عرفت مدينة تطوان خلال عهد الحماية، وخاصة في الفترة الممتدة بين 1926 و1956، نشاطا أدبيا وثقافيا لافتا جعلها واحدة من أهم المراكز الفكرية بالمغرب الحديث. فلم تكن تطوان في تلك المرحلة مجرد عاصمة إدارية للمنطقة الخليفية، بل تحولت إلى فضاء للكتابة، والنشر، والصحافة، والخطابة، والمسرح، والترجمة، والنقاش الوطني.
وقد ارتبط هذا النشاط الأدبي بسياق سياسي واجتماعي خاص، تميز بالحرب الريفية، والحرب الإسبانية سنة 1936، وصعود الحركة الوطنية المغربية، وظهور نخبة من المثقفين والعلماء والأدباء الذين جعلوا من الأدب والصحافة وسيلة للتوعية والدفاع عن الهوية الإسلامية والوطنية والعربية.
ومن هنا، فإن الحياة الأدبية بتطوان في عهد الحماية لا يمكن فهمها باعتبارها نشاطا فنيا معزولا، بل باعتبارها جزءا من معركة الوعي التي خاضها المغاربة بالكلمة والفكر، إلى جانب النضال السياسي من أجل الاستقلال والوحدة.
كانت الأحداث السياسية الكبرى من أهم العوامل التي أثرت في الحياة الأدبية بتطوان. فقد تركت الحرب الريفية أثرا عميقا في الوجدان المغربي، لأنها أظهرت بطولات المغاربة وتشبثهم بالحرية وبالمقومات الدينية والوطنية للأمة.
ثم جاءت الحرب الإسبانية سنة 1936، التي شارك فيها الجندي المغربي، وكان لها أثر واضح على علاقة سلطات الحماية الإسبانية بالنخب المغربية في الشمال. فقد وجدت هذه السلطات نفسها في حاجة إلى كسب تعاطف المغاربة، مما ساهم في فتح هامش أوسع نسبيا للتعبير والصحافة والعمل الثقافي.
وفي أواخر الثلاثينيات، برزت التجمعات الوطنية الأولى، وتطورت الحركة الوطنية المغربية بقيادة الملك محمد الخامس، لتصبح تطوان واحدة من مراكز الوعي الوطني في شمال المغرب. وهكذا صار الأدب جزءا من خطاب وطني يسعى إلى استنهاض الهمم، ونشر التعليم، والدفاع عن الإسلام والعروبة والوطن.
لم تكن الحياة الاجتماعية في المنطقة الخليفية سهلة خلال عهد الحماية. فقد عاش المجتمع المغربي التقليدي المحافظ وضعا معقدا أمام التدخل الأوروبي، خصوصا أن الحماية الإسبانية لم تجلب معها توسعا اقتصاديا حقيقيا ولا حركة تجارية قوية، بل تميزت، في كثير من المجالات، بالركود والتهميش وضعف البنيات الاقتصادية.
وقد انعكس هذا الواقع على الأدب والصحافة. فالكتاب والشعراء لم يكتبوا في فراغ، بل كتبوا وهم يشعرون بثقل التبعية، والاستغلال، والتأخر، والحاجة إلى الإصلاح. لذلك أصبحت المقالة، والقصيدة، والخطبة، والمسرحية، والقصة القصيرة، أدوات لقراءة المجتمع ونقد عيوبه والدعوة إلى النهوض.
وهكذا تحولت الثقافة إلى وسيلة من وسائل الخطاب الوطني، ووظف المثقفون والعلماء معارفهم في مجال التوعية السياسية والاجتماعية.
من أهم أسباب ازدهار الحياة الأدبية بتطوان وجود صحافة متنوعة تمتعت بقدر من حرية التعبير السياسية والفكرية، خاصة منذ الحرب الإسبانية. وقد كانت هذه الحرية، في بعض المراحل، أوسع مما كان يتمتع به الإسبان أنفسهم في بلادهم.
وقد شكلت الصحف والمجلات التطوانية فضاء أساسيا لنشر المقالات، والقصائد، والدراسات، والترجمات، والقصص، والنقاشات الأدبية والسياسية. ومن أبرز المجلات التي ظهرت في هذه المرحلة:
مجلة السلام سنة 1933، لصاحبها ورئيس تحريرها المؤرخ محمد داود.
مجلة المغرب الجديد سنة 1935، التي كان يتولى تحريرها الشيخ محمد المكي الناصري.
مجلة الإرشاد الديني سنة 1939، للأستاذ محمد الطنجي.
مجلة الأنيس سنة 1946.
مجلة لسان الدين سنة 1946، التي أسسها الدكتور محمد تقي الدين الهلالي، ثم تولى رئاسة تحريرها العلامة عبد الله كنون.
مجلة الأنوار سنة 1946، التي تولى تحريرها أحمد مدينة.
مجلة المعرفة سنة 1946، لحسن أحمد المصمودي.
مجلة المعتمد سنة 1948، التي كانت تصدر بالعربية والإسبانية.
مجلة القوانين المغربية سنة 1954، لموسى عبود.
مجلة الحديقة سنة 1955، للأستاذ محمد بوخبزة.
أما الجرائد، فقد عرفت تطوان صدور عدد من الصحف الوطنية المهمة، مثل الحياة لعبد الخالق الطريس، والأخبار لمحمد داود سنة 1936، والريف للتهامي الوزاني، والوحدة المغربية سنة 1937 لمحمد المكي الناصري، والنهار سنة 1947، والدستور سنة 1948 لإبراهيم الوزاني، والأمة سنة 1952 لسان حزب الإصلاح الوطني، والشهاب سنة 1946 لمحمد العربي الشويخ.
هذه الصحافة لم تكن مجرد منابر إخبارية، بل كانت مدرسة حقيقية للأدب، ومنها خرجت أسماء وكتابات أسهمت في بناء النهضة الأدبية الحديثة بتطوان.
كان الوعي الوطني من أقوى العوامل التي حركت الأدب التطواني في عهد الحماية. فقد كانت تطوان مركزا مهما من مراكز الحركة الوطنية، مما جعل الكتاب والشعراء يشعرون بمسؤولية مضاعفة تجاه المجتمع والوطن.
كتب الأدباء عن الحرية، والهوية، والإصلاح، والتعليم، والوحدة، ومحاربة الاستعمار، واستعادة المجد المغربي والعربي والإسلامي. كما اهتموا بالدراسات التاريخية والتراثية والاجتماعية، لأنهم كانوا يرون في معرفة الماضي وسيلة لبناء وعي جديد بالمستقبل.
ولذلك، كان الأدب في تطوان أدبا ملتزما بقضايا المجتمع، لا مجرد تعبير فردي أو ترف لغوي.
من العوامل التي غذّت الحياة الأدبية بتطوان أنها تحولت إلى مركز لقاء بين الوطنيين والمثقفين الشماليين، والوطنيين القادمين من الجنوب المغربي أو المتصلين به. فالتقت الأفكار، وتبادل الطرفان التأثير، وتعاون الجميع على إذكاء شعلة النهضة والثقافة.
ومن الشخصيات التي كان لها أثر في الحياة العلمية والثقافية بتطوان: الشيخ أبو شعيب الدكالي الذي زارها سنة 1929، والعلامة عبد الرحمن بن القرشي الذي دخلها سنة 1934، والمؤرخ عبد الرحمن بن زيدان الذي دخلها سنة 1927.
كما حضر في هذا السياق عدد من الأعلام الكبار، مثل محمد المكي الناصري، وأخيه الأديب الشاعر محمد بن اليمني الناصري، وعلال الفاسي، وعبد الله كنون، ومحمد تقي الدين الهلالي، وإبراهيم الإلغي، وعبد الوهاب بن منصور.
وقد انعكس هذا التلاقي على الصحافة والمجالس الأدبية والمحاضرات، وعلى تنوع الكتابات التي كانت تنشر بتطوان.
لم تكن تطوان معزولة عن العالم العربي. فقد وصلت إلى المدينة أصداء النهضة القومية والفكرية التي عرفتها البلاد العربية، خاصة في المشرق، عبر الصحف، والإذاعات، والزيارات، والبعثات الطلابية.
ومن أشهر الشخصيات العربية التي زارت تطوان أو كان لها أثر في الوعي الثقافي بالمدينة: الأمير شكيب أرسلان، والأمين العام للجامعة العربية عبد الله حسونة، والكاتب اللبناني أمين الريحاني، وأحمد الشقيري، ووزير الأحباس المصري أحمد حسن الباقوري.
وقد ساعدت هذه الصلات على توسيع أفق الأدباء التطوانيين، وربطهم بقضايا العرب والمسلمين، وبمشاريع النهضة ومقاومة الاستعمار وإحياء التراث.
ساهمت بعض المؤسسات الثقافية في تشجيع الأدباء والباحثين، ومن أبرزها معهد مولاي الحسن للأبحاث ومعهد الجنرال فرانكو للدراسات المغربية والأندلسية. فقد كانت هذه المؤسسات تخصص جوائز للمؤلفين والأدباء، وتقوم بطبع بعض المؤلفات بالعربية والإسبانية، وتشجع أعمال الترجمة والبحث في التراث المغربي والأندلسي.
وقد كان لهذا التشجيع أثر مهم، لأنه وفر للأدباء والباحثين إطارا مؤسساتيا، وفتح أمامهم مجالا للنشر والتنافس والإنتاج.
بحكم وضع تطوان في منطقة الحماية الإسبانية، احتك الأدباء المغاربة بالثقافة الإسبانية من خلال الترجمة، والزيارة، والحوار، والقراءة، والمجلات الثنائية اللغة. وقد اطلع عدد من الأدباء على عيون الأدب الإسباني، وعلى بعض مظاهر الحركة الأدبية والثقافية بإسبانيا.
ومن الأسماء التي كان لها دور في هذا المجال: محمد العربي الخطابي، التهامي الوزاني، عبد اللطيف الخطيب، امحمد عزيمان، محمد الرحيم جبور، موسى عبود، ألفريد البستاني، عبد الله العمراني، ونجيب أبو ملهم.
وقد ساهم هذا الاحتكاك في ظهور ترجمات ودراسات ومقالات، كما ساعد على انفتاح الأدب التطواني على تيارات جديدة دون أن يفقد ارتباطه بالثقافة المغربية والعربية والإسلامية.
برزت في تطوان جمعيتان كان لهما أثر كبير في النشاط الأدبي والثقافي.
الأولى هي جمعية الطالب المغربية، التي أسسها عبد الخالق الطريس ورفاقه سنة 1932. وقد نظمت هذه الجمعية ندوات ومحاضرات ولقاءات ثقافية مهمة، وكانت أحيانا تتعرض لمضايقات استعمارية.
أما الثانية فهي جمعية نادي الوحدة المغربية، التي أسسها الشيخ محمد المكي الناصري سنة 1937، وقرر أن يكون مقرها ناديا ثقافيا، ومركزا للأخوة الإسلامية، وفضاء للثقافة والتهذيب والتربية القومية.
وقد ساعدت هاتان الجمعيتان على بروز مواهب الشبان الوطنيين، ووفرتا فضاءات للنقاش والتكوين والاحتكاك، مما انعكس على التعليم والصحافة والأدب.
كان فن المقالة أكثر الفنون الأدبية حضورا في تطوان خلال عهد الحماية. وقد اتجهت المقالة إلى معالجة قضايا تاريخية، واجتماعية، وسياسية، وعلمية، ودينية، وأدبية.
ومن كتاب المقالة السياسية: عبد الخالق الطريس، محمد المكي الناصري، والتهامي الوزاني.
ومن كتاب المقالة الأدبية: عبد الله كنون، محمد المكي الناصري، التهامي الوزاني، عبد الخالق الطريس، محمد داود، محمد بتاويت، عبد الله العمراني، محمد العربي الخطابي، محمد الصباغ، محمد العربي الشاوش، أحمد مدينة، وامحمد عزيمان.
أما في الترجمة، فبرزت أسماء مثل التهامي الوزاني، عبد الغفور الفقاي، امحمد عزيمان، وعبد اللطيف الخطيب.
وفي المقالة الدينية، نجد أسماء مثل عبد الله كنون، التهامي الوزاني، محمد تقي الدين الهلالي، محمد الطنجي، محمد حدو أمزيان، محمد الأمين التمسماني، محمد الغازي الرويفي، محمد حجاج، وأبو طاهر آل عزيز.
تميز النثر الأدبي والصحفي بتطوان في هذه الفترة بالتحرر من قيود البديع والسجع، واتجه نحو أسلوب حديث واضح وسلس، قريب من أسلوب الصحافة الراقية في المشرق العربي. وقد كان هذا الأسلوب مناسبا للتعبير عن الأفكار الوطنية والاجتماعية والثقافية بدقة وبساطة.
ومع ذلك، ظل هناك كتاب يتقنون النثر على الطريقة القديمة، خاصة في ديوان الحكومة الخليفية، متأثرين بأساليب الحريري، والهمداني، وابن الخطيب، والقاضي الفاضل. ومن أشهر أدباء هذا النمط الشاعر والوزير والكاتب محمد بن موسى.
وهكذا جمعت تطوان بين أسلوبين: نثر حديث طليق مرتبط بالصحافة والحركة الوطنية، ونثر بلاغي تقليدي مرتبط بديوان المخزن والكتابة الرسمية.
من الأسماء المميزة في الحياة الأدبية بتطوان محمد الصباغ، الذي انصرف إلى التعبير الرمزي الشاعري عن النفس وخلجاتها وخواطرها. وقد تأثر بمدرسة شعراء لبنان في الوطن والمهجر، مثل جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، وبولس سلامة.
وقد أخرج الصباغ نوعا خاصا من الرسائل الأدبية الخيالية، ضمنها كتابه “اللهاث الجريح”، وهي رسائل تعبر عن الحب والهيام بلغة أدبية وجدانية.
ويمثل الصباغ اتجاها أدبيا مغايرا داخل تطوان، لأنه لم يكتف بالمقالة السياسية أو الإصلاحية، بل أعطى للذات والرمز والوجدان مكانة واضحة في الكتابة.
من الفنون التي ظهرت بندرة في هذه المرحلة فن السيرة الذاتية. ويعد كتاب “الزاوية” للأستاذ التهامي الوزاني المثال الأبرز على هذا النوع، حيث سجل فيه أحداث طفولته إلى أن بلغ مبلغ الرجال، والتحق بالزاوية الحراقية ليتعلم التصوف على يد شيخها.
ويكتسب هذا العمل أهمية خاصة لأنه لا يقدم فقط سيرة فردية، بل يكشف جانبا من الحياة الاجتماعية والروحية والثقافية بتطوان، ومن علاقة الأدب بالتصوف والتربية والذاكرة الشخصية.
عرفت تطوان كذلك ظهور القصة القصيرة، وكان أغلبها قصصا اجتماعيا مرتبطا بالمجتمع المغربي عموما والتطواني خصوصا، ذا غاية إصلاحية ونقدية.
ومن بين الذين كتبوا هذا النوع الأدبي الاجتماعي: محمد الصادق الخياط، محمد الخضر الريسوني، وأحمد البقالي.
وإلى جانب القصة الاجتماعية، ظهرت القصة التاريخية، ومن نماذجها قصة “الملكة خنانة” للكاتبة آمنة اللوه. كما ظهرت القصة الفلسفية من خلال قصة “سليل الثقلين” للأستاذ التهامي الوزاني، وهي قصة تعالج صراعا رمزيا بين عوامل الخير والشر، والصلاح والفساد، وتدعو القارئ إلى التفكير في الإنسان والمجتمع.
كان المسرح من الفنون الأدبية الجديدة التي ظهرت بتطوان في عهد الحماية. وقد ساعد على ظهوره الاحتكاك بالثقافة الأجنبية، ووجود مسارح أنشأها الإسبان، وزيارات فرق مسرحية أندلسية وأوروبية وشرقية.
فقد أنشأ الإسبان عند احتلالهم تطوان أول مرة سنة 1860 مسرحا قرب المشور سمي مسرح الملكة إيزابيل الثانية. وبعد الاحتلال الثاني للمدينة في بداية القرن العشرين، أنشأوا مسرح الملكة فيكتوريا، الذي صار يعرف لاحقا باسم المسرح الوطني. كما أنشأوا مسرحا آخر في الهواء الطلق باسم سينيما بارك، ثم صار يعرف بعد بنائه باسم المسرح الإسباني.
وقد زارت تطوان فرق مسرحية شرقية، مثل فرقة عزيز ورشدي، وكان لذلك أثر في ظهور فرقة الطالب المغربي المسرحية، كما ساهمت البعثات الطلابية والأساتذة الشرقيون في تعريف الشباب التطواني بهذا الفن.
تعد مسرحية “انتصار الحق بالباطل” لعبد الخالق الطريس من أهم بدايات المسرح المكتوب بتطوان. وقد أصدرها سنة 1933، وعرضتها لأول مرة فرقة المعهد الحر سنة 1936.
وتعرض المسرحية للصراع الفكري بين جيلين: جيل قديم متمسك بالماضي ومعارض للتطور الاجتماعي والعلمي، وجيل جديد منفتح على التقدم ومعجب بما عرفته أوروبا من تطور في العلم والفكر.
وتتكون المسرحية من ثلاثة فصول، وتتميز بحوار هادئ، وسخرية مكتومة، ونقد اجتماعي للأوضاع المتردية، ودعوة إلى محاربة الانحرافات والشعوذة في المجتمع التطواني والمغربي.
لم تكن مسرحية الطريس سوى بداية لأعمال مسرحية أخرى عالجت قضايا اجتماعية ووطنية. ومن هذه الأعمال:
“مصالح الوطن على عاتق الشباب” للحسين أفيلال.
“البائسة” للحسين أفيلال، وهي تعالج مشاكل البغاء وتعاطي الخمور.
“رجال المستقبل” لمحمد العربي الشاوش، وتهدف إلى دعوة الشباب إلى العلم والتربية.
“أملنا فيكم أيها الشباب” لمحمد العربي الشاوش.
كما ظهرت أعمال للكاتب الأديب محمد العمارتي، منها “مرحلة الغفلة”، و**“فتاة في زي رجل”، و“زيب بنت الفقيه”، و“رسالة تطوان”**.
وقد اتخذ المسرح في تطوان وظيفة إصلاحية واضحة، إذ كان وسيلة للرقابة الاجتماعية، والتنبيه إلى العيوب، ونقد الانحرافات، ودعوة الشباب إلى العلم والوطنية.
يمكن تقسيم التيارات الأدبية التي أثرت في أدب تطوان خلال عهد الحماية إلى ثلاثة تيارات كبرى.
الأول هو تيار الأدب الشرقي، ويشمل الأدب المصري، واللبناني، والشامي، والأدب المهجري. وقد ظهر أثره في الأسلوب الصحفي والنثر الشاعري والخطاب الإصلاحي.
الثاني هو تيار الأدب الغربي والإسباني، وقد نهل منه بعض أدباء العصر، خاصة عبر الترجمة والاحتكاك الثقافي، مما وسع دائرة معارفهم الأدبية والفكرية.
أما الثالث فهو تيار الأدب الوطني التقليدي، المرتبط بالثقافة المغربية الأصيلة، وعلماء القرويين، ومراكز الدراسات الدينية والأدبية. وكانت تطوان في هذه المرحلة من أهم مراكز هذا التيار.
رغم انفتاح الأدب التطواني على المشرق وإسبانيا والتيارات الحديثة، فقد ظل محتفظا بخصوصيته المغربية. فموضوعاته كانت تدور حول القضايا الوطنية، والثقافة المغربية الأندلسية، والمجتمع المغربي بفضائله وعيوبه، والحاجة إلى الإصلاح والتقدم.
وكانت الشخصية الكامنة وراء هذا الأدب هي الشخصية المغربية التي تطمح إلى غد أفضل، وتدافع عن الإسلام والعروبة والوطن، وتستعمل الأدب والصحافة لبناء وعي جديد.
كانت الحياة الأدبية بتطوان في عهد الحماية، خاصة بين 1926 و1956، واحدة من أغنى التجارب الثقافية في تاريخ المغرب الحديث. فقد ساهمت الصحافة، والجمعيات، والمؤسسات الثقافية، والحركة الوطنية، والاحتكاك بالمشرق وإسبانيا، في خلق مناخ أدبي نشيط أنتج المقالة، والشعر، والقصة، والمسرحية، والترجمة، والسيرة الذاتية.
وبرز في هذا السياق عدد كبير من الأسماء، من بينهم عبد الخالق الطريس، محمد داود، التهامي الوزاني، محمد المكي الناصري، عبد الله كنون، محمد تقي الدين الهلالي، محمد الصباغ، محمد العربي الخطابي، أحمد مدينة، آمنة اللوه، ومحمد العربي الشاوش.
لقد كانت تطوان في عهد الحماية مدينة للكلمة الحرة، ومركزا للصحافة الوطنية، ومختبرا للأدب المغربي الحديث. ومن خلالها نفهم كيف استطاع الأدب أن يتحول إلى أداة مقاومة، ووسيلة إصلاح، وجسر بين التراث والحداثة، وبين المغرب والعالم العربي والمتوسطي.
بقلم : الدكتور إدريس خليفة المراجع : د.إدريس خليفة - الحياة الأدبية بتطوان:النثر الفني (1912-1956) في تطوان في عهد الحماية 1912-1956، مجموعة البحث في التاريخ المغربي والأندلسي، كلية الآداب-جامعة عبد المالك السعدي- بتعاون مع منشورات المجلس البلدية لمدينة تطوان، 1992.