تطوان أم فاس؟ مقارنة أدبية طريفة بين المدينتين

من الطرائف الأدبية الجميلة التي نجدها في الكتابات والشهادات التي تناولت مدينة تطوان، حضور المقارنة بينها وبين مدينة فاس. وهي مقارنة لا ينبغي فهمها كتنافس حقيقي بين مدينتين عريقتين، بل كنوع من اللعب الأدبي الراقي، الذي يكشف مكانة تطوان في الوجدان المغربي، ويبرز كيف استطاعت هذه المدينة الشمالية أن تقف في المخيال الشعري إلى جانب فاس، مدينة العلم والعراقة.

فاس، في الذاكرة المغربية، مدينة العلم والفقه والجامعات والزوايا، وواحدة من أقدم الحواضر الإسلامية بالمغرب. أما تطوان، فهي مدينة البياض والجبل والماء والذاكرة الأندلسية، ومدينة العلم والأدب في شمال المغرب. وبين المدينتين نشأت صورة أدبية لطيفة، لا تقوم على المفاضلة الجافة، بل على إبراز محاسن كل مدينة، وما تتركه في النفس من أثر.

ومن خلال الصفحات التي خصصها الدكتور إدريس خليفة لوصف تطوان، يظهر أن هذه المقارنة حضرت في سياق شعري وأدبي جميل، حيث لم تكن تطوان أقل حضورا من فاس في أعين بعض الشعراء، بل بدت مدينة تستحق أن تُقارن بها، لما لها من جمال، وبهاء، ومكانة ثقافية.

وإلى جانب ما أورده الدكتور إدريس خليفة، تساعدنا مراجع تطوانية مثل تاريخ تطوان لمحمد داود وعمدة الراوين في تاريخ تطاوين لأحمد الرهوني على فهم الخلفية التي جعلت تطوان حاضرة في هذه المقارنة: فهي لم تكن مجرد مدينة جميلة، بل حاضرة علمية وأدبية ذات شخصية مستقلة.

فاس وتطوان: مدينتان في الذاكرة المغربية

لكل من فاس وتطوان مكانة خاصة في الذاكرة المغربية. فاس عاصمة علمية وتاريخية كبرى، ارتبطت بجامع القرويين، والعلماء، والفقهاء، والصناعة التقليدية، والتاريخ السياسي والثقافي للمغرب.

أما تطوان، فقد ارتبطت بالبياض، والذاكرة الأندلسية، والمدينة العتيقة، والموقع بين الجبل والبحر، وبأهل علم ووقار وكرم. لذلك فإن المقارنة بينهما ليست مقارنة بين مدينة كبرى وأخرى صغرى، بل بين صورتين حضاريتين مختلفتين ومتكاملتين.

فاس تمثل العمق العلمي المغربي، وتطوان تمثل الجمال الشمالي الأندلسي، وبينهما تتشكل لوحة غنية من تاريخ المغرب وثقافته.

لماذا قورنت تطوان بفاس؟

لم تأت المقارنة بين تطوان وفاس من فراغ. فلكي تُقارن مدينة بفاس، لا بد أن تكون لها مكانة معتبرة في العلم والأدب والجمال. وفاس لم تكن مدينة عادية في المخيال المغربي، بل كانت رمزا للمعرفة والفقه والحضارة.

لذلك، حين تظهر تطوان في مقارنة أدبية مع فاس، فهذا يدل على أن تطوان كانت حاضرة بقوة في عين الشعراء والأدباء. فهي لم تكن تُرى فقط كمدينة شمالية بيضاء، بل كحاضرة لها علماؤها، وأدباؤها، وذاكرتها، وأخلاق أهلها.

وقد أورد الدكتور إدريس خليفة إشارات إلى هذا الحضور الأدبي، حيث ظهرت تطوان في بعض النصوص كمدينة قادرة على أن تنافس فاس في الحسن والوقع العاطفي، لا في إطار صراع، بل في إطار إعجاب شعري.

فاس مدينة العلم والعراقة

حين يذكر الأدباء فاس، فإنهم يستحضرون مدينة ذات عمق تاريخي كبير. فهي مدينة العلماء والفقهاء والطلبة، ومدينة المؤسسات العلمية، ومدينة الأسر العريقة والأسواق القديمة. لذلك صارت فاس في الذاكرة المغربية رمزا للعلم والهيبة.

وهذا ما يجعل المقارنة معها ذات قيمة. فالشاعر حين يضع تطوان إلى جانب فاس، فهو يرفع من مقام تطوان، ويقول بطريقة أدبية إن هذه المدينة الشمالية تملك من الحسن والمكانة ما يجعلها تقف إلى جانب واحدة من أعظم مدن المغرب.

لكن المقارنة لا تعني أن تطوان نسخة من فاس. فلكل مدينة روحها. فاس لها عمقها العلمي والحضري، وتطوان لها بياضها وموقعها وذاكرتها الأندلسية وشخصيتها المتوسطية.

تطوان مدينة الجمال والصفاء

أما تطوان، فقد حضرت في الشعر والنثر بوصفها مدينة جميلة، بيضاء، هادئة، كثيرة الخيرات، ذات مياه وبساتين، وأهل علم وكرم. وقد نقل الدكتور إدريس خليفة عن أحمد الرهوني وصفا بديعا للمدينة، حيث قال عنها إنها:

“مدينة غراء نقية بيضاء، كثيرة الخيرات والأنعام والبركات”.

هذا الوصف يبرز أن تطوان لم تكن تُرى كمدينة عادية، بل كمدينة ذات بياض ونقاء وخير. وهي صفات تجعلها قريبة من اللغة الشعرية، وتجعل المقارنة بينها وبين فاس ممكنة من زاوية الجمال والروح، لا من زاوية الحجم أو السياسة.

فإذا كانت فاس مدينة العمق العلمي، فإن تطوان مدينة الصفاء والجمال، مع حضور علمي وأدبي معتبر.

تطوان في الشعر: “ما أدراك ما تطوان”

من العبارات الشعرية القوية التي أوردها الدكتور إدريس خليفة قول أبي عبد الله محمد بن زاكور الفاسي، المتوفى سنة 1120هـ / 1708م:

“تطوان ما أدراك ما تطوان”.

واللافت هنا أن القائل فاسي، وهذا يمنح العبارة دلالة إضافية. فحين يعبر شاعر من فاس عن دهشته بتطوان بهذا الأسلوب، فهذا يعني أن المدينة استطاعت أن تفرض حضورها في عين من جاء من واحدة من أعظم الحواضر المغربية.

هذه العبارة القصيرة تختصر روح المقارنة الأدبية بين المدينتين. فالشاعر الفاسي لم يرَ في تطوان مدينة هامشية، بل مدينة تستحق التعجب والإعجاب، ومدينة لا يكفي اسمها العادي لوصفها.

محمد الحلوي والمقارنة الأدبية

من الأسماء التي حضرت في الصفحات التي اعتمدها الدكتور إدريس خليفة الشاعر محمد الحلوي، الذي ارتبط اسمه بسياق المقارنة الأدبية بين تطوان وفاس. وتظهر هذه المقارنة في شكل وجداني لطيف، حيث تحضر فاس بمكانتها العريقة، وتحضر تطوان بمفاتنها وجمالها.

والجميل في هذا النوع من الشعر أنه لا يضع المدينتين في خصومة، بل في حوار. فالشاعر قد يحب فاس لعلمها وذاكرتها، ويحب تطوان لجمالها وصفائها وبياضها. وقد يجد قلبه موزعا بين مدينة العقل ومدينة العين، بين مدينة العلم ومدينة الفتنة الجمالية.

وهذا هو سر الطرافة في المقارنة: ليست معركة بين مدينتين، بل اعتراف بأن المغرب غني بمدنه، وأن لكل مدينة سحرها الخاص.

تطوان وفاس: العلم حاضر في المدينتين

رغم أن فاس اشتهرت أكثر بوصفها العاصمة العلمية للمغرب، فإن تطوان لم تكن بعيدة عن العلم. فقد عرفت بدورها علماء وفقهاء ومؤرخين وأدباء، واحتضنت مجالس علمية ودينية، وارتبط اسمها بأعلام كبار.

وتكفي الإشارة إلى أسماء مثل أحمد الرهوني صاحب عمدة الراوين في تاريخ تطاوين، ومحمد داود صاحب تاريخ تطوان، لفهم أن تطوان كانت لها ذاكرة علمية قوية.

لذلك، فالمقارنة بين تطوان وفاس ليست بين علم وجهل، بل بين مركزين ثقافيين مختلفين في الحجم والدور، لكنهما يلتقيان في تقدير العلم والكتابة والذاكرة.

فاس مدينة العمق، وتطوان مدينة الصفاء

إذا أردنا أن نقرأ المقارنة بطريقة رمزية، يمكن القول إن فاس تمثل العمق، وتطوان تمثل الصفاء.

فاس عميقة بتاريخها، بمدارسها، بعلمائها، بأزقتها، وبذاكرتها السياسية والثقافية. أما تطوان فهي صافية في صورتها: بيضاء، هادئة، قريبة من الجبل والبحر، محاطة بالمياه والبساتين، وتحمل رقة أندلسية واضحة.

وهذا لا يعني أن فاس لا تملك جمالا، ولا أن تطوان لا تملك علما، بل يعني أن كل مدينة اشتهرت بصورة غالبة في الوجدان. والشعراء عادة يلتقطون هذه الصور ويحوّلونها إلى معان أدبية.

الذاكرة الأندلسية بين المدينتين

تلتقي فاس وتطوان أيضا في جانب مهم، هو أثر الذاكرة الأندلسية. فقد استقبل المغرب موجات من الأندلسيين الذين تركوا أثرهم في العمران، والموسيقى، والعادات، والصناعات، والذوق الحضري.

لكن تطوان تميزت بكون الطابع الأندلسي فيها ظل بارزا جدا في عمرانها وثقافتها وموسيقاها وأسلوب عيشها. ولذلك تبدو تطوان في الذاكرة الأدبية كمدينة شمالية ذات نفَس أندلسي خاص.

أما فاس، فقد احتضنت أيضا تأثيرات أندلسية، لكنها ظلت في المخيال العام مدينة العلم العميق والمؤسسات الكبرى. ومن هنا تصبح المقارنة بينهما مقارنة بين وجهين من وجوه الحضارة المغربية الأندلسية.

لماذا تبدو المقارنة طريفة؟

تبدو المقارنة بين تطوان وفاس طريفة لأنها تجمع بين مدينتين لكل واحدة منهما أنصارها ومحبّوها. فالفاسي قد يرى في فاس أصل العلم والهيبة، والتطواني قد يرى في تطوان سر الجمال والصفاء. والشاعر، بدل أن يحسم الأمر، يترك للقلب أن يحب المدينتين معا.

وهذه الطرافة الأدبية قريبة من روح الشعر المغربي، حيث تُستعمل المقارنة لا لإصدار حكم نهائي، بل لإبراز المحاسن، وتحريك العاطفة، وإظهار الافتتان بالمكان.

فالقصيدة هنا لا تبحث عن “من الأفضل؟”، بل عن “كيف يمكن لمدينتين أن تسكنا القلب بطرق مختلفة؟”.

تطوان في عين الفاسي

عندما يكتب شاعر من فاس عن تطوان، أو يعبّر عن دهشته بها، فإن ذلك يمنح تطوان شهادة خاصة. فالفاسي القادم من مدينة علم وعراقة حين يعجب بتطوان، فهذا يعني أنه رأى فيها شيئا يستحق الالتفات.

وهذا ما يظهر في عبارة ابن زاكور الفاسي: “تطوان ما أدراك ما تطوان”. فهي ليست عبارة مجاملة بسيطة، بل علامة على أن تطوان كانت معروفة بجمالها ومكانتها حتى عند أدباء المدن الكبرى.

ومن هنا يمكن اعتبار المقارنة بين تطوان وفاس دليلا على مكانة تطوان، لا مجرد موضوع أدبي طريف.

تطوان وفاس في قلب المغرب الثقافي

الأجمل أن المقارنة بين تطوان وفاس تكشف تعدد المغرب الثقافي. فالمغرب ليس مدينة واحدة ولا ذوقا واحدا. فيه فاس العالمة، وتطوان الأندلسية البيضاء، ومراكش الحمراء، والرباط الهادئة، وشفشاون الزرقاء، وطنجة المتوسطية، وغيرها من المدن التي صنعت تنوع الذاكرة المغربية.

لذلك، حين نكتب عن تطوان وفاس، فنحن لا نبحث عن مدينة تنتصر على أخرى، بل نقرأ كيف صنعت المدن المغربية شخصياتها المختلفة، وكيف أحبها الشعراء والأدباء كل بطريقته.

خلاصة

تكشف المقارنة الأدبية بين تطوان وفاس أن مدينة تطوان كانت حاضرة بقوة في الوجدان الشعري المغربي، حتى وُضعت في حوار لطيف مع فاس، مدينة العلم والعراقة. ومن خلال ما أورده الدكتور إدريس خليفة من شواهد أدبية، يظهر أن تطوان لم تكن مدينة عادية، بل مدينة أثارت إعجاب الشعراء والأدباء، حتى قال فيها أبو عبد الله محمد بن زاكور الفاسي: “تطوان ما أدراك ما تطوان”.

وإذا كانت فاس ترمز إلى العمق العلمي والتاريخي، فإن تطوان ترمز إلى الصفاء والجمال والبياض والذاكرة الأندلسية. ومع ذلك، فكلتا المدينتين تلتقيان في العلم، والأدب، والوقار، وحب المعرفة.

ومن خلال مراجع مثل تاريخ تطوان لمحمد داود وعمدة الراوين في تاريخ تطاوين لأحمد الرهوني، نفهم أن تطوان كانت مدينة علم وجمال معا، ولذلك لم يكن غريبا أن تدخل في مقارنة أدبية مع فاس.

إن السؤال “تطوان أم فاس؟” ليس سؤالا عن الأفضلية، بل دعوة لاكتشاف جمال المدينتين معا: فاس بعلمها وعمقها، وتطوان بصفائها وبياضها وسحرها الشمالي.

Comments

  • No comments yet.
  • Add a comment