أنهار وعيون تطوان القديمة: ذاكرة الماء في المدينة البيضاء

لا يمكن الحديث عن تطوان القديمة دون الحديث عن الماء. فهذه المدينة لم تتشكل فقط ببياض عمرانها، ولا بجمال موقعها بين الجبل والبحر، بل تشكلت أيضا حول العيون والأنهار والسواقي والقنوات التي منحتها الحياة، وساهمت في ازدهار بساتينها ورياضها وحماماتها ودورها ومساجدها.

ومن خلال الصفحات التي خصصها الدكتور إدريس خليفة لوصف مدينة تطوان، يظهر أن الماء كان من أبرز العناصر التي شدت انتباه المؤرخين والرحالة والأدباء. فقد ارتبطت صورة المدينة في كتاباتهم بكثرة العيون، وجريان المياه، وخصوبة المحيط، حتى أصبحت تطوان توصف كمدينة بيضاء نابضة بالحياة، تحيط بها الخضرة وتجري في داخلها السواقي.

وإلى جانب ما أورده الدكتور إدريس خليفة، نجد أن مراجع تاريخية أخرى مثل عمدة الراوين في تاريخ تطاوين لأحمد الرهوني وتاريخ تطوان لمحمد داود تؤكد أهمية الماء في فهم تاريخ المدينة وحياتها اليومية. كما أن الحديث الحديث عن شبكة السكوندو، أو نظام الماء التقليدي بتطوان، يبرز أن علاقة المدينة بالماء ليست مجرد ذكرى شعرية، بل جزء من تراث عمراني واجتماعي عميق.

الماء في صورة تطوان القديمة

حين وصف المؤرخون تطوان، لم يكتفوا بالحديث عن أسوارها وأبوابها وبيوتها البيضاء، بل توقفوا كثيرا عند الماء. فقد بدت المدينة في أعينهم كحاضرة محظوظة بموقعها ومواردها، تجمع بين الجبل والماء والبساتين.

وقد نقل الدكتور إدريس خليفة عن بعض المؤرخين أوصافا تجعل من الماء عنصرا أساسيا في جمال تطوان. فالنصوص التي تحدثت عن المدينة أشارت إلى العيون الغزيرة، والأنهار الجارية، والرياض، والبساتين، والقنوات التي كانت تنقل الماء إلى داخل المدينة.

وهذا الحضور القوي للماء جعل تطوان تختلف عن مدينة جافة أو مغلقة. فهي مدينة كان فيها الماء جزءا من المشهد اليومي، يسمعه الناس في السواقي، ويرونه في العيون، ويستعملونه في البيوت والحمامات والمساجد، ويعتمدون عليه في البساتين المحيطة بها.

تطوان عند أحمد الرهوني: مدينة الماء والخيرات

يعد أحمد الرهوني من أبرز من وصفوا تطوان وصفا يجمع بين جمال الطبيعة وكثرة الخيرات. وقد نقل الدكتور إدريس خليفة عنه عبارة دالة في وصف المدينة، حيث وصفها بأنها:

“مدينة غراء نقية بيضاء، كثيرة الخيرات والأنعام والبركات”.

هذه العبارة تختصر كثيرا من ملامح تطوان القديمة. فهي مدينة بيضاء في مظهرها، نقية في صورتها، كثيرة الخيرات في محيطها. ولا يمكن فهم هذه الخيرات دون استحضار الماء، لأن العيون والسواقي والأنهار كانت أساس الخصب والبساتين والرياض.

وقد ارتبط الماء في وصف الرهوني بمعنى البركة والراحة والاستقرار. فالمدينة التي تتوفر على الماء الوفير تكون قابلة للحياة والعمران، وتصبح مقصدا للسكان والعلماء والتجار والزوار.

العيون القديمة: منبع الحياة داخل المدينة

كانت العيون من أهم مصادر الماء في تطوان القديمة. وقد تحدثت النصوص التي جمعها الدكتور إدريس خليفة عن عيون كثيرة وغزيرة كانت تمد المدينة بالماء، وتساهم في سقي الرياض والبساتين، وتزويد الدور والمرافق العامة.

ولم تكن العين في المدينة القديمة مجرد مصدر للماء، بل كانت جزءا من الحياة الاجتماعية. فالناس يرتبطون بها في يومهم، وتتشكل حولها ذاكرة المكان، وتصبح أسماء بعض الأحياء والحومات مرتبطة بالماء والعيون.

ومن الدلالات الباقية على هذا الارتباط أن اسم “العيون” ما زال حاضرا في الذاكرة الحضرية لتطوان، بما يعكس أن الماء لم يكن عنصرا عابرا، بل جزءا من تسمية المكان ومن هوية المدينة.

القنوات الفخارية والسواقي

من الجوانب اللافتة في تاريخ الماء بتطوان استعمال القنوات والسواقي لنقل المياه. فقد أشارت النصوص القديمة إلى قواديس أو قنوات فخارية كانت تنقل الماء من منابعه إلى داخل المدينة، في نظام تقليدي دقيق يعكس خبرة عمرانية متوارثة.

هذه القنوات كانت تسمح للماء بالوصول إلى البيوت والحمامات والمساجد والرياض، وهو ما جعل الماء حاضرا في قلب المدينة وليس فقط في محيطها الخارجي.

ويكشف هذا النظام أن تطوان لم تكن مدينة تستفيد من الماء عفويا فقط، بل كانت تملك معرفة في تدبيره وتوزيعه. فالماء كان يحتاج إلى تنظيم، ومسارات، وصيانة، وأعراف محلية، وهو ما جعل شبكة المياه جزءا من البنية العميقة للمدينة.

السكوندو: ذاكرة الماء الخفية في تطوان

من أهم الشواهد على علاقة تطوان القديمة بالماء نظام السكوندو، وهو الاسم الذي اشتهرت به شبكة تقليدية لتوزيع المياه داخل المدينة. وقد ارتبط هذا النظام بما يعرف أيضا بـ “ماء البلد” أو “ماء الله”، وهي تسميات تحمل دلالة قوية على مكانة الماء في وجدان السكان.

وتشير المصادر الحديثة التي تناولت السكوندو إلى أن هذه الشبكة كانت تنقل الماء من عيون نابعة عند سفح جبل درسة، وتوزعه داخل المدينة العتيقة، مستفيدة من طبيعة المدينة المنحدرة ومن قوة الضغط الطبيعي للماء.

وهذا النظام يعكس عبقرية عمرانية محلية. فبدل أن يكون الماء موردا بعيدا عن المدينة، جرى إدخاله إلى النسيج الحضري بطريقة جعلته يصل إلى المرافق والبيوت والفضاءات العامة. لذلك لا يمكن الحديث عن تطوان القديمة دون استحضار السكوندو كواحد من أسرارها التراثية.

ماء البلد وماء الله

من الأسماء الجميلة التي ارتبطت بماء تطوان القديم تسمية “ماء البلد”، وهي تسمية تعني أن الماء جزء من هوية المدينة نفسها. كما عُرف أيضا باسم “ماء الله”، وهي عبارة تكشف علاقة الناس الروحية والوجدانية بهذا المورد.

هذه التسميات لا تنظر إلى الماء كخدمة تقنية فقط، بل كنعمة مشتركة، وكعنصر من عناصر الحياة الجماعية. فالماء في المدينة التقليدية كان يجمع بين الوظيفة اليومية والمعنى الرمزي، بين الشرب والوضوء والنظافة والسقي، وبين البركة والانتماء للمكان.

ومن هنا نفهم لماذا احتل الماء مكانة مهمة في وصف تطوان: لأنه كان حاضرا في تفاصيل الحياة، وفي صورة المدينة، وفي ذاكرتها الشعبية.

الماء والحمامات والمساجد والدور

كانت شبكة الماء التقليدية في تطوان تؤدي وظائف متعددة داخل المدينة. فهي تمد الدور بالماء، وتخدم الحمامات، وتصل إلى المساجد والنافورات والرياض، وتساهم في نظافة المدينة وحياتها اليومية.

والحمامات التقليدية، على وجه الخصوص، كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بتوفر الماء. فهي فضاءات للنظافة واللقاء الاجتماعي، ولا يمكن تصور ازدهارها دون وجود نظام مستقر لتزويدها بالمياه.

كما كان الماء ضروريا للمساجد، سواء للوضوء أو للنظافة أو لحياة المرافق الدينية المحيطة بها. لذلك كان تدبير الماء جزءا من التنظيم الحضري والديني والاجتماعي للمدينة.

أنهار تطوان ومحيطها الطبيعي

إلى جانب العيون والسواقي، ارتبطت تطوان أيضا بالمجاري المائية والأنهار التي ساهمت في تشكيل محيطها الطبيعي. فالمدينة تقع في مجال غني نسبيا بالمياه مقارنة بمناطق أخرى، وقد ساعد هذا على ظهور البساتين والحقول والرياض في محيطها.

وكانت هذه الأنهار والمجاري تمنح تطوان امتدادا طبيعيا خارج أسوارها، وتجعل علاقتها بالماء علاقة داخلية وخارجية في الوقت نفسه. فداخل المدينة هناك العيون والقنوات والسواقي، وخارجها هناك الأودية والبساتين والمجالات الفلاحية.

وهذا التداخل بين الماء والعمران والطبيعة هو ما جعل تطوان تظهر في كتابات المؤرخين كمدينة كثيرة الخيرات، لا تفصل بين الحاضرة ومحيطها الأخضر.

البساتين والرياض: ثمرة الماء

لم تكن البساتين التي أحاطت بتطوان مجرد منظر جميل، بل كانت نتيجة مباشرة لتوفر الماء. فقد ساعدت العيون والسواقي والمجاري المائية على ظهور مجال أخضر حول المدينة، يضم الرياض والبساتين والحقول.

وهذه الخضرة كانت جزءا من الصورة الجمالية التي رسمها المؤرخون والرحالة. فالمدينة البيضاء تبدو أجمل حين تحيط بها البساتين، ويزداد بياضها حضورا وسط الأخضر والماء.

وقد كان لهذا المحيط أثر كبير في جعل تطوان مدينة مريحة للعين والنفس، ولذلك ارتبط وصفها في النصوص القديمة بالبهاء والخصب والسكينة.

الماء والذاكرة الأندلسية

لا يمكن فصل تدبير الماء في تطوان عن الذاكرة الأندلسية التي طبعت المدينة. فقد أعيد بناء تطوان على يد مهاجرين أندلسيين، وكان للثقافة الأندلسية أثر واضح في عمرانها وفنونها وتنظيمها الحضري.

ومن المعروف أن المدن الأندلسية أعطت عناية كبيرة للماء، سواء في البيوت أو الرياض أو الحمامات أو السواقي. لذلك فإن حضور الماء في تطوان، من خلال العيون والقنوات والرياض، ينسجم مع هذا الامتداد الحضاري.

فالمدينة لم ترث فقط أشكالا معمارية أندلسية، بل ورثت أيضا حساسية خاصة تجاه الماء: الماء كجمال، وكراحة، وكعنصر حياة، وكجزء من الذوق العمراني.

لماذا اهتم المؤرخون بماء تطوان؟

اهتمام المؤرخين والرحالة بماء تطوان لم يكن صدفة. فالماء في المدن القديمة كان دليلا على الحياة والرخاء والاستقرار. وكل مدينة تتوفر على مياه غزيرة وعيون وسواقي وبساتين كانت تعد مدينة محظوظة، قابلة للعمران ومهيأة للازدهار.

لذلك حين يصف المؤرخ تطوان بأنها مدينة كثيرة الخيرات، أو ذات عيون وأنهار، فهو لا يقدم معلومة طبيعية فقط، بل يشرح سببا من أسباب قوتها وجمالها واستقرارها.

الماء جعل تطوان مدينة للسكن، والعلم، والتجارة، والعبادة، والراحة. ومن هنا جاءت قيمته في النصوص التاريخية والأدبية.

من الماء إلى الهوية

مع مرور الزمن، لم يبق الماء في تطوان مجرد مورد طبيعي، بل تحول إلى جزء من الهوية. فالعيون والسواقي والسكوندو والحمامات والرياض كلها عناصر صنعت ذاكرة جماعية عند السكان.

واليوم، حين نتحدث عن أنهار وعيون تطوان القديمة، فنحن لا نستحضر فقط نظاما مائيا قديما، بل نستعيد طريقة كاملة في العيش. طريقة كان فيها الماء يجري في قلب المدينة، ويربط بين البيت والمسجد والحمام والبستان، ويمنح الحياة إيقاعا خاصا.

وهذا ما يجعل موضوع الماء في تطوان موضوعا تراثيا بامتياز، لأنه يكشف علاقة المدينة بطبيعتها، وبذاكرتها، وبنمط عيش سكانها.

خلاصة

كانت أنهار وعيون تطوان القديمة من أهم عناصر جمال المدينة وحياتها. فقد منحتها الماء والخصب، وساهمت في ازدهار بساتينها ورياضها، وربطت بين جبل درسة والمدينة العتيقة عبر قنوات وسواقي ونظام تقليدي اشتهر لاحقا باسم السكوندو.

ومن خلال ما أورده الدكتور إدريس خليفة من شهادات تاريخية وأدبية، وما تؤكده مراجع مثل عمدة الراوين في تاريخ تطاوين لأحمد الرهوني وتاريخ تطوان لمحمد داود، يظهر أن الماء كان جزءا أساسيا من شخصية تطوان. فهو الذي جعلها مدينة كثيرة الخيرات، بيضاء وسط الخضرة، حية داخل أسوارها، وممتدة في بساتينها ومحيطها الطبيعي.

إن ذاكرة الماء في تطوان ليست تفصيلا من الماضي، بل مفتاح لفهم المدينة نفسها: مدينة وُلدت بين الجبل والبحر، وسكنت حول العيون، وعاشت على وقع السواقي، وحافظت في ذاكرتها على صورة الماء كرمز للحياة والبركة والجمال.

Comments

  • No comments yet.
  • Add a comment