لم تكن مدينة سبتة مجرد ميناء مغربي مطل على البحر الأبيض المتوسط، ولا مجرد نقطة عبور بين المغرب والأندلس، بل كانت أيضاً مدينة علم وفقه وتصوف وجغرافيا وأدب. فقد أنجبت واحتضنت عبر تاريخها عدداً من كبار الأعلام الذين تركوا بصماتهم في الثقافة المغربية والإسلامية، حتى أصبحت سبتة واحدة من الحواضر العلمية المهمة في الغرب الإسلامي.
ويشير الدكتور إدريس خليفة في المعطيات التي أوردها حول تاريخ مدينة سبتة إلى أن المدينة عرفت إشعاعاً علمياً وثقافياً كبيراً، واحتضنت العلماء والفقهاء والصلحاء، وكانت صلة وصل بين المغرب والأندلس والمشرق. وهذا الدور العلمي لم يكن منفصلاً عن موقعها الجغرافي، بل كان نتيجة طبيعية لمكانتها كمدينة بحرية منفتحة على التجارة والرحلات العلمية وحركة الكتب والطلاب.
تميزت سبتة بموقعها عند مدخل البحر الأبيض المتوسط، قرب مضيق جبل طارق، وهو ما جعلها عبر قرون طويلة محطة رئيسية للقادمين من الأندلس والمتجهين إليها. ومن خلال هذا الموقع، لم تكن السفن تحمل البضائع فقط، بل كانت تحمل أيضاً العلماء والكتب والأفكار والمذاهب والمعارف.
وقد ساعد هذا الوضع على تكوين بيئة علمية نشيطة داخل المدينة. فسبتة كانت مرتبطة بفاس ومراكش وتطوان وقرطبة وإشبيلية وغرناطة، كما كانت مفتوحة على المشرق من خلال رحلات الحج وطلب العلم. ولهذا نجد أن كثيراً من أعلامها جمعوا بين التكوين المغربي والأندلسي والمشرقي.
يُعد القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي من أشهر أعلام سبتة، بل من أشهر أعلام المغرب الإسلامي كله. وُلد بسبتة سنة 476هـ / 1083م، ونشأ بها في أسرة عرفت بالعلم والصلاح، وتلقى علومه الأولى في المدينة قبل أن يرحل إلى الأندلس للقاء العلماء والأخذ عنهم.
اشتهر القاضي عياض بالفقه والحديث والأصول والتاريخ واللغة، وتولى القضاء بسبتة، ثم تولى القضاء بغرناطة، وذاع صيته في المغرب والأندلس. ومن أشهر مؤلفاته كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، الذي حظي بمكانة كبيرة في الثقافة الإسلامية، إضافة إلى مؤلفات أخرى في الحديث والتراجم والفقه.
وتكمن أهمية القاضي عياض في أنه لم يكن عالماً محلياً فقط، بل كان شخصية علمية كبرى جسدت قوة المدرسة المالكية في المغرب والأندلس، وربطت اسم سبتة بتاريخ العلوم الإسلامية.
من أبرز أعلام سبتة أيضاً الشريف الإدريسي، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الإدريسي، أحد أعظم الجغرافيين في تاريخ الحضارة الإسلامية والإنسانية. وُلد بسبتة سنة 493هـ / 1100م تقريباً، وتلقى تعليمه بالأندلس، ثم اشتهر عالمياً بعمله الجغرافي الكبير الذي أنجزه في صقلية.
يُعرف الإدريسي بكتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”، وبالخريطة الشهيرة التي وضعها للملك روجر الثاني، والتي اعتُبرت من أهم الأعمال الجغرافية في العصر الوسيط. وقد جمع الإدريسي بين الرحلة والملاحظة والوصف العلمي، وقدم صورة واسعة عن مدن العالم ومسالكه وبحاره.
وبالنسبة لسبتة، فإن ولادة الإدريسي بها تؤكد أن المدينة لم تكن فقط مركزاً للتجارة والملاحة، بل كانت أيضاً بيئة قادرة على إنتاج علماء عالميين في الجغرافيا والمعرفة.
أبو العباس أحمد بن جعفر الخزرجي السبتي، المعروف بأبي العباس السبتي أو سيدي بلعباس، من أشهر صلحاء المغرب، وواحد من رجال مراكش السبعة. وُلد بسبتة سنة 1129م، ثم انتقل إلى مراكش، حيث اشتهر بالزهد والتصوف والدعوة إلى الإحسان والصدقة وخدمة الناس.
ارتبط اسم أبي العباس السبتي بفكرة مركزية في التصوف المغربي، وهي أن الإحسان إلى الخلق طريق إلى القرب من الله. وقد جعل من مساعدة الضعفاء والمحتاجين أساساً لسلوكه الروحي والاجتماعي، حتى أصبح له حضور قوي في الذاكرة الشعبية والدينية المغربية.
وتكمن أهمية أبي العباس السبتي في أنه نقل جزءاً من الإشعاع الروحي لسبتة إلى مراكش، فصار اسمه يجمع بين مدينتين مغربيتين كبيرتين: سبتة التي ولد بها، ومراكش التي اشتهر ودُفن بها.
من الأسماء التي ارتبطت بالحركة العلمية في سبتة أبو عبد الله الفخار، وهو من العلماء الذين كان لهم أثر في تكوين عدد من طلبة العلم. وتذكر بعض المصادر أن أبا العباس السبتي أخذ عنه، مما يدل على وجود شبكة علمية داخل المدينة، يتصل فيها الشيوخ بالطلاب، وتنتقل عبرها العلوم الشرعية واللغوية.
ويمثل هذا النوع من العلماء الجانب الهادئ والعميق في تاريخ سبتة، فليس كل أعلام المدينة اشتهروا عند العامة، ولكن كثيراً منهم كانوا أساساً في تكوين أجيال من الفقهاء والصلحاء والطلاب.
تذكر بعض الدراسات حول المراكز العلمية في سبتة اسم أبي عبد الله بن هارون الأموي، باعتباره من العلماء الذين درسوا بها، وكان متفنناً في علوم متعددة إلى جانب الشعر. وقد انتفع به عدد من طلبة سبتة، مما يعكس تنوع الحياة العلمية داخل المدينة.
ويُظهر حضور مثل هذه الشخصيات أن سبتة لم تكن مدينة فقه وحديث فقط، بل عرفت أيضاً حضوراً للأدب والشعر واللغة، وهي علوم كانت مرتبطة عادة بالمدن الكبرى ذات الحياة الثقافية النشيطة.
إلى جانب الفقهاء والجغرافيين والمتصوفة، عرفت سبتة اهتماماً بالتاريخ والتراجم. فقد برز عدد من العلماء الذين اهتموا بتسجيل أخبار الرجال والطبقات والأنساب والسير، وهو ما يعكس وعياً مبكراً بأهمية حفظ الذاكرة العلمية للمدينة.
وتشير دراسات حول الحركة العلمية بسبتة إلى أن أعلام المدينة اهتموا أيضاً بفن التراجم، وهو فن أساسي في الثقافة الإسلامية، لأنه يحفظ أسماء العلماء والشيوخ والطلبة، ويسجل مساراتهم العلمية ورحلاتهم ومؤلفاتهم.
وهذا الاهتمام بالتراجم يؤكد أن سبتة كانت حاضرة علمية حقيقية، لها ذاكرة داخلية، وليست مجرد محطة عبور عابرة.
من الخصائص المشتركة بين أعلام سبتة أن كثيراً منهم لم ينحصروا داخل المدينة، بل امتدت مساراتهم إلى الأندلس وفاس ومراكش والمشرق. فالقاضي عياض رحل إلى الأندلس، والشريف الإدريسي تلقى تكويناً أندلسياً واشتغل في صقلية، وأبو العباس السبتي انتقل إلى مراكش وأصبح من كبار رموزها الروحية.
وهذا الامتداد يبين أن سبتة كانت جزءاً من شبكة حضارية واسعة. فالمدينة كانت مغربية الهوية، أندلسية الصلة، متوسطية الموقع، إسلامية الإشعاع. ومن خلالها نفهم كيف كانت مدن الشمال المغربي تنتج شخصيات تتجاوز شهرتها حدود المدينة والوطن.
بالنسبة لتطوان كلوب، فإن الحديث عن أعلام سبتة ليس بعيداً عن تاريخ تطوان، لأن المدينتين تنتميان إلى مجال شمالي مغربي واحد، جمعه البحر والأندلس والعلم والتجارة. وقد كانت سبتة، قبل الاحتلال البرتغالي سنة 1415م، من أهم الحواضر القريبة من المجال التطواني، كما كانت مركزاً للتواصل بين الداخل المغربي والضفة الأندلسية.
ومع التحولات التي عرفتها المنطقة، خاصة بعد سقوط الأندلس واحتلال سبتة، ستبرز تطوان لاحقاً كواحدة من المدن التي حملت الذاكرة الأندلسية في المغرب، بينما بقيت سبتة حاضرة في الذاكرة المغربية كمدينة علم وتاريخ وثغور.
ومن هنا فإن دراسة أعلام سبتة تساعد على فهم جزء مهم من تاريخ شمال المغرب، وتكشف أن هذا المجال كان دائماً فضاءً لإنتاج العلماء والفقهاء والرحالة والصلحاء.
يمكن تفسير شهرة سبتة العلمية بعدة عوامل.
أولاً: موقعها البحري القريب من الأندلس، مما جعلها محطة للرحلات العلمية والتجارية.
ثانياً: ارتباطها بالمدن العلمية الكبرى في المغرب، مثل فاس ومراكش، وبالمدن الأندلسية مثل قرطبة وإشبيلية وغرناطة.
ثالثاً: نشاطها الاقتصادي، لأن المدن التجارية المزدهرة غالباً ما توفر شروطاً أفضل لنمو المدارس والمساجد وحلقات العلم.
رابعاً: تنوع سكانها وتعدد المؤثرات الثقافية فيها، وهو ما جعلها مدينة منفتحة على المعرفة والرحلة والتبادل.
أشهر أعلام سبتة عبر التاريخ يكشفون لنا أن المدينة كانت أكثر من موقع جغرافي استراتيجي. فقد أنجبت القاضي عياض، أحد كبار علماء المالكية والحديث، وأنجبت الشريف الإدريسي، أحد أعظم الجغرافيين في العالم، وأنجبت أبا العباس السبتي، أحد رموز التصوف والإحسان في المغرب.
كما احتضنت علماء وشيوخاً ومدرسين ومؤرخين ساهموا في بناء الحركة العلمية بالمدينة، وربطوا سبتة بالأندلس والمغرب والمشرق. ولذلك فإن تاريخ أعلام سبتة هو جزء أساسي من تاريخ المغرب العلمي، ومن تاريخ شمال المغرب الذي ما زالت تطوان ومدنه تحمل امتداداته الثقافية والحضارية إلى اليوم.