لم تكن تطوان مجرد مدينة تاريخية في شمال المغرب، بل كانت أيضا مدينة ألهمت الشعراء والأدباء، وحضرت في القصائد والنصوص بوصفها فضاء للجمال والبياض والسكينة والعلم. فمن يقرأ ما كتبه الباحثون والمؤرخون عن تطوان، ومن بينهم الدكتور إدريس خليفة في الصفحات التي خصصها لوصف المدينة، يلاحظ أن صورتها الأدبية لم تنفصل عن طبيعتها وموقعها وذاكرتها.
لقد ظهرت تطوان في عيون الشعراء كمدينة بيضاء بين الجبال، تحيط بها المياه والبساتين، ويسكنها أهل علم وكرم ووقار. كما حضرت في كتابات المؤرخين والأدباء باعتبارها مدينة ذات شخصية خاصة، لا تشبه غيرها من مدن المغرب، لأنها جمعت بين جمال المكان وعمق الإنسان.
وإلى جانب ما أورده الدكتور إدريس خليفة من شواهد شعرية وأدبية، نجد أن مراجع أخرى مثل تاريخ تطوان لمحمد داود، وعمدة الراوين في تاريخ تطاوين لأحمد الرهوني، تؤكد هذه الصورة العامة للمدينة: تطوان مدينة علم وأدب، ومجال حضاري احتفظ بمكانة خاصة في الذاكرة المغربية.
الشعراء لا يصفون المدن كما يصفها الجغرافيون، بل يبحثون في روح المكان، وفي الأثر الذي يتركه في النفس. وتطوان كانت من المدن التي امتلكت هذه الروح الخاصة، بما فيها من بياض عمراني، وموقع جبلي جميل، وقرب من البحر، وذاكرة أندلسية وحضارية عميقة.
وقد أورد الدكتور إدريس خليفة عددا من الشهادات التي تكشف كيف تحولت تطوان إلى موضوع شعري وأدبي. فقد تغنى بها الشعراء، ووصفوا حسنها، ومياهها، وجبالها، ورياضها، وأهلها، ومجالس العلم والأدب التي كانت تعرفها.
ومن خلال هذه النصوص، لا تظهر تطوان كمدينة عابرة في الشعر، بل كمدينة تستحق الوقوف عندها، لأنها كانت في نظر الأدباء لوحة مكتملة: مدينة بيضاء، رقيقة، هادئة، وعريقة.
من أجمل العبارات التي أوردها الدكتور إدريس خليفة في وصف تطوان قول أبي عبد الله محمد بن زاكور الفاسي، المتوفى سنة 1120هـ / 1708م:
“تطوان ما أدراك ما تطوان”
هذه العبارة، رغم قصرها، تحمل قوة كبيرة. فهي لا تصف المدينة وصفا مباشرا، بل تفتح باب الدهشة أمام القارئ. كأن الشاعر يقول إن تطوان أكبر من أن تختصر في كلام سريع، وأن معرفتها تحتاج إلى رؤية ومقام وتجربة.
وهذا النوع من التعبير يكشف مكانة تطوان في وجدان الشعراء. فالمدينة لم تكن مجرد محطة جغرافية، بل كانت فضاء يثير الإعجاب، ويجعل الشاعر يتردد بين الوصف والانبهار.
من الأوصاف الأدبية الجميلة التي ارتبطت بتطوان وصفها بـ “عروس الشمال”، وهو وصف أورده الدكتور إدريس خليفة ضمن الشهادات النثرية التي تناولت المدينة. وقد جاء هذا الوصف في سياق الحديث عن جمال تطوان وموقعها فوق تل درسة، وقربها من طنجة، وإحاطة البساتين بها.
وصف تطوان بـ “عروس الشمال” ليس مجرد لقب جميل، بل هو صورة أدبية كاملة. فالعروس في المخيال الشعبي والأدبي ترمز إلى الجمال، والبهاء، والزينة، والتميّز. وتطوان كانت تستحق هذا الوصف بما تجمعه من بياض المباني، وهدوء الأزقة، وخضرة المحيط، وعمق التاريخ.
وهذا اللقب يلتقي مع لقب آخر اشتهرت به المدينة، وهو “الحمامة البيضاء”، فكلاهما يحيل على الصفاء، والرقة، والجمال الهادئ.
من الأسماء التي حضرت في الصفحات التي جمعها الدكتور إدريس خليفة الشاعر والأديب محمد بن الطيب العلمي الفاسي، المتوفى بين سنتي 1134 و1135هـ / 1721 و1723م. وقد ارتبط هذا الاسم بتطوان من خلال زيارته لها وإقامته بها للدراسة ولقاء علمائها وأدبائها.
وهذا المعطى مهم جدا، لأنه يبين أن تطوان لم تكن فقط مدينة جميلة المنظر، بل كانت أيضا مدينة يقصدها أهل العلم والأدب. فالشاعر لا يأتي إليها للسياحة وحدها، بل للمعرفة، والمجالس، واللقاء الثقافي.
ومن خلال هذا الحضور، تظهر تطوان كمدينة تتقاطع فيها الطبيعة مع العلم، والجمال مع الثقافة، والمدينة مع المدرسة والمسجد والمجلس الأدبي.
إذا كان بعض الشعراء قد وصفوا تطوان بعين الزائر، فإن محمد الرافعي التطواني يمثل صوتا من داخل المدينة. فهو شاعر ينتمي إلى المجال التطواني، ويكتب عن مدينة يعرفها ويعيش تفاصيلها.
وقد أورد الدكتور إدريس خليفة اسمه ضمن الشعراء الذين حضروا في وصف تطوان، مشيرا إلى ارتباط شعره بمحاسن المدينة ومفاخرها. وهذه الشهادة الداخلية تمنح المقال بعدا آخر، لأنها لا تنقل فقط انطباع الوافدين، بل تعبر عن اعتزاز أبناء تطوان بمدينتهم.
فالمدينة في شعر أبنائها لا تكون مجرد منظر خارجي، بل تصبح ذاكرة وهوية وانتماء.
عند الحديث عن تطوان في عيون الأدباء، لا يمكن تجاهل اسم محمد داود، صاحب كتاب تاريخ تطوان، الذي يعد من أهم المراجع في تاريخ المدينة. ورغم أن كتابه تاريخي في أساسه، إلا أنه يحفظ الكثير من المعطيات المرتبطة بالحياة العلمية والأدبية والثقافية بتطوان.
وتبرز أهمية محمد داود في أنه لم يتعامل مع تطوان كمدينة أحداث سياسية فقط، بل كحاضرة لها رجالها، وعلماؤها، وأدباؤها، وأسرها، ومؤسساتها، وتقاليدها الثقافية. لذلك فإن الرجوع إلى كتاباته يساعد على فهم الخلفية التي جعلت تطوان مدينة حاضرة في الشعر والأدب.
إن صورة تطوان في الأدب لا يمكن فصلها عن هذا الرصيد التاريخي الذي وثقه محمد داود، لأن الشعراء الذين تغنوا بها كانوا يتحركون داخل بيئة علمية وحضارية حقيقية.
ومن المصادر التي تقوي صورة تطوان كمدينة علم وأدب كتاب عمدة الراوين في تاريخ تطاوين لأحمد الرهوني. فالرهوني لم يكن فقط مؤرخا، بل كان فقيها وعالما من علماء المدينة، وقد حفظ في كتابه جوانب واسعة من تاريخ تطوان ورجالها ومجالسها العلمية.
ومن خلال هذا السياق، نفهم لماذا كانت تطوان ملهمة للشعراء. فالمدينة التي يكثر فيها العلم، وتنتشر فيها المجالس، وتبرز فيها الأسر العلمية، وتعيش على إيقاع المساجد والزوايا والمدارس، لا بد أن تنتج أدبا، وأن تجذب الشعراء والكتاب.
وهنا يظهر أن جمال تطوان لم يكن جمالا سطحيا، بل جمالا مركبا: جمال الطبيعة، وجمال العمران، وجمال المعرفة، وجمال الأخلاق.
من الأسماء اللافتة التي أوردها الدكتور إدريس خليفة الشاعر إبراهيم طوقان، الذي حضر اسمه ضمن النصوص الشعرية المرتبطة بتطوان. ووجود شاعر عربي معروف في سياق الحديث عن تطوان يعكس أن المدينة لم تبق حبيسة المجال المحلي، بل حضرت أيضا في وجدان أوسع.
وقد وردت عبارة:
“بلاد العرب أوطاني”
في سياق شعري يفتح تطوان على الانتماء العربي والوجداني العام. ومن هنا يمكن القول إن تطوان لم تكن فقط مدينة مغربية جميلة، بل كانت جزءا من الخريطة الرمزية للمدن العربية التي حملت معاني الهوية والانتماء والذاكرة.
هذا الحضور يجعل صورة تطوان في الأدب أوسع من حدودها الجغرافية، لأنها صارت مدينة تقرأ في سياق مغربي وعربي في آن واحد.
من الشهادات التي تستحق الوقوف عندها أيضا ما أورده الدكتور إدريس خليفة للشاعر المصري محمود محمد الجبشي، الذي عمل بتطوان بعد الاستقلال. وشهادة شاعر وافد مهمة لأنها تكشف كيف كانت المدينة تبدو لمن جاء إليها من خارج المغرب.
فالوافد يرى أحيانا ما لا يراه ابن المكان بحكم الألفة اليومية. ولذلك فإن إعجاب الجبشي بتطوان، وبجمالها وموقعها وخصال أهلها، يضيف إلى المقال زاوية خارجية تؤكد أن سحر المدينة لم يكن شعورا محليا فقط، بل كان أثرا يلمسه القادمون إليها.
تطوان هنا تظهر كمدينة تستقبل الزائر، وتترك فيه أثرا أدبيا وإنسانيا، حتى تتحول من مكان إقامة إلى موضوع شعر وحنين.
من الطرائف الأدبية التي أشار إليها الدكتور إدريس خليفة حضور المقارنة بين تطوان وفاس في بعض النصوص الشعرية، ومن بين الأسماء التي حضرت في هذا السياق الشاعر محمد الحلوي.
هذه المقارنة لا ينبغي فهمها كمنافسة بسيطة بين مدينتين، بل كدليل على مكانة تطوان في المخيال المغربي. ففاس مدينة العلم والعراقة، وحين تقارن بها تطوان شعريا، فهذا يعني أن تطوان بلغت من الحضور الأدبي والجمالي ما يجعلها تقف إلى جانب كبريات المدن المغربية.
فاس تمثل عمق العلم والتاريخ، وتطوان تمثل في هذه الصورة الأدبية الجمال والصفاء والبهاء الشمالي. وبين المدينتين يتشكل جزء من الوجدان المغربي الذي جمع بين العلم والجمال، وبين العراقة والذوق.
من خلال ما جمعه الدكتور إدريس خليفة، وما تؤكده المراجع التاريخية المرتبطة بتطوان، يمكن فهم أسباب حضور المدينة في الشعر والأدب.
فأولا، تمتلك تطوان موقعا طبيعيا جذابا، بين الجبال وقرب البحر، وهو موقع يثير الخيال ويغري بالوصف.
وثانيا، تتميز المدينة ببياض عمراني جعلها تبدو كلوحة هادئة، وهذا ما ساعد على انتشار صورتها كمدينة بيضاء أو “حمامة بيضاء”.
وثالثا، أحاطت بها البساتين والمياه والعيون، وهي عناصر تتكرر كثيرا في الشعر لأنها تمنح المكان حياة ورقة.
ورابعا، عرفت تطوان بحضورها العلمي والديني، وبمجالس العلماء والأدباء، مما جعلها بيئة مناسبة لنشوء الشعر وتداوله.
وخامسا، حملت المدينة ذاكرة أندلسية وحضارية جعلتها مختلفة في ذوقها وعمرانها وتقاليدها.
لهذه الأسباب، لم تكن تطوان مجرد مدينة توصف، بل مدينة تُحب وتُستعاد في القصيدة والذاكرة.
اللافت في النصوص التي تناولت تطوان أن الشعراء والأدباء لم يفصلوا بين جمال المدينة وذاكرتها. فالجبال والمياه والبياض ليست عناصر طبيعية فقط، بل مفاتيح لفهم روح المدينة.
تطوان مدينة لها مظهر جميل، لكنها أيضا مدينة لها تاريخ، وأهل، وعلماء، وشعراء، وذاكرة جماعية. لذلك جاء وصفها في الأدب وصفا مركبا، يجمع بين الطبيعة والثقافة، وبين المكان والإنسان.
وهذا ما يجعل الكتابة عن تطوان مختلفة عن الكتابة عن مدينة سياحية عادية. فهي ليست فقط وجهة للزيارة، بل مدينة للقراءة، والتأمل، والإنصات إلى ما قاله عنها المؤرخون والشعراء.
تكشف النصوص التي أوردها الدكتور إدريس خليفة أن تطوان احتلت مكانة بارزة في عيون الشعراء والأدباء. فقد وصفها أبو عبد الله محمد بن زاكور الفاسي بدهشة حين قال: “تطوان ما أدراك ما تطوان”، وارتبطت في كتابات أخرى بوصف “عروس الشمال”، كما حضر اسمها عند شعراء وأدباء مثل محمد بن الطيب العلمي الفاسي، ومحمد الرافعي التطواني، وإبراهيم طوقان، ومحمود محمد الجبشي، ومحمد الحلوي.
وإذا أضفنا إلى ذلك ما تقدمه مراجع مثل تاريخ تطوان لمحمد داود وعمدة الراوين في تاريخ تطاوين لأحمد الرهوني، ظهر لنا أن حضور تطوان في الأدب لم يكن صدفة، بل نتيجة طبيعية لمكانة المدينة العلمية والجمالية والحضارية.
لقد أحب الشعراء تطوان لأنها مدينة بيضاء بين الجبال، قريبة من البحر، محاطة بالمياه والبساتين، ومشدودة إلى تاريخ طويل من العلم والوقار. ولذلك بقيت تطوان في الذاكرة الأدبية المغربية مدينة للجمال والصفاء، وواحدة من أكثر مدن الشمال حضورا في الشعر والوجدان.