من بين الأوصاف الجميلة والنادرة التي ارتبطت بمدينة سبتة في المصادر القديمة، ذلك التشبيه الذي شبّه شكلها بآلة العود. وهو تشبيه لا يمكن فهمه إلا عند النظر إلى موقع المدينة وطبيعتها الجغرافية، فهي قائمة على شبه جزيرة ممتدة داخل البحر الأبيض المتوسط، محاطة بالمياه من جهات متعددة، وقريبة من مضيق جبل طارق، مما منحها صورة فريدة في أعين الجغرافيين والرحالة والمؤرخين.
لم تكن سبتة مجرد مدينة ساحلية عادية، بل كانت مدينة بحرية ذات هيئة خاصة، تجمع بين الجبل والبحر والميناء والعمران. ولهذا كان وصفها عند القدماء يمزج بين الجغرافيا والجمال، وبين الدقة العلمية والخيال الأدبي.
في المعطيات التي أوردها الدكتور إدريس خليفة حول موقع مدينة سبتة، يبرز أن المدينة توجد في موضع متميز على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وعلى طرف داخل في البحر. وقد كان العرب يعرفون هذا الموضع عند القدماء ببحر الزقاق، بسبب كونه داخلاً في البحر من برزخ يصلها ببر المغرب من الجنوب.
وهذا الشكل الجغرافي هو الذي جعل بعض القدماء يشبهون سبتة بآلة العود، لأنها تبدو كأنها جسم ممتد داخل البحر، له قاعدة واتصال بالبر، وله امتداد بارز نحو المياه. ومن هنا جاء التشبيه الجميل الذي أورده بعض الشعراء والكتاب في وصف المدينة:
أخطر على سبتة وانظر إلى جمالها
تنصب التي حسنت كأنها عود غنا وقد
ألقى في البحر على جنب
هذا الوصف لا يتعامل مع سبتة كمساحة جغرافية فقط، بل يراها كصورة فنية، كمدينة نائمة على البحر، أو كآلة موسيقية ألقيت على جنبه بين اليابسة والماء.
آلة العود في الثقافة العربية رمز للجمال والانسجام والرقة. وعندما شبّه القدماء سبتة بالعود، فهم لم يقصدوا الشكل فقط، بل قصدوا أيضاً حسن الموقع وانسجام الطبيعة والعمران.
فسبتة تقع على شبه جزيرة صغيرة، متصلة بالبر من جهة، وممتدة في البحر من جهة أخرى. وهذا الامتداد يجعلها شبيهة بجسم العود، حيث يبدو الرأس أو المقبض متصلاً باليابسة، بينما يمتد الجسم في اتجاه البحر.
كما أن الجبال المحيطة والميناء والساحل منحوا المدينة منظراً متناسقاً جعلها تبدو، في عيون القدماء، كتحفة طبيعية موضوعة على حافة المتوسط.
من أسباب تميز سبتة أن موقعها يجمع بين الجبل والبحر. فهي ليست مدينة منبسطة تماماً، ولا هي مدينة جبلية داخلية، بل تقوم على مجال ساحلي متدرج يجعل البحر جزءاً من هويتها البصرية والتاريخية.
وقد ساهم هذا الموقع في منحها وظيفة بحرية وتجارية كبيرة. فمن جهة، كانت تطل على البحر الأبيض المتوسط وتتحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ومن جهة أخرى، كانت مرتبطة بعمقها المغربي عبر الطرق البرية المؤدية إلى مدن ومناطق شمال المغرب.
وهذا الجمع بين البحر والبر هو ما جعل سبتة تظهر في كتب الجغرافيا والتاريخ كمدينة ذات موقع استثنائي، لا يشبه كثيراً من المدن الساحلية الأخرى.
كان القدماء يطلقون على المنطقة البحرية القريبة من سبتة اسم بحر الزقاق، وهو الاسم الذي ارتبط بالممر البحري الضيق الفاصل بين المغرب والأندلس، والمعروف اليوم بمضيق جبل طارق.
هذا المضيق لم يكن حاجزاً بين المغرب والأندلس، بل كان جسراً بحرياً للتواصل والتجارة والعلم والهجرات. وكانت سبتة من أهم المدن التي استفادت من هذا الموقع، لأنها كانت قريبة من الضفة الأندلسية، وفي الوقت نفسه متصلة بمدن المغرب الشمالية.
ومن هنا نفهم لماذا كانت سبتة حاضرة بقوة في كتب الجغرافيين والرحالة، ولماذا اعتبروها من أجمل وأهم مدن الساحل المتوسطي المغربي.
إن تشبيه سبتة بآلة العود لا يعكس فقط جمال شكلها الطبيعي، بل يكشف أيضاً عن مكانتها في المخيال الجغرافي العربي. فقد كان الجغرافيون المسلمون يصفون المدن من خلال موقعها، ومائها، وجبالها، وأسواقها، ومسالكها، وموانئها. وكانوا في كثير من الأحيان يمزجون بين الوصف الجغرافي والعبارة الأدبية.
ولهذا، فإن صورة سبتة كعود ملقى على البحر تلخص ثلاثة عناصر أساسية:
أولاً: امتداد المدينة داخل البحر على شكل شبه جزيرة.
ثانياً: جمال موقعها بين البر والماء.
ثالثاً: مكانتها كمدينة بحرية ذات حضور قوي في المتوسط.
ارتبطت مدن شمال المغرب دائماً بالجمال الطبيعي والتاريخ العميق، ومن بينها سبتة وتطوان وشفشاون وطنجة. غير أن سبتة تميزت بكونها مدينة بحرية ذات شكل خاص، جعلها موضوعاً للوصف الشعري والجغرافي.
وقد ساعد هذا الموقع على جعلها مركزاً للتجارة والملاحة والعلم، كما جعلها أيضاً مطمعاً للقوى البحرية الأوروبية، خاصة البرتغاليين الذين احتلوها سنة 1415م بسبب موقعها الاستراتيجي عند مدخل البحر الأبيض المتوسط.
وهكذا اجتمع في سبتة الجمال والخطر، فالموقع الذي منحها الحسن والمكانة، هو نفسه الذي جعلها هدفاً للقوى الطامعة في التحكم في المضيق والطرق البحرية.
بالنسبة لتاريخ شمال المغرب، فإن وصف سبتة لا يخص المدينة وحدها، بل يساعدنا على فهم المجال المتوسطي الذي تنتمي إليه تطوان أيضاً. فسبتة وتطوان تشتركان في القرب الجغرافي، وفي الذاكرة الأندلسية، وفي الارتباط بالبحر الأبيض المتوسط، وفي دورهما التاريخي داخل المجال الشمالي المغربي.
وقد كانت سبتة بوابة بحرية مهمة، بينما أصبحت تطوان لاحقاً مدينة أندلسية مغربية كبرى، تحمل في عمرانها وثقافتها وفنونها آثار ذلك التواصل الطويل بين المغرب والأندلس.
ومن هنا فإن دراسة موقع سبتة ووصفها القديم يفتح لنا باباً لفهم أوسع لتاريخ تطوان والشمال المغربي، لا باعتباره تاريخ مدن منفصلة، بل تاريخ مجال حضاري متصل بين البحر والجبل والأندلس والمغرب.
شبّه القدماء مدينة سبتة بآلة العود لأن شكلها الجغرافي بدا لهم فريداً وجميلاً: شبه جزيرة ممتدة داخل البحر الأبيض المتوسط، متصلة بالبر المغربي، ومحاطة بالمياه في مشهد يجمع بين الجمال الطبيعي والدلالة الحضارية.
ولم يكن هذا التشبيه مجرد صورة شعرية، بل كان تعبيراً عن نظرة عميقة إلى مدينة لعبت أدواراً كبرى في التجارة والعلم والملاحة والتواصل بين المغرب والأندلس. لذلك تبقى سبتة واحدة من أكثر مدن الشمال المغربي حضوراً في الجغرافيا والتاريخ والذاكرة.