تطوان في كتابات أحمد الرهوني

حين نبحث عن صورة تطوان في الكتابات التاريخية المغربية، يبرز اسم أحمد الرهوني باعتباره واحدا من أهم من كتبوا عن هذه المدينة، وأحد الذين حفظوا جزءا كبيرا من ذاكرتها العلمية والاجتماعية والأدبية. فقد ارتبط اسمه بعمل موسوعي ضخم هو “عمدة الراوين في تاريخ تطاوين”، الذي يعد من المراجع الأساسية في تاريخ تطوان وأعلامها وأسرها وحياتها الثقافية.

ومن خلال الصفحات التي خصصها الدكتور إدريس خليفة لوصف مدينة تطوان، يحضر أحمد الرهوني بوصفه شاهدا رئيسيا على جمال المدينة، ومكانتها، وأخلاق أهلها، وكثرة خيراتها. فقد نقل الدكتور إدريس خليفة عنه أوصافا تكشف أن الرهوني لم يكن يكتب عن تطوان كمدينة عادية، بل كحاضرة لها روح خاصة، تجمع بين البياض، والماء، والعلم، والبركة، والوقار.

وإلى جانب ما أورده الدكتور إدريس خليفة، تؤكد مصادر أخرى أهمية الرهوني في التأريخ لتطوان. فقد وُصف كتابه “عمدة الراوين في تاريخ تطاوين” بأنه كتاب ضخم في عشرة أجزاء، لا يستغني عنه الباحث في تاريخ تطوان، لما يضمه من فوائد علمية وتاريخية وأدبية. كما تشير فهارس المكتبات إلى أن الكتاب طبع ضمن منشورات جمعية تطاون أسمير بتحقيق جعفر بن الحاج السلمي.

من هو أحمد الرهوني؟

أحمد الرهوني، أو أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسن الرهوني، من أعلام تطوان الذين جمعوا بين العلم والقضاء والتأريخ. وقد اشتهر خصوصا بكتابه “عمدة الراوين في تاريخ تطاوين”، وهو العمل الذي جعل اسمه حاضرا بقوة في كل حديث جاد عن تاريخ المدينة.

وتشير بعض المصادر إلى أن أحمد الرهوني ولد بمدينة تطوان سنة 1288هـ / 1871م، ونشأ بها، وحفظ القرآن الكريم، وتدرج في طلب العلم، قبل أن يصبح من العلماء البارزين في المدينة. كما ارتبط اسمه بالقضاء وبالكتابة التاريخية، مما جعل تجربته تجمع بين المعرفة الشرعية، والخبرة الاجتماعية، والوعي التاريخي.

وهذه الخلفية مهمة لفهم كتابته عن تطوان. فالرهوني لم يكتب عنها من خارجها، بل كتب من داخل نسيجها، باعتباره ابن المدينة وعالمها ومؤرخها، يعرف أسرها، ومساجدها، وعلماءها، وذاكرتها، وتحولاتها.

“عمدة الراوين”: ذاكرة تطوان الكبرى

يعد كتاب “عمدة الراوين في تاريخ تطاوين” أهم مؤلفات أحمد الرهوني، بل من أهم ما كتب عن تطوان عموما. فالكتاب ليس مجرد سرد تاريخي مختصر، بل عمل موسوعي واسع، يجمع الأخبار، والتراجم، والأنساب، والوقائع، والإشارات الأدبية والعلمية.

وقد ورد في بعض المصادر أن هذا الكتاب يقع في عشرة أجزاء، وهو ما يعكس حجم المشروع الذي أنجزه الرهوني. كما أن أهميته لا تكمن في عدد أجزائه فقط، بل في كونه حفظ تفاصيل كثيرة عن المدينة، ربما كان يمكن أن تضيع لو لم تُدوّن.

ومن خلال هذا العمل، تبدو تطوان عند الرهوني مدينة متعددة الوجوه: مدينة علم، ومدينة أسر، ومدينة أحداث، ومدينة أخلاق، ومدينة جمال طبيعي وعمراني.

تطوان المدينة البيضاء في وصف الرهوني

من أشهر الأوصاف التي نقلها الدكتور إدريس خليفة عن أحمد الرهوني وصفه لتطوان بأنها:

“مدينة غراء نقية بيضاء، كثيرة الخيرات والأنعام والبركات”.

هذه العبارة من أجمل ما قيل في وصف تطوان، لأنها تجمع بين الصورة الجمالية والمعنى الروحي والاجتماعي. فلفظ “غراء” يحيل على الحسن والبياض والبهاء، و“نقية بيضاء” تؤكد صفاء المدينة في مظهرها، أما “كثيرة الخيرات والأنعام والبركات” فتفتح الوصف على جانب أوسع، مرتبط بالماء، والخصب، والرزق، وأخلاق الناس.

فالرهوني هنا لا يصف الجدران فقط، بل يصف مدينة كاملة. مدينة بيضاء في منظرها، كثيرة الخير في محيطها، مباركة في أهلها وذاكرتها.

الماء والخيرات في صورة تطوان

من العناصر التي تحضر بقوة في وصف الرهوني لتطوان الماء والخيرات. فالمدينة في كتاباته، كما ينقل عنها الدكتور إدريس خليفة، ليست مدينة جافة أو منغلقة، بل مدينة ذات عيون ومياه وبساتين، مما جعلها حاضرة في الذاكرة كفضاء للخصب والراحة.

وهذا الجانب يلتقي مع ما نجده في موضوعات أخرى عن تطوان، مثل العيون، والسواقي، والبساتين، ونظام الماء التقليدي. فالماء كان جزءا من هوية المدينة، وكان أساسا في بناء صورتها كمدينة كثيرة البركات.

ولذلك، حين يصف الرهوني تطوان بالخيرات، فهو لا يستعمل عبارة عامة فقط، بل يشير إلى واقع طبيعي واجتماعي عاشته المدينة، حيث ساهم الماء والموقع في ازدهارها وجمالها.

تطوان مدينة العلم والعلماء

لم تكن تطوان عند أحمد الرهوني مدينة طبيعة فقط، بل كانت قبل كل شيء مدينة علم وعلماء. وهذا واضح من طبيعة كتابه، الذي يحفظ تراجم وأخبارا كثيرة عن رجال المدينة وعلمائها وأسرها.

فالرهوني نفسه كان عالما، ولذلك كانت نظرته إلى تطوان مشبعة بالاهتمام بالعلم والفقه والرجال والمجالس. وهذا ما يجعل كتابه مرجعا مهما لفهم الحياة العلمية بالمدينة، لا مجرد مصدر لأحداثها السياسية.

ومن هنا نفهم لماذا نجد في كتابات الرهوني اهتماما بالأسماء، والأسانيد، والرجال، والوظائف العلمية، والعلاقات بين العلماء. فهو يكتب تاريخ مدينة من خلال أهلها، لا من خلال بناياتها وحدها.

أخلاق أهل تطوان في كتابة الرهوني

من الجوانب المهمة في صورة تطوان عند الرهوني حديثه عن أخلاق أهلها. فقد ارتبطت المدينة في وصفه، كما تظهر من الشهادات التي نقلها الدكتور إدريس خليفة، بصفات مثل الدين، والكرم، والتواضع، والوقار، وحسن المعاشرة، والوفاء.

وهذه الصفات لا تأتي منفصلة عن صورة المدينة، بل تكملها. فالمدينة البيضاء في عيون الرهوني هي أيضا مدينة أهلها معروفون بحسن الخلق. ولذلك تبدو تطوان عنده مدينة يجتمع فيها جمال المكان وجمال الإنسان.

وقد ساعد هذا الجانب الأخلاقي على ترسيخ صورة تطوان في الذاكرة المغربية كحاضرة ذات ذوق وتقاليد ووقار، لا مجرد مدينة جميلة في الشمال.

الرهوني والمؤرخ محمد داود

من المهم عند الحديث عن الرهوني الإشارة إلى علاقته بالسياق التاريخي الذي جاء بعده، وخاصة مع المؤرخ محمد داود، صاحب كتاب “تاريخ تطوان”. فقد اعتمد محمد داود على مصادر كثيرة في كتابة تاريخ المدينة، ويُشار في بعض الكتابات إلى استفادته من عمل الرهوني، باعتباره من أهم من حفظوا ذاكرة تطوان.

وهذا طبيعي، لأن كتاب “عمدة الراوين” يوفر مادة غنية لكل باحث في تاريخ المدينة. فهو يجمع أخبارا وتراجم ومعطيات لا يمكن تجاوزها عند دراسة تطوان.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن الرهوني ساهم في تأسيس ذاكرة تاريخية استفاد منها من جاء بعده، كما أن محمد داود أكمل بدوره مشروع حفظ تاريخ المدينة بأسلوب آخر، في عمله المعروف “تاريخ تطوان”.

تطوان في كتابات الرهوني: مدينة لا تختزل

من يقرأ صورة تطوان عند الرهوني يلاحظ أنها لا تختزل في جانب واحد. فهي ليست فقط مدينة بيضاء، ولا فقط مدينة علم، ولا فقط مدينة عيون، ولا فقط مدينة أخلاق. إنها كل ذلك في وقت واحد.

وهذا ما يمنح كتابته قيمتها. فالرهوني يقدم تطوان ككائن حضاري كامل، له جسم وروح. الجسم هو العمران والماء والجبال والبساتين، والروح هي العلماء والأسر والأخلاق والذاكرة.

لذلك نجد أن وصفه للمدينة بقي حيا، لأنه لا يقدم معلومة جافة، بل يقدم إحساسا كاملا بمدينة عاشها وعرفها وأحبها.

أهمية الرهوني للباحثين في تاريخ تطوان

لا يستطيع الباحث في تاريخ تطوان أن يتجاوز اسم أحمد الرهوني. فكتابه “عمدة الراوين في تاريخ تطاوين” يعد من الأعمال الأساسية التي تجمع بين التاريخ المحلي، والتراجم، والأنساب، والأدب، والحياة الاجتماعية.

وقد وصفته بعض الكتابات بأنه لا غنى عنه للدارس والباحث في تاريخ تطوان، لما يضمه من فوائد علمية وتاريخية وأدبية انفرد بها. وهذه شهادة مهمة، لأنها تؤكد أن الرهوني لم يكن مجرد ناقل أخبار، بل صاحب مشروع في حفظ ذاكرة المدينة.

ولهذا، فإن العودة إلى كتاباته ليست مفيدة فقط للمتخصصين، بل لكل من يريد أن يفهم تطوان من داخلها، لا من صورتها الخارجية فقط.

لماذا نعود اليوم إلى أحمد الرهوني؟

العودة إلى أحمد الرهوني اليوم ضرورية لعدة أسباب. أولا، لأنه حفظ لنا صورة تطوان في مرحلة مهمة من تاريخها. وثانيا، لأنه كتب من داخل المدينة، بعين العالم والمؤرخ والقاضي. وثالثا، لأن كتابه يجمع بين التاريخ والذاكرة والأدب والمجتمع.

كما أن كتاباته تساعدنا على فهم تطوان القديمة في تفاصيلها: كيف كان الناس يعيشون، من هم علماؤها، ما هي أسرها، كيف كانت مكانتها، وما الذي جعلها مدينة ذات شخصية خاصة.

وفي زمن تتغير فيه المدن بسرعة، تصبح مثل هذه الكتابات وسيلة لحماية الذاكرة من النسيان، وربط الأجيال الجديدة بتاريخ مدينتهم.

الرهوني وتطوان في الذاكرة المحلية

يحتل أحمد الرهوني مكانة خاصة في الذاكرة التطوانية، لأنه لم يكتف بأن يكون عالما أو قاضيا، بل تحول إلى حافظ لذاكرة المدينة. ومثل هؤلاء الأشخاص لا ترتبط أهميتهم بما كتبوه فقط، بل بما أنقذوه من الضياع.

فكل مدينة تحتاج إلى من يكتبها، وتطوان وجدت في الرهوني أحد كبار من كتبوها. لذلك يبقى اسمه مرتبطا بتاريخ المدينة، كما تبقى عباراته وأوصافه حاضرة في كل حديث عن تطوان البيضاء، مدينة العلم والبركة والخيرات.

خلاصة

تظهر تطوان في كتابات أحمد الرهوني كمدينة متعددة الأبعاد: مدينة بيضاء جميلة، كثيرة الخيرات والبركات، ذات عيون ومياه وبساتين، وأهل علم ووقار وكرم. وقد نقل الدكتور إدريس خليفة جانبا من هذه الصورة، خصوصا من خلال وصف الرهوني لها بأنها: “مدينة غراء نقية بيضاء، كثيرة الخيرات والأنعام والبركات”.

ويعد كتاب “عمدة الراوين في تاريخ تطاوين” أهم ما ألفه الرهوني، وواحدا من أهم مصادر تاريخ تطوان، لما يتضمنه من أخبار وتراجم ومعطيات علمية وأدبية واجتماعية. كما أن مراجع لاحقة مثل “تاريخ تطوان” لمحمد داود تؤكد أهمية هذا النوع من الكتابات في حفظ ذاكرة المدينة.

لقد كتب الرهوني تطوان من الداخل، لا كمدينة عابرة، بل كوطن للعلم والذاكرة والناس. ولهذا ظلت كتاباته مرجعا لا غنى عنه لكل من يريد أن يفهم تطوان القديمة، ويقرأ سر حضورها في التاريخ المغربي.

Comments

  • No comments yet.
  • Add a comment