تُعرف مدينة تطوان بلقبها الشهير “الحمامة البيضاء”، وهو لقب لم يأت من فراغ، بل تشكل عبر تراكم طويل من الصور والأوصاف التي رسمها المؤرخون والرحالة والشعراء عن هذه المدينة. فمن يقرأ ما كتبه الباحثون عن تطوان، ومن بينهم الدكتور إدريس خليفة في الصفحات التي خصصها لوصف المدينة في مؤلفه، يلاحظ أن صورة تطوان ارتبطت دائما بالبياض، والنقاء، وحسن الموقع، وجمال الطبيعة، وسمو الأخلاق.
فالحمامة البيضاء ليست مجرد وصف سياحي حديث، بل هي خلاصة لصورة تاريخية وأدبية عميقة، رآها فيها أهل العلم والأدب مدينة بيضاء، هادئة، محاطة بالجبال والمياه والبساتين، ومتميزة بأهلها وعمرانها ومكانتها الروحية.
من أبرز الأسباب التي جعلت تطوان تلقب بالحمامة البيضاء هو طابعها العمراني الأبيض. فالمدينة، خصوصا في صورتها القديمة، تبدو للناظر إليها ككتلة بيضاء تستقر في حضن الجبال، وتطل على فضاء طبيعي يجمع بين الخضرة والماء والهواء النقي.
وقد نقل الدكتور إدريس خليفة وصفا جميلا للمؤرخ أحمد الرهوني، يبرز فيه صورة تطوان كمدينة “غراء نقية بيضاء”، كثيرة الخيرات، جميلة المنظر، ذات أنهار وعيون. وهذا الوصف يلخص جانبا مهما من سر اللقب، لأن البياض هنا ليس فقط لون الجدران، بل هو رمز للنقاء والجمال والسكينة.
فالمدينة البيضاء، حين تظهر وسط الجبال والبساتين، تترك في النفس انطباعا قريبا من صورة الحمامة: بياض، هدوء، توازن، ورقة.
يُعد أحمد الرهوني من أبرز من وصفوا تطوان وصفا دقيقا ومعبرا. فقد تحدث عنها باعتبارها مدينة جميلة، كثيرة الخيرات، تحيط بها العيون والأنهار، ولا يكذب قائلها حين يصفها بالحسن والبهاء.
ومن العبارات الدالة التي أوردها الدكتور إدريس خليفة عن الرهوني قوله في معنى وصف المدينة إنها:
“مدينة غراء نقية بيضاء، كثيرة الخيرات والأنعام والبركات”.
هذا الوصف مهم جدا، لأنه يجمع بين ثلاثة عناصر أساسية ساهمت في بناء صورة “الحمامة البيضاء”:
البياض في المظهر.
النقاء في الصورة.
الخيرات الطبيعية التي تحيط بالمدينة.
كما يشير الرهوني إلى أن تطوان كانت ذات أنهار وعيون غزيرة، وأنها مدينة لا يستوحش داخلها ولا يكذب قائلها، بما تحمله من جمال وراحة واطمئنان.
لم يكن جمال تطوان مرتبطا باللون الأبيض وحده، بل كذلك بموقعها الطبيعي الفريد. فالمدينة تقوم بين الجبال، وتحيط بها المجالات الخضراء، وتقترب من البحر الأبيض المتوسط، مما جعلها تبدو في نظر زوارها كأنها مستقرة في مشهد طبيعي متكامل.
وقد ورد في الصفحات التي نقلها الدكتور إدريس خليفة وصف تطوان باعتبارها مدينة ذات عيون كثيرة، ومياه جارية، وبساتين تحيط بها، حتى إن بعض أوصافها القديمة تحدثت عن القواديس الفخارية التي كانت تنقل الماء، وعن الرياض والبساتين التي تزيد المدينة جمالا وحياة.
وهذا التداخل بين الأبيض والأخضر والأزرق، أي بين بياض المباني، وخضرة البساتين، وزرقة الماء والسماء، هو ما جعل صورة تطوان قريبة من صورة الحمامة البيضاء التي تحلق في فضاء نقي وهادئ.
لم يقتصر الإعجاب بتطوان على المؤرخين، بل امتد إلى الشعراء والأدباء الذين تغنوا بها وبحسنها. وقد جمع الدكتور إدريس خليفة عددا من الشهادات الشعرية التي تصف المدينة وتبرز مكانتها في الوجدان المغربي.
ومن هذه الشهادات ما قاله أبو عبد الله محمد بن زاكور الفاسي، المتوفى سنة 1120هـ / 1708م، حين قال في وصفها:
“تطوان ما أدراك ما تطوان”
وهي عبارة قصيرة لكنها قوية، توحي بأن المدينة أكبر من أن تختزل في وصف عابر.
كما وردت أبيات أخرى لشعراء رأوا في تطوان مدينة حسنة الموقع، جميلة المنظر، ذات فتنة خاصة. ومن ذلك ما جاء في وصفها بكونها مدينة تجمع بين الجمال، والجبال، والمياه، والأنس، حتى أصبحت موضوعا متكررا في الشعر المغربي.
من الجوانب المهمة التي ساهمت في تكوين صورة الحمامة البيضاء أيضا، أن تطوان لم تكن فقط مدينة جميلة في شكلها، بل كانت كذلك مدينة علم وعبادة وأخلاق.
فقد نقل الدكتور إدريس خليفة أوصافا تشير إلى أن أهل تطوان عُرفوا بحب الدين، والتواضع، والكرم، واحترام العلماء، والوفاء بالعهد. وهذه الصفات الأخلاقية أضافت إلى بياض المدينة العمراني بياضا معنويا وروحيا.
لذلك، فإن لقب الحمامة البيضاء لا يحيل فقط على بياض الجدران، بل على صورة أوسع: مدينة بيضاء في عمرانها، ناصعة في ذاكرتها، هادئة في إيقاعها، ومتميزة في أخلاق أهلها ومكانتها العلمية.
حضر اسم تطوان في قصائد عدد من الشعراء، ومن بينهم محمد بن الطيب العلمي الفاسي، ومحمد الرافعي التطواني، ومحمد الحلوي، وإبراهيم طوقان، وغيرهم ممن أشار إليهم الدكتور إدريس خليفة في الصفحات المعتمدة.
وقد وصف هؤلاء الشعراء تطوان بجمالها، وموقعها، وبهاء طبيعتها، وطيب أهلها. ومن العبارات الشعرية الدالة ما ورد في بعض الأبيات التي تجعل تطوان مدينة لا يمل الناظر منها، ولا تنفصل صورتها عن الحسن والبهاء.
كما قارن بعض الشعراء بينها وبين مدن مغربية أخرى، مثل فاس، في سياق أدبي لطيف يعكس المكانة التي احتلتها تطوان في المخيال الثقافي المغربي.
لقب الحمامة البيضاء ليس اسما إداريا رسميا لتطوان، بل هو لقب جمالي وثقافي وشعبي التصق بالمدينة مع مرور الزمن. وقد ساعد على انتشاره اجتماع عدة عناصر في شخصية تطوان:
بياض مبانيها وواجهاتها.
هدوء أزقتها وأحيائها القديمة.
موقعها الجميل بين الجبال والبحر.
كثرة المياه والعيون والبساتين في محيطها التاريخي.
الصورة النقية التي رسمها عنها المؤرخون والشعراء.
مكانتها العلمية والدينية والأخلاقية.
لذلك أصبح هذا اللقب من أكثر الأوصاف استعمالا عند الحديث عن تطوان، سواء في السياحة أو الثقافة أو الذاكرة المحلية.
سميت تطوان بالحمامة البيضاء لأنها مدينة يغلب عليها البياض في عمرانها، وتتميز بجمال موقعها بين الجبال والبحر، وبما أحاط بها قديما من عيون ومياه وبساتين. كما أن المؤرخين والشعراء وصفوها بمدينة نقية، جميلة، كثيرة الخيرات، ذات أهل كرم ودين وعلم.
ومن خلال ما أورده الدكتور إدريس خليفة من شهادات تاريخية وأدبية، يتضح أن لقب الحمامة البيضاء ليس مجرد وصف شكلي، بل هو تعبير عن روح تطوان نفسها: مدينة بيضاء في مظهرها، هادئة في حضورها، عريقة في تاريخها، ومشرقة في ذاكرة أهلها وزوارها.