حظيت مدينة تطوان بمكانة خاصة في كتب المؤرخين والرحالة والشعراء، ليس فقط باعتبارها مدينة ذات تاريخ عريق، بل لأنها مدينة جمعت بين جمال الطبيعة، وحسن الموقع، وبياض العمران، ووفرة المياه، وكرم أهلها، ومكانتها العلمية والدينية.
ومن خلال الصفحات التي خصصها الدكتور إدريس خليفة لوصف تطوان، يظهر أن المدينة لم تكن مجرد مجال عمراني في شمال المغرب، بل كانت صورة متكاملة في أعين من زارها أو كتب عنها: مدينة بيضاء، هادئة، كثيرة الخيرات، محاطة بالجبال والبساتين، ومأهولة بأناس عُرفوا بالدين والوفاء وحسن الخلق.
لقد تعددت الأوصاف، واختلفت زوايا النظر، لكن معظمها التقى عند فكرة واحدة: تطوان مدينة ذات شخصية خاصة، تجمع بين الجمال الطبيعي والرقي الحضاري.
يُعد المؤرخ أحمد الرهوني من أبرز من وصفوا مدينة تطوان وصفا شاملا، جمع فيه بين الجانب الطبيعي، والاقتصادي، والاجتماعي، والديني. وقد نقل الدكتور إدريس خليفة عن الرهوني نصوصا مهمة تُظهر المكانة التي كانت تحتلها المدينة في الذاكرة المغربية.
يقول الرهوني في وصفها إنها:
“مدينة غراء نقية بيضاء، كثيرة الخيرات والأنعام والبركات”.
هذا الوصف لا يقدم تطوان فقط كمدينة جميلة، بل كمدينة مباركة، غنية، وذات بهاء خاص. فالرهوني لم يتوقف عند الشكل الخارجي، بل تحدث أيضا عن عناصر الحياة فيها، من ماء وخير وخصب وطمأنينة.
وقد أشار في وصفه إلى أن تطوان كانت ذات أنهار وعيون غزيرة، وأنها مدينة لا يشعر الداخل إليها بالغربة، ولا يبالغ من يصفها بالحسن والجمال. فالجمال هنا ليس مبالغة أدبية، بل حقيقة رآها المؤرخ في موقع المدينة وطبيعتها وأهلها.
من أكثر العناصر التي شدت انتباه المؤرخين والرحالة في وصف تطوان كثرة المياه والعيون. فقد تحدثت النصوص التي أوردها الدكتور إدريس خليفة عن عيون كثيرة ذات مياه غزيرة، تجري إلى دور المدينة ورياضها عبر قنوات فخارية.
وكانت هذه المياه جزءا أساسيا من جمال تطوان ومن نظام حياتها اليومية، إذ ساهمت في وجود الرياض والبساتين، وفي جعل المدينة محاطة بمشهد طبيعي يجمع بين الخضرة والصفاء.
لهذا لم يكن وصف تطوان عند المؤرخين مقتصرا على عمرانها الأبيض، بل شمل أيضا محيطها الطبيعي، حيث الجبال، والمياه، والحدائق، والهواء النقي. وهذه العناصر كلها منحتها صورة مدينة حية، قريبة من الطبيعة، ومختلفة عن كثير من المدن الأخرى.
من النصوص اللافتة التي أوردها الدكتور إدريس خليفة ما ورد في رسائل السلطان المولى الحسن الأول إلى أهل تطوان. فقد عبّر السلطان عن تقديره الكبير لهذه المدينة، واعتبرها ذات مكانة مميزة في المغرب الأقصى.
ومن عباراته الدالة في وصف تطوان قوله إنها:
“غرة في جبين المغرب الأقصى”.
وقد ورد هذا الوصف في سياق رسالة موجهة إلى سكان تطوان بتاريخ 14 شوال 1278هـ / 1862م، بعد جلاء القوات الإسبانية عنها. وهي عبارة قوية، لأنها تجعل تطوان بمثابة زينة بارزة في وجه المغرب، أي مدينة ذات حضور خاص ورمزية وطنية واضحة.
كما وردت رسالة أخرى للسلطان نفسه بتاريخ 22 محرم 1307هـ / 7 شتنبر 1889م، بعد زيارته التاريخية لتطوان، وهي زيارة أقام خلالها مدة أسبوعين كاملين. وهذا الحضور السلطاني يعكس أهمية المدينة ومكانتها السياسية والرمزية في تلك المرحلة.
وصف بعض الرحالة تطوان بأنها مدينة هادئة، جميلة، بعيدة عن الصخب، وربطوا بينها وبين الرياض والبساتين والمياه. فالمدينة كانت، في نظرهم، فضاء مناسبا للراحة والتأمل، لا مجرد محطة عبور.
وقد أورد الدكتور إدريس خليفة وصفا يشير إلى أن تطوان كانت تتميز بشكل جميل “يشرح الخواطر”، وأن من يسير إليها من بعيد يرى مدينة محاطة بعيون ومياه ورياض. هذا النوع من الوصف يجعل تطوان مدينة ذات جاذبية بصرية وروحية في الوقت نفسه.
فالرحالة لم يكونوا يرون فيها فقط أسوارا وأبوابا وأسواقا، بل كانوا يلتفتون إلى المشهد العام: مدينة بيضاء وسط الجبال، تحيط بها البساتين، وتجري حولها المياه، وتمنح الزائر إحساسا بالطمأنينة.
لم يتوقف وصف المؤرخين عند جمال المدينة، بل امتد إلى الحديث عن أهلها. فقد أشار أحمد الرهوني، كما نقل عنه الدكتور إدريس خليفة، إلى خصال سكان تطوان، وذكر من بينها التواضع، وحسن المعاشرة، والكرم، والوفاء، وحب العلم، واحترام العلماء.
وقد وصف أهلها بأنهم يجمعون بين الدين والأخلاق، وأن عندهم تعلقا بالعلم والفقه وأحكام الشرع. كما أشار إلى أنهم أهل مروءة وحياء، يجمعون بين العمل والمعرفة، وبين التدين وحسن المعاملة.
وهذا الجانب مهم جدا، لأن صورة تطوان عند المؤرخين لم تكن صورة مدينة جميلة فقط، بل صورة مجتمع كامل له قيمه وعاداته ومكانته داخل التاريخ المغربي.
من الأوصاف التي تتكرر في الصفحات التي اعتمدها الدكتور إدريس خليفة أن تطوان مدينة علم وعبادة وقراءة. فقد كانت المدينة معروفة بعلمائها، وفقهائها، ومدارسها، وزواياها، وبحضور الثقافة الدينية في حياة أهلها.
وقد ورد في بعض النصوص أن أهل تطوان عرفوا بحب العلم والدين، وأنهم كانوا يحرصون على حسن الأخلاق، والوفاء، والتواضع. لذلك فمكانة المدينة لم تكن مرتبطة فقط بجمالها الطبيعي، بل أيضا بإشعاعها العلمي والروحي.
وهذه الصورة تجعل تطوان مدينة مزدوجة الجمال: جمال في المكان، وجمال في الإنسان.
من النصوص الجميلة التي أوردها الدكتور إدريس خليفة وصف عبد السلام بنونة لتطوان، حيث تحدث عنها بإعجاب واضح، وقدمها باعتبارها مدينة جميلة قريبة من طنجة، تقع فوق تل درسة، وتحيط بها البساتين.
ويقول في وصفه لها:
“تطوان أو عروس الشمال”.
هذا التعبير يختزل صورة المدينة في المخيال المغربي الحديث، فهي ليست فقط “الحمامة البيضاء”، بل كذلك “عروس الشمال”، بما يحمله هذا اللقب من دلالة على الجمال، والرقة، والمكانة المميزة في شمال المغرب.
وقد تحدث بنونة عن بياض المدينة، وعن جبالها وبساتينها، وعن سحر المنظر حين تُرى من بعيد، حتى كأنها مجموعة من الزهور البيضاء وسط الطبيعة.
لم تكن تطوان حاضرة في كتب المؤرخين والرحالة فقط، بل كانت حاضرة أيضا في الشعر. فقد جمع الدكتور إدريس خليفة عددا من الأبيات التي قيلت في المدينة، وتكشف أن تطوان كانت موضوعا للإعجاب الأدبي منذ قرون.
ومن أشهر ما ورد قول أبي عبد الله محمد بن زاكور الفاسي، المتوفى سنة 1120هـ / 1708م:
“تطوان ما أدراك ما تطوان”.
هذه العبارة القصيرة تحمل دلالة قوية، لأنها تجعل المدينة فوق الوصف العادي، وكأن جمالها ومكانتها يحتاجان إلى تجربة مباشرة لا إلى شرح فقط.
كما وردت أبيات أخرى لشعراء مغاربة وعرب وصفوا تطوان بكونها مدينة حسنة الموقع، كثيرة البهاء، ذات جمال طبيعي وعمراني مميز. ومن بين الأسماء التي حضرت في هذه الصفحات: محمد بن الطيب العلمي الفاسي، ومحمد الرافعي التطواني، ومحمد الحلوي، وإبراهيم طوقان، وغيرهم.
من الطرائف الأدبية التي أوردها الدكتور إدريس خليفة أن بعض الشعراء قارنوا بين تطوان وفاس، في سياق شعري لطيف يبرز مكانة المدينتين معا. فقد كانت فاس حاضرة بوصفها مدينة العلم والعراقة، بينما برزت تطوان بوصفها مدينة الجمال والصفاء والبهاء.
وهذه المقارنات لا تنتقص من أي مدينة، بل تكشف أن تطوان كانت حاضرة بقوة في الوجدان الثقافي المغربي، وأنها استطاعت أن تفرض صورتها الخاصة إلى جانب كبريات المدن التاريخية.
إذا جمعنا مختلف الأوصاف التي نقلها الدكتور إدريس خليفة، نجد أن صورة تطوان عبر التاريخ تقوم على عدة عناصر متكاملة:
مدينة بيضاء جميلة المنظر.
مدينة محاطة بالجبال والبساتين.
مدينة ذات عيون ومياه وسواقي.
مدينة كثيرة الخيرات والبركات.
مدينة علم وعبادة وقراءة.
مدينة أهلها معروفون بالكرم والتواضع والوفاء.
مدينة ألهمت الشعراء والأدباء.
مدينة ذات مكانة خاصة في شمال المغرب.
هذه العناصر كلها جعلت تطوان تظهر في النصوص التاريخية والأدبية كمدينة ذات روح خاصة، لا تشبه غيرها، ولا تختزل في وصف واحد.
وصف المؤرخون والرحالة مدينة تطوان عبر التاريخ بأنها مدينة بيضاء، جميلة، كثيرة الخيرات، ذات مياه وعيون وبساتين، ومحاطة بموقع طبيعي يجمع بين الجبال والبحر. كما وصفوا أهلها بالدين، والكرم، والتواضع، وحب العلم، والوفاء.
ومن خلال ما أورده الدكتور إدريس خليفة من شهادات تاريخية وأدبية، يظهر أن تطوان لم تكن فقط مدينة جميلة في عمرانها، بل مدينة متكاملة في صورتها: جمال في الطبيعة، وبهاء في العمران، وسمو في الأخلاق، وحضور عميق في الذاكرة المغربية.
ولهذا ظل اسم تطوان مرتبطا في كتب المؤرخين والرحالة والشعراء بصورة المدينة الهادئة، البيضاء، العالمة، الجميلة، التي تستحق عن جدارة أن تكون واحدة من أجمل مدن المغرب وأكثرها حضورا في الوجدان الثقافي والتاريخي.