أأحمد بن يسّف.. الفنان التشكيلي التطواني الذي حمل ريشته من تطوان إلى متاحف إسبانيا والعالم
يُعتبر الفنان التشكيلي أحمد بن يسّف – Ahmed Ben Yessef واحداً من أبرز الأسماء التشكيلية المغربية المنحدرة من مدينة تطوان، ومن الفنانين الذين استطاعوا أن يحولوا التجربة الشخصية والمعاناة الإنسانية إلى أعمال فنية ذات قيمة جمالية وإنسانية عالية.
وُلد أحمد بن يسّف بمدينة تطوان سنة 1945، ونشأ داخل فضاء تطواني أصيل، قبل أن ينتقل إلى إسبانيا لمتابعة تكوينه الفني، حيث راكم تجربة طويلة جعلت اسمه حاضراً في عدد من المتاحف والمعارض الدولية.
وقد جمع في مساره بين الجذور التطوانية، والتكوين الإسباني، والحس الإنساني العميق، ليصبح فناناً مغربياً ذا امتداد عالمي.
نشأ أحمد بن يسّف في أحد أحياء مدينة تطوان العتيقة، وسط أسرة متوسطة ومحافظة، قريبة من نمط العائلات التطوانية ذات الطابع الأندلسي.
وقد كان لهذا الوسط أثر مهم في تكوين ذائقته البصرية الأولى، حيث عاش داخل مدينة عريقة، غنية بالأزقة، والألوان، والوجوه، والحكايات، والتقاليد، وهو ما سيظهر لاحقاً في حساسيته الفنية واهتمامه بالإنسان البسيط.
كما أن تطوان، بما تحمله من ذاكرة أندلسية وفنية، شكلت الخلفية الأولى التي انطلق منها نحو عالم الفن التشكيلي.
تابع أحمد بن يسّف دراسته الابتدائية في المعهد الحر بمدينة تطوان، ثم واصل دراسته الثانوية في ثانوية القاضي عياض.
وبعد ذلك التحق بـ مدرسة الفنون الجميلة بتطوان، وهي المؤسسة التي لعبت دوراً كبيراً في تكوين عدد من الفنانين التشكيليين المغاربة، وكانت محطة أساسية في مساره الفني.
وقد ساعده هذا التكوين الأول على اكتشاف أدوات الرسم، وفهم تقنيات التعبير التشكيلي، قبل أن يقرر مواصلة دراسته الفنية خارج المغرب.
في سنة 1967، التحق أحمد بن يسّف بـ المدرسة العليا للفنون الجميلة بإشبيلية في إسبانيا.
وقد اختار هذه المؤسسة لأن طريقة التدريس بها كانت، حسب رؤيته، كلاسيكية ومحكمة، بخلاف بعض المدارس الفنية الأوروبية التي كان يرى أن الحرية الفنية فيها أصبحت زائدة عن حدها.
وكان هذا الاختيار يعكس رغبته في بناء تكوين فني متين، يقوم على الصرامة، والانضباط، وإتقان القواعد الأكاديمية للرسم، قبل الانتقال إلى التعبير الشخصي الحر.
لم تكن رحلة أحمد بن يسّف نحو الفن سهلة.
فقد عاش ظروفاً قاسية في بداياته، بعدما رفض والده اختياره لمجال الفن التشكيلي، ومنعه من الدعم المالي، لأنه كان يرى أن هذا الميدان غير مضمون أو غير مناسب لمستقبله.
وفي الوقت نفسه، تأخرت المنحة التي كانت ينتظرها من الحكومة المغربية، فوجد نفسه في إشبيلية بلا مال كافٍ، ولا طعام منتظم، ولا مكان لائق للنوم.
وقد اضطر في بعض الفترات إلى النوم على أريكة خشبية في حديقة عامة، حتى كاد يهلك من البرد وسوء التغذية.
لكن هذه المعاناة لم تكسر إرادته، بل زادته إصراراً على إثبات أن الفن مجال محترم، وأن الفنان يمكنه أن يصنع لنفسه مكانة مثل أي صاحب مهنة أخرى.
رغم قسوة الظروف، واصل أحمد بن يسّف دراسته في مدرسة الفن بإشبيلية، مدفوعاً بعناد فني نبيل ورغبة قوية في النجاح.
وكان صراعه مع والده حول اختياره الفني من الأسباب التي دفعته إلى مضاعفة جهده، حتى يثبت له أن الفن ليس طريقاً للضياع، بل ميداناً للإبداع والكرامة والاعتراف.
ومع مرور الوقت، رق قلب والده، وبدأ يمده بقليل من المال، كما حصل لاحقاً على بعثة من الحكومة المغربية لدراسة الفن، وهي بعثة نادرة في ذلك الزمن.
وما إن تحسنت ظروفه المعيشية، حتى بدأت لوحاته تجد طريقها إلى السوق الفنية، وبدأ اسمه يبرز في الوسط التشكيلي الإسباني.
كانت النقلة الكبرى في مسار أحمد بن يسّف عندما عُرضت لوحاته في أحد أهم المتاحف الإسبانية، وهو متحف البرادو.
وقد كان آنذاك من أصغر الفنانين الذين نالوا هذا الشرف منذ تأسيس المتحف قبل قرون، وهو ما شكل اعترافاً فنياً كبيراً بموهبته ومساره.
ومنذ تلك المرحلة، أصبح اسمه أكثر حضوراً في الساحة الفنية، وبدأ المهتمون بالفن التشكيلي يقتنون أعماله، التي وصلت قيمة بعضها إلى مبالغ كبيرة في السوق الفنية.
لا يمكن فهم تجربة أحمد بن يسّف من خلال التقنية فقط، بل من خلال البعد الإنساني العميق في أعماله.
فهو فنان يهتم في لوحاته بالإنسان البسيط، وبالفئات الهشة، وبوجوه الأطفال، والمتسولين، والفقراء، والمظلومين.
وقد جعل من هؤلاء موضوعاً مركزياً في عدد من أعماله، ليس من باب الشفقة العابرة، بل من باب الدفاع عن الكرامة الإنسانية، وإبراز الجمال الموجود في الهامش، وفي الوجوه المنسية، وفي الحياة اليومية البسيطة.
وهذا الجانب يمنح أعماله بعداً اجتماعياً وإنسانياً واضحاً.
من المواضيع المتكررة في أعمال أحمد بن يسّف حضور الأطفال والفقراء والمتسولين والناس البسطاء.
فهو لا يرسمهم كعناصر هامشية، بل يجعلهم مركز اللوحة، ويمنحهم حضوراً قوياً وكرامة بصرية.
وتكشف هذه الأعمال عن حساسية فنان عاش المعاناة في بداياته، فصار أكثر قرباً من الضعفاء والمهمشين.
وقد ساعدته تجربته الشخصية القاسية على فهم معنى الحرمان، وتحويل هذا الفهم إلى لغة فنية صادقة.
من بين أبرز إنجازات أحمد بن يسّف الفنية إنجاز جدارية ضخمة يحتضنها ملعب رامون سانشيز بيثخوان الشهير بمدينة إشبيلية.
وقد رسم هذه الجدارية سنة 2003 بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس فريق إشبيلية الأندلسي.
وتُعد هذه الجدارية من أكبر الجداريات في العالم، وهي من الأعمال التي تعكس قدرة الفنان على الاشتغال في فضاءات واسعة، وربط الفن بالتاريخ الرياضي والذاكرة الجماعية للمدينة.
لم يقتصر حضور أحمد بن يسّف على المغرب أو إسبانيا فقط، بل شارك في عدد كبير من المعارض الفنية عبر العالم.
وقد عُرضت أعماله في معارض متعددة تقريباً في خمس قارات، مما منحه حضوراً دولياً واسعاً.
ويعكس هذا الامتداد العالمي قوة تجربته، وقدرته على مخاطبة جمهور متنوع، رغم أن جذوره الأولى ظلت مرتبطة بتطوان والمغرب.
من المعطيات المهمة في مسار أحمد بن يسّف أن إحدى لوحاته طُبعت على أوراق العملة المغربية والقطع النقدية الصادرة عن بنك المغرب.
وقد تم ذلك باستحسان من الملك الراحل الحسن الثاني، ليصبح عمله الفني جزءاً من الذاكرة اليومية للمغاربة، من خلال الأوراق النقدية والقطع المعدنية التي يتعامل بها الناس.
وشكل هذا الحدث بداية لعلاقة ممتدة بين أحمد بن يسّف وبنك المغرب، حيث أصبح اسمه مرتبطاً أيضاً بالفن الرسمي والرمزية البصرية للعملة الوطنية.
إلى جانب كونه فناناً تشكيلياً، أحمد بن يسّف أب لخمسة أبناء.
وهذا الجانب الإنساني في حياته لا ينفصل عن تجربته الفنية، لأنه ظل قريباً من الأسرة، ومن القيم الإنسانية، ومن فكرة المسؤولية، سواء في حياته الخاصة أو في أعماله.
فالفنان هنا لا يظهر فقط كصاحب ريشة، بل كإنسان عاش الصعوبات، وبنى نفسه، وحمل معه ذاكرة العائلة، والمدينة، والناس.
رغم أن جزءاً كبيراً من تجربة أحمد بن يسّف تشكل في إسبانيا، فإن تطوان تبقى نقطة البداية.
فهو ابن المدينة، نشأ في أحيائها العتيقة، ودرس في مؤسساتها، وتلقى أول تكوين فني بمدرسة الفنون الجميلة بها.
وتُعتبر تجربته مثالاً واضحاً على قدرة تطوان على إنجاب فنانين يعبرون حدود المدينة والوطن، ويصلون إلى فضاءات فنية عالمية، دون أن يفقدوا صلتهم بجذورهم.
أحمد بن يسّف فنان تشكيلي مغربي من مدينة تطوان، تلقى تكوينه الفني في المغرب وإسبانيا، وحقق حضوراً واسعاً في الساحة الفنية الدولية.
وُلد أحمد بن يسّف بمدينة تطوان سنة 1945.
درس في المعهد الحر وثانوية القاضي عياض بتطوان، ثم التحق بمدرسة الفنون الجميلة بتطوان، وبعدها بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بإشبيلية سنة 1967.
من أبرز إنجازاته عرض أعماله في متاحف إسبانية كبرى، إنجاز جدارية ضخمة بملعب إشبيلية سنة 2003، وطباعة إحدى لوحاته على العملة المغربية.
يهتم أحمد بن يسّف في أعماله بالأطفال، والفقراء، والمتسولين، والبسطاء، والمظلومين، ويمنحهم حضوراً إنسانياً قوياً داخل لوحاته.
أحمد بن يسّف من مواليد تطوان، نشأ ودرس بها، وتلقى تكوينه الفني الأول في مدرسة الفنون الجميلة بالمدينة.
أ.