ماريانو بيرتوتشي

ماريانو بيرتوتشي.. الرسام الإسباني الذي ساهم في إشعاع تطوان الفني

يُعتبر الفنان الإسباني ماريانو بيرتوتشي نييطو – Mariano Bertuchi Nieto واحداً من أبرز الرسامين الذين ارتبط اسمهم بمدينة تطوان خلال فترة الحماية الإسبانية، وأحد الشخصيات التي ساهمت بشكل واضح في إشعاعها الفني والثقافي.

ورغم أنه ليس من مواليد تطوان، فإن حضوره الطويل في المدينة، ودوره في تطوير التعليم الفني، وإسهامه في إبراز صورة تطوان والمغرب الشمالي عبر اللوحة والملصق والطابع البريدي، جعله من الأسماء التي تستحق أن تُدرج ضمن تصنيف “شخصيات ساهمت في إشعاع تطوان”.

فقد لم تكن علاقة بيرتوتشي بتطوان علاقة عابرة، بل تحولت المدينة إلى فضاء إبداعي ومؤسساتي ترك فيه أثراً لا يزال حاضراً إلى اليوم.

النشأة والبدايات الفنية

وُلد ماريانو بيرتوتشي بمدينة غرناطة الإسبانية يوم 6 فبراير 1884، في حي الرياليخو، وهو حي أندلسي عريق ترك أثره في مخيلته الفنية منذ الصغر.

أظهر منذ طفولته موهبة واضحة في الرسم، فتلقى تكوينه الأول على يد عدد من الأساتذة الإسبان، قبل أن يواصل مساره الفني في مدارس الفنون الجميلة.

وقد تأثر في بداياته بالمدرسة الإسبانية وبأجواء الأندلس، خصوصاً الضوء واللون والعمارة، وهي عناصر ستظهر لاحقاً في أعماله المرتبطة بالمغرب وتطوان.

اللقاء بالمغرب وبداية الارتباط بالشمال

بدأ ارتباط ماريانو بيرتوتشي بالمغرب منذ وقت مبكر من مساره الفني، حيث وجد في المدن المغربية، وخاصة مدن الشمال، فضاءً بصرياً غنياً بالألوان والضوء والحركة اليومية.

وقد جذبته الأسواق، والأزقة، واللباس التقليدي، والحرف، والبوابات، والوجوه، والمشاهد الاجتماعية التي ميزت الحياة المغربية في تلك المرحلة.

ومع مرور الوقت، أصبح المغرب، وتطوان على وجه الخصوص، أحد أهم المواضيع المركزية في أعماله الفنية.

الاستقرار بتطوان سنة 1928

في سنة 1928، عُين ماريانو بيرتوتشي مفتشاً عاماً للفنون الجميلة في منطقة الحماية الإسبانية بالمغرب، ليستقر بمدينة تطوان، التي كانت آنذاك عاصمة المنطقة الخليفية.

ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت تطوان مركزاً أساسياً في حياته الفنية والمهنية، حيث اشتغل على عدد من المشاريع الثقافية والفنية المرتبطة بالمدينة وبشمال المغرب.

وقد ظل مرتبطاً بتطوان إلى غاية وفاته بها سنة 1955.

بيرتوتشي وتأسيس التعليم الفني بتطوان

من أهم إسهامات ماريانو بيرتوتشي في تاريخ تطوان دوره في تأسيس وتطوير التعليم الفني بالمدينة.

فقد ساهم سنة 1945 في إنشاء المدرسة التحضيرية للفنون الجميلة بتطوان، التي تُعد أول مؤسسة من نوعها في المغرب، قبل أن تتحول لاحقاً إلى ما يُعرف اليوم بـ المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان.

وقد كان لهذه المؤسسة دور حاسم في تكوين أجيال من الفنانين التشكيليين المغاربة، وجعلت من تطوان واحدة من أهم المدن المغربية في مجال الفنون الجميلة.

ومن بين الفنانين المغاربة الذين ارتبطوا بهذه المدرسة لاحقاً أسماء وازنة في تاريخ التشكيل المغربي، مما يجعل أثر بيرتوتشي ممتداً إلى ما بعد زمنه.

مدرسة الفنون الجميلة وبناء ذاكرة تشكيلية

لم يكن تأسيس مدرسة الفنون الجميلة بتطوان مجرد مشروع تعليمي، بل كان بداية لمسار طويل جعل المدينة حاضنة للفن التشكيلي المغربي الحديث.

فمن خلال هذه المؤسسة، أصبح للتكوين الفني في تطوان إطار منظم، يجمع بين الرسم، وتاريخ الفن، واللون، والنحت، والدراسة الأكاديمية.

وقد ساعد ذلك على ظهور أجيال من الفنانين الذين سيحملون لاحقاً اسم تطوان داخل المشهد التشكيلي المغربي والدولي.

ولهذا يبقى اسم ماريانو بيرتوتشي مرتبطاً بشكل مباشر ببداية التكوين الفني الحديث في المدينة.

مدرسة الفنون والصنائع المغربية

إلى جانب اهتمامه بالفنون الجميلة، ساهم بيرتوتشي أيضاً في دعم الفنون التقليدية والحرف المغربية.

فقد ارتبط اسمه بـ مدرسة الفنون المغربية، التي واصلت لاحقاً حضورها كمؤسسة تهتم بالفنون والصنائع التقليدية بتطوان.

وكان يرى في تطوان فضاءً قادراً على حفظ جانب من الذاكرة الأندلسية والفنون التقليدية، خاصة في مجالات الزخرفة، والخشب، والجبص، والجلد، والنقش، والحرف المرتبطة بالتراث المغربي الأندلسي.

المتاحف وحماية الذاكرة الفنية

لم يقتصر دور بيرتوتشي على الرسم والتعليم، بل امتد إلى المجال المتحفي وحفظ التراث.

فقد ساهم في إدارة وتنشيط مؤسسات ثقافية ومتحفية بتطوان، من بينها المتحف المغربي الذي سيُعرف لاحقاً باسم المتحف الأثري بتطوان.

كما كان له دور في تعزيز الاهتمام بالتراث الفني والمادي للمنطقة، سواء من خلال التوثيق البصري أو من خلال العمل المؤسساتي.

وهذا الجانب يجعل من بيرتوتشي شخصية مؤثرة في بناء الذاكرة الفنية والثقافية لتطوان خلال القرن العشرين.

تطوان في لوحات ماريانو بيرتوتشي

تظهر تطوان في أعمال بيرتوتشي كمدينة مليئة بالضوء والحركة والتفاصيل اليومية.

فقد رسم مشاهد من الأسواق، والبوابات، والأزقة، واللباس التقليدي، والحرفيين، والفرسان، والنساء، والأطفال، والاحتفالات، والمناسبات، بأسلوب يجمع بين الواقعية واللمسة الجمالية ذات الطابع الانطباعي.

وقد ساهمت هذه الأعمال في تثبيت صورة بصرية عن تطوان وشمال المغرب لدى الجمهور الإسباني والأوروبي خلال تلك المرحلة.

ورغم أن أعماله مرتبطة بسياق الحماية الإسبانية، فإنها تظل اليوم وثائق بصرية مهمة لفهم بعض ملامح الحياة اليومية في تطوان خلال النصف الأول من القرن العشرين.

بيرتوتشي والطوابع البريدية والملصقات

اشتهر ماريانو بيرتوتشي أيضاً بتصميم الطوابع البريدية والملصقات السياحية المرتبطة بالمغرب الخاضع للحماية الإسبانية.

وقد أصبحت بعض هذه الأعمال من أكثر الصور تداولاً عن شمال المغرب في إسبانيا، لأنها كانت تقدم مشاهد مغربية تقليدية من خلال لغة بصرية جذابة ومليئة بالألوان.

ومن خلال هذه الملصقات والطوابع، ساهم بيرتوتشي في صناعة صورة فنية عن تطوان والمغرب الشمالي، وهي صورة انتشرت على نطاق واسع خارج المغرب.

أسلوبه الفني

ينتمي أسلوب ماريانو بيرتوتشي إلى تقاليد الفن الإسباني المتأثر بالضوء المتوسطي وبالفن الأندلسي.

وقد اتسمت أعماله بعدة خصائص، من بينها:

  • الاهتمام الكبير بالضوء واللون.
  • تصوير الحياة اليومية المغربية.
  • التركيز على الأسواق والحرف واللباس التقليدي.
  • استعمال لمسة قريبة من الانطباعية المتأخرة.
  • الجمع بين الواقعية والتعبير الجمالي.
  • التأثر بالأجواء الأندلسية والمغربية.

وقد جعل هذا الأسلوب أعماله سهلة التعرف عليها، ومرتبطة بقوة بفضاء المغرب الشمالي.

بين الفن وسياق الحماية

من المهم قراءة تجربة ماريانو بيرتوتشي داخل سياقها التاريخي.

فهو فنان كبير ترك أثراً فنياً ومؤسساتياً واضحاً في تطوان، لكنه في الوقت نفسه اشتغل ضمن إدارة الحماية الإسبانية، وكانت بعض أعماله جزءاً من الصورة الرسمية التي كانت إسبانيا تقدمها عن وجودها في شمال المغرب.

ولهذا فإن تقييم تجربته يحتاج إلى نظرة متوازنة: فهو من جهة ساهم في تأسيس مؤسسات فنية مهمة، وحفظ مشاهد كثيرة من الذاكرة البصرية لتطوان؛ ومن جهة أخرى ارتبط عمله بالسياق السياسي والثقافي لفترة الحماية.

وهذا التوازن ضروري لفهم مكانته دون مبالغة أو تبسيط.

وفاته بتطوان

توفي ماريانو بيرتوتشي بمدينة تطوان يوم 20 يونيو 1955، بعد سنوات طويلة من العمل الفني والثقافي داخل المدينة.

وقد ترك وراءه رصيداً ضخماً من اللوحات والرسومات والملصقات والطوابع، إضافة إلى أثر مؤسساتي مهم من خلال مدرسة الفنون الجميلة ومؤسسات ثقافية أخرى.

لماذا يُدرج ماريانو بيرتوتشي ضمن شخصيات ساهمت في إشعاع تطوان؟

  • عاش واستقر في تطوان منذ سنة 1928.
  • ساهم في تأسيس التعليم الفني الحديث بالمدينة.
  • ارتبط اسمه بالمدرسة التحضيرية للفنون الجميلة بتطوان سنة 1945.
  • ساهم في تكوين جيل من الفنانين التشكيليين المغاربة.
  • دعم حضور الفنون والصنائع التقليدية المغربية.
  • اشتغل على المتاحف وحفظ الذاكرة البصرية.
  • رسم مشاهد كثيرة من تطوان وشمال المغرب.
  • صمم ملصقات وطوابع ساهمت في انتشار صورة تطوان خارج المغرب.
  • توفي بمدينة تطوان سنة 1955.
  • ترك أثراً عميقاً في تاريخ الفن التشكيلي بالمدينة.

إرث ماريانو بيرتوتشي في تطوان

لا يزال أثر ماريانو بيرتوتشي حاضراً في الذاكرة الفنية لتطوان، خاصة من خلال المعهد الوطني للفنون الجميلة، الذي يمثل امتداداً للمؤسسة التي ساهم في تأسيسها.

كما أن أعماله الفنية لا تزال تُستحضر عند الحديث عن صورة تطوان خلال فترة الحماية، وعن بدايات الفن التشكيلي الحديث في شمال المغرب.

ولهذا يمكن القول إن بيرتوتشي لم يكن فقط رساماً مرّ من تطوان، بل كان واحداً من الشخصيات التي ساهمت، بشكل مباشر وغير مباشر، في بناء جزء من هويتها الفنية الحديثة.

الأسئلة الشائعة

من هو ماريانو بيرتوتشي؟

ماريانو بيرتوتشي رسام إسباني وُلد في غرناطة سنة 1884، وارتبط اسمه بمدينة تطوان خلال فترة الحماية الإسبانية، حيث ساهم في التعليم الفني والعمل المتحفي والتوثيق البصري لشمال المغرب.

هل ماريانو بيرتوتشي من مواليد تطوان؟

لا، وُلد في غرناطة بإسبانيا، لكنه عاش واستقر في تطوان سنوات طويلة وساهم في إشعاعها الفني والثقافي.

متى استقر ماريانو بيرتوتشي في تطوان؟

استقر بمدينة تطوان سنة 1928 بعد تعيينه مفتشاً عاماً للفنون الجميلة في منطقة الحماية الإسبانية بالمغرب.

ما أهم إسهاماته في تطوان؟

من أبرز إسهاماته تأسيس المدرسة التحضيرية للفنون الجميلة بتطوان سنة 1945، والمساهمة في تطوير التعليم الفني والمتاحف والفنون التقليدية.

ما علاقة بيرتوتشي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة؟

تُعد المدرسة التحضيرية للفنون الجميلة التي ساهم في إنشائها بتطوان الأساس التاريخي لما سيصبح لاحقاً المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان.

متى توفي ماريانو بيرتوتشي؟

توفي بمدينة تطوان يوم 20 يونيو 1955.

.

Comments

  • No comments yet.
  • Add a comment