صورة تطوان في شهادات المؤرخين أن العلم فيها كان مرتبطا بالأخلاق. فقد لمعت في وصف أهلها صفات مثل التواضع، والكرم، والوفاء، والحياء، وحسن المعاشرة، وهي صفات لا تنفصل عن التربية الدينية والعلمية.

فالمدينة العلمية ليست فقط مدينة كتب ودروس، بل مدينة تُنتج سلوكا عاما، وتمنح المعرفة أثرا في الحياة اليومية. وهذا ما يظهر في صورة تطوان كما نقلها الدكتور إدريس خليفة: علم، ودين، ووقار، وحسن خلق.

لذلك يمكن القول إن تطوان لم تكن مدينة علماء بالمعنى الضيق، بل مدينة مجتمع احترم العلم وجعل له أثرا في الأخلاق والعادات.

الذاكرة الأندلسية والعلم

تحمل تطوان ذاكرة أندلسية واضحة، وهذه الذاكرة لم تظهر فقط في العمران والموسيقى واللباس، بل ظهرت أيضا في الذوق العلمي والحضاري. فقد كان للأندلسيين أثر كبير في إعادة بناء المدينة وإغناء ثقافتها، وهو ما منح تطوان شخصية مميزة بين مدن المغرب.

والذاكرة الأندلسية، بما تحمله من تقدير للعلم، والعمران، واللغة، والفنون، ساهمت في ترسيخ مكانة تطوان كمدينة ذات ذوق حضاري رفيع. ولهذا نجد أن العلم فيها لا ينفصل عن الأدب، ولا عن الجمال، ولا عن التقاليد الاجتماعية.

لماذا سميت تطوان مدينة العلم والعلماء؟

يمكن فهم هذا الوصف من خلال عدة عناصر متكاملة. فقد عرفت تطوان بكثرة علمائها وفقهائها وقرائها، وبحضور المساجد والزوايا والمدارس، وباحترام أهلها للعلم وأهله، وبوجود مراجع كبرى وثقت تاريخها العلمي.

كما أن المدينة لم تكن معزولة عن الحواضر العلمية المغربية، بل كانت على صلة بفاس وببقية مدن الشمال، واستقبلت علماء وأدباء، وأنجبت مؤرخين وفقهاء حفظوا ذاكرتها.

لهذا فإن وصف تطوان بمدينة العلم والعلماء ليس وصفا مجازيا فقط، بل هو نتيجة لمسار طويل من التعليم، والتأليف، والتدريس، والتوثيق، والتربية.

تطوان بين العلم والجمال

اللافت في تطوان أن صورتها العلمية لا تلغي صورتها الجمالية، بل تكملها. فهي مدينة جميلة بطبيعتها وبياضها ومياهها وبساتينها، لكنها أيضا مدينة عالمة بما احتضنته من فقهاء وقراء ومؤرخين وأدباء.

وهذا الجمع بين العلم والجمال هو ما جعلها محبوبة في عيون المؤرخين والرحالة والشعراء. فكل واحد منهم رأى فيها جانبا من الثراء: المؤرخ رأى الذاكرة، والفقيه رأى مجال العلم، والشاعر رأى الجمال، والزائر رأى السكينة.

خلاصة

تستحق تطوان وصف مدينة العلم والعلماء لأنها عرفت عبر تاريخها بحضور الفقهاء والقراء والمؤرخين والأدباء، وبما احتضنته من مساجد وزوايا ومدارس ومجالس علم. كما عرفت بأهل يقدرون العلم ويحترمون العلماء، وبمجتمع ربط بين الدين والأخلاق والوقار.

ومن خلال ما أورده الدكتور إدريس خليفة من شهادات تاريخية وأدبية، وما تؤكده مراجع مثل تاريخ تطوان لمحمد داود وعمدة الراوين في تاريخ تطاوين لأحمد الرهوني، تظهر تطوان كحاضرة علمية وروحية مهمة في شمال المغرب.

إنها مدينة بيضاء في عمرانها، جميلة في موقعها، عريقة في ذاكرتها، وعالمة برجالها ومجالسها. ولذلك بقيت تطوان في الذاكرة المغربية مدينة للعلم والجمال، وواحدة من الحواضر التي حفظت للمغرب جزءا ثمينا من تاريخه الثقافي والديني.

Comments

  • No comments yet.
  • Add a comment