سقايات مدينة تطوان: القْنا وشبكة السكوندو في ذاكرة المدينة العتيقة

تعد سقايات مدينة تطوان العتيقة، أو ما يعرف محليا باسم القْنا، واحدة من أهم الشواهد العمرانية والاجتماعية على علاقة التطوانيين بالماء. فهذه السقايات لم تكن مجرد نقاط لتزويد السكان بالماء، بل كانت جزءا من نظام حضري دقيق، ومن ثقافة يومية متجذرة، ومن تصور إسلامي واجتماعي يجعل الماء حقا عاما، ووسيلة للطهارة، وعنصرا للحياة واللقاء والتضامن.

ويبلغ عدد سقايات المدينة العتيقة بتطوان إجمالا حوالي 44 قْنا، موزعة على أهم الأزقة والفضاءات داخل المدينة. وقد لعبت هذه الأقنية دورا أساسيا في تدبير استعمال المياه القادمة من منابع جبل درسة وعيون أخرى قريبة، وترشيد توزيعها لتلبية حاجات السكان، والحرفيين، والزوار، والعابرين.

ولم يكن حضور القْنا في تطوان مجرد اختيار جمالي، بل كان جزءا من شبكة مائية تقليدية محكمة، اشتهرت باسم شبكة السكوندو، التي كانت تغذي السقايات، والمساجد، والحمامات، وبعض الدور القديمة بالماء الصالح للشرب.

القْنا: سقايات عمومية في خدمة الناس

يقصد بـ القْنا في الذاكرة التطوانية المكان أو النقطة المائية المعدة للاستعمال من طرف العامة، وهي تقابل ما يعرف اليوم بالسقايات العمومية أو الحنفيات العامة.

وقد كانت هذه السقايات توفر الماء مجانا للسكان والزوار، في زمن كانت فيه المدينة تعتمد على شبكات تقليدية دقيقة لتوزيع الماء. كما كانت بعض الأسر التطوانية الميسورة تصرف فائض مياهها القادمة من شبكة السكوندو في الأقنية المجاورة، وتجعلها رهن إشارة الجيران والعامة.

وهذا السلوك يكشف عن بعد اجتماعي مهم في ثقافة الماء بتطوان، حيث لم يكن الماء ملكا فرديا مغلقا، بل موردا مشتركا، يرتبط بالوقف، والإحسان، وحسن الجوار، وخدمة الحومة.

توزيع السقايات داخل المدينة العتيقة

لم تبن الأقنية في تطوان بشكل عشوائي، بل وفق نمط وظيفي وعمراني مضبوط. فقد وزعت على مختلف أحياء المدينة العتيقة بطريقة تراعي حاجات السكان وحركة العبور والتجارة والعبادة.

فنجد السقايات أساسا قرب الزوايا، والأحياء التجارية والحرفية، مثل سوق الحوت، والصياغين، والخرازين، كما نجدها قرب الأبواب الرئيسية للمدينة، مثل باب العقلة، وباب الصعيدة، وباب التوت، والباب السفلي.

وكان الهدف من هذا التوزيع توفير الماء للعابرين والزائرين الوافدين على المدينة لقضاء أغراضهم، سواء للتجارة أو العبادة أو الزيارة أو المرور.

وبذلك كانت القْنا جزءا من تخطيط المدينة، لا مجرد إضافة ثانوية.

السقايات قرب الأسواق والحرف

وجود الأقنية قرب الأسواق والحرف لم يكن صدفة. فالحرفيون والتجار كانوا يحتاجون إلى الماء في حياتهم اليومية، سواء للشرب، أو التنظيف، أو بعض الاستعمالات المرتبطة بالحرفة.

لهذا نجد السقايات في فضاءات مثل سوق الحوت القديم، والصياغين، والخرازين، وغيرها من المناطق التي كانت تعرف حركة يومية كبيرة.

وكانت السقاية في هذه الأماكن تقوم بدور مزدوج: عملي واجتماعي. فهي توفر الماء من جهة، وتتحول من جهة أخرى إلى نقطة لقاء، يتبادل عندها الناس الأخبار، والتهاني، والأحاديث اليومية.

السقايات قرب الأبواب الرئيسية

كما حرصت تطوان على وضع عدد من السقايات قرب أبوابها الرئيسية، مثل باب العقلة وباب الصعيدة وباب التوت والباب السفلي. وهذا الاختيار يعكس وظيفة المدينة كفضاء استقبال.

فالأبواب كانت نقاط دخول وخروج، يمر منها التجار، والفلاحون، والزوار، والغرباء، وسكان الضواحي. ولذلك كان وجود الماء قربها ضروريا، خاصة في مدينة تعتمد على الحركة اليومية بين الداخل والخارج.

فالسقاية عند الباب ليست مجرد عنصر مائي، بل علامة ترحيب، وخدمة عمومية، وجزء من أدب المدينة تجاه عابريها.

نوعان من الأقنية من حيث المعمار

تنقسم الأقنية في تطوان، من حيث خصائصها المعمارية والجمالية، إلى نوعين أساسيين.

النوع الأول هو السقايات الموجودة داخل المنازل أو في مواقع استراتيجية، وهي غالبا أكثر عناية من الناحية الجمالية، وتتميز بزخرفتها بالزليج التطواني الأصيل، وبانسجامها مع هندسة المدينة وذوقها العمراني.

أما النوع الثاني فهو السقايات الموجودة في الأزقة والأسواق، وكانت في الغالب مطلية بالجير فقط، بسيطة في شكلها، لكنها عملية في وظيفتها.

وهذا الفرق يعكس طبيعة المدينة نفسها: جمال في المواقع البارزة، وبساطة وظيفية في الأزقة والأسواق، مع استمرار نفس الروح القائمة على خدمة الماء والناس.

أشهر سقايات تطوان

من أشهر السقايات التاريخية في المدينة العتيقة بتطوان نجد:

قنا باب العقلة، وهي من أشهر السقايات لما تحمله من حمولة تاريخية وجمالية.

قنا السلوقية.

قنا زاوية سيدي الصعيدي.

قنا سوق الحوت القديم، المجاور لجامع القصبة العتيق.

القنا الذي حبسته عائلة اللبادي بالصياغين.

قنا سيدي الناجي.

قنا حومة العيون.

قنا الزاوية الفاسية.

قنا باب التوت.

قنا المعدة بحي الطرانكات.

هذه الأسماء تكشف كيف كانت السقايات مرتبطة بالحومات، والزوايا، والأسواق، والأبواب، والعائلات، مما يجعلها جزءا من الخريطة الاجتماعية للمدينة.

قنا باب العقلة: سقاية عند المدخل التاريخي

تعد قنا باب العقلة من السقايات ذات القيمة التاريخية المهمة داخل تطوان. فقد بنيت خلال فترة حكم القائد محمد بن عمر لوقش في منتصف القرن الثامن عشر، وتحديدا ما بين سنتي 1751 و1758.

وتتميز هذه السقاية بجماليتها المتوافقة مع هندسة المدينة ونسيجها العمراني العام، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي عند المدخل الرئيسي للمدينة العتيقة قديما.

فباب العقلة لم يكن مجرد باب، بل كان مدخلا رئيسيا للحركة، ومن الطبيعي أن توجد قربه سقاية توفر الماء للعابرين والوافدين على المدينة.

قنا سوق الحوت القديم

توجد قنا سوق الحوت القديم قرب جامع القصبة العتيق، وهي من السقايات التي تبرز العلاقة بين الماء والسوق والمسجد.

فسوق الحوت القديم كان من الفضاءات الحيوية داخل المدينة، ووجود سقاية فيه ينسجم مع طبيعة النشاط اليومي والحاجة إلى الماء في فضاء تجاري شعبي.

وقربها من جامع القصبة يمنحها كذلك بعدا دينيا، لأن الماء مرتبط بالطهارة والوضوء، كما هو مرتبط بالحياة اليومية.

قنا الصياغين وعائلة اللبادي

من السقايات التي تحمل بعدا اجتماعيا خاصا القنا الذي حبسته عائلة اللبادي بمنطقة الصياغين. فهذا النوع من السقايات يكشف دور العائلات التطوانية في خدمة الحومة، من خلال تحبيس الماء وجعله في متناول الناس.

والتحبيس هنا ليس فقط عملا خيريا، بل هو مساهمة في بناء الذاكرة العمرانية والاجتماعية للمدينة. فحين ترتبط سقاية باسم عائلة، فهذا يعني أن الماء أصبح يحمل أيضا أثرا من آثار الوقف والعطاء المحلي.

السقايات وفائض الماء خارج الأسوار

كانت مياه بعض السقايات تتجاوز أسوار المدينة العتيقة لتروي الأراضي الفلاحية المجاورة، خاصة السقايات الموجودة قرب الأبواب والأسوار.

ومن الأمثلة على ذلك أقنية زنقة الشريشار، قرب ضريح الولي الصالح سيدي الصعيدي. ورغم أن صبيب بعض الأقنية كان ضعيفا وغير منتظم، فإن فائض المياه كان يوجه لري الأراضي عوض إهداره.

وهذا يعكس وعيا بيئيا وتقنيا مبكرا لدى أهل تطوان، يقوم على عدم تبذير الماء، واستعمال الفائض في الفلاحة، وربط المدينة بمحيطها الأخضر.

القْنا والتوازن البيئي

لم تكن الأقنية تخدم البشر فقط، بل كانت لها وظيفة بيئية واضحة. فقد شكلت هذه السقايات مصدر ماء للطيور والحيوانات الأليفة، وكانت بعض السقايات مجهزة بأحواض أو أوعية خاصة لشرب الحيوانات.

ويكشف هذا الأمر وعيا مهما لدى سكان تطوان، الذين أدركوا دور الطيور والحيوانات في التوازن البيئي داخل المدينة، وفي الحد من انتشار بعض الحشرات والقوارض الناقلة للأمراض.

فالقْنا، بهذا المعنى، كانت جزءا من نظام حضري متكامل: تسقي الإنسان، وتخدم الحيوان، وتحافظ على النظافة، وتدعم التوازن الطبيعي داخل المدينة العتيقة.

اندثار بعض الأقنية وتضرر أخرى

رغم الأهمية التاريخية والجمالية والاجتماعية للأقنية، فإن عددا منها اندثر ولم يعد له وجود، بينما تضرر بعضها الآخر، وأتلفت صهاريجه أو صنابيره النحاسية، مما أثر سلبا على جماليتها ووظيفتها.

وقد أكد الباحث بوعبيد بوزيد، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن عددا من الأقنية فقدت جزءا من دورها ومظهرها الأصلي.

وهذا يطرح اليوم سؤال حماية هذه السقايات، ليس فقط كعناصر معمارية صغيرة، بل كجزء من التراث المائي والروحي والاجتماعي لتطوان.

شبكة السكوندو: نظام مائي أصيل

لا يمكن الحديث عن سقايات تطوان دون الحديث عن شبكة السكوندو، وهي الشبكة التقليدية التي كانت توزع الماء داخل المدينة العتيقة.

وقد وصف بعض المؤرخين أهل تطوان بأنهم كانوا متمتعين بالمياه الجارية والراكدة تمتعا كبيرا، يقارب ما عرفه أهل فاس بوادي جواهرهم وعيونهم. فالمدينة القديمة كانت زاخرة بالعيون المائية التي تجري في قنوات فخارية وضعت لهذه الغاية، لتصل إلى المساجد، والبيوت القديمة، والسقايات.

وكان هذا الماء يعرف باسم ماء السكوندو، وهو ماء عذب صاف، وإن وصف أحيانا بأنه ثقيل في الجملة.

أصل تسمية السكوندو

توجد تفسيرات متعددة لأصل تسمية السكوندو. فهناك من يرى أن الاسم أطلق بعد فترة الحماية الإسبانية، لأن كلمة Segundo بالإسبانية تعني “الثاني”، وربما أطلق على هذا الماء باعتباره “الماء الثاني” بعد عثور الإسبان على عيون أخرى في ضاحية سيدي طلحة، نسبة إلى الشيخ الصالح أبي يعلى سيدي طلحة الدريج.

وفي المقابل، تقدم الأستاذة أمينة اللوه رأيا آخر، حيث تعتبر أن كلمة سكوندو تحريف لكلمة Segundo، وهو اسم عائلة أندلسية موريسكية نزحت إلى تطوان.

أما الرأي الذي يربط الاسم بمخطط ومهندس الشبكة، فيرى أن ماء السكوندو أخذ اسمه من الشخص الذي خطط وهندس نظام التوزيع، أي سكوندو Segundo.

وتعدد هذه التفسيرات يبرز أن السكوندو ليس فقط شبكة ماء، بل موضوع ذاكرة ورواية محلية وتاريخية.

منبع ماء السكوندو

يوجد منبع ماء السكوندو في جبل درسة، وقد نقل الماء إلى المدينة عبر قناة ضخمة، تم إيصالها إلى المنطقة التي توجد فيها زنقة القائد أحمد.

ومن هناك، تم توزيع الماء توزيعا دقيقا ومدهشا على مختلف أجزاء المدينة العتيقة. وقد تمت مقارنة نظام توزيع ماء السكوندو بنظام توزيع الماء في بلنسية، فظهر أنهما يقومان على هندسة واحدة أو قريبة جدا.

وهذا المعطى مهم، لأنه يكشف الأثر الأندلسي أو الموريسكي في هندسة الماء بتطوان، ويؤكد أن المدينة لم تنقل فقط العمارة والذوق الأندلسي، بل نقلت أيضا تقنيات دقيقة في تدبير الموارد المائية.

ماء في كل دار

من أجمل ما يروى عن شبكة السكوندو أن كل دار في تطوان القديمة كان يوجد بها نبع متدفق من ماء السكوندو، وهو ما يبين مدى دقة النظام وفعاليته.

فالماء لم يكن يصل فقط إلى السقايات العمومية، بل كان يدخل إلى الدور، والمساجد، والحمامات، والبنايات الرئيسية، ضمن نظام توزيع تقليدي يقوم على القنوات الفخارية، والمعدات، والمشارب، والخزانات.

ورغم أن استعمال هذا الماء أبطل حاليا لأسباب متعددة، فإن قيمة النظام التاريخية والمعمارية لا تزال قائمة، لأنه يمثل واحدة من أذكى البنيات المائية التقليدية في المغرب.

الخزان والصندوق

من أهم مكونات شبكة السكوندو الخزان والصندوق.

فالخزان يشير إلى عملية تجميع المياه قبل توزيعها، وهو منشأة تتصل مباشرة بالمنبع المائي. ويكون عادة مكانا محكم البناء، له باب يفتح على الزقاق أو على مرفق عمومي.

ويتوسط هذا الخزان صهريج ماء صغير يسمى الصندوق، وهو مزود بمشارب تطابق عدد قسمات المستفيدين. ومن خلال هذه المشارب، يتم ضبط حصص الماء وتوزيعها على المستفيدين أو الوحدات المرتبطة بالشبكة.

وهذا يدل على أن توزيع الماء كان يخضع لنظام دقيق، لا للعشوائية.

المعدة وأنواعها

تعد المعدة من أهم عناصر شبكة السكوندو، وهي آنية مستطرقة في الغالب ولا تصدأ. وتنقسم المعدة من حيث وظيفتها إلى ثلاثة أنواع أساسية.

الأولى هي معدة القسمة، ويتم من خلالها توزيع الماء إلى القنوات الفرعية بعد التأكد من صلاحيته وجودته.

الثانية هي معدة كأس عدل، وهي المكان الذي تجمع فيه مياه الفيض القادمة مما يعرف بالعقدة.

الثالثة هي معدة الفيض، وهي أشبه ببئر شبه سطحي، تقع عادة في مستوى أقل من القناة، وتسمى أيضا بمعدة المياه الجارية، لأن لها مخرجا أو مفجرا للمياه في مستوى قعرها يسمح بصرف المياه خارجها، وبالتالي خارج القناة المتصلة بها.

وتكشف هذه المصطلحات عن دقة تقنية كبيرة في لغة الماء بتطوان.

المعدة البسيطة والمركبة وكراع الفلوس

تنقسم المعدة كذلك من حيث تركيبها إلى ثلاثة أنواع.

المعدة البسيطة، وتحتوي على عتلة واحدة، تسمى أحيانا بالمشرب.

المعدة المركبة، وتتوفر على عتلتين.

أما كراع الفلوس، فهو عبارة عن معدة قسمة رئيسية، تنتهي عندها قناة رئيسية، وتتفرع عنها مجموعة من القنوات الثانوية، التي تتصل بالمعدات البسيطة والمركبة.

وهذه التفاصيل التقنية تبرز أن شبكة السكوندو كانت قائمة على هندسة مائية دقيقة، لها مصطلحاتها ومكوناتها ووظائفها الخاصة.

الطالع والمشرب

من مكونات الشبكة أيضا الطالع والمشرب.

والطالع هو قناة من الفخار أو أكثر، توضع وسط المعدة بشكل عمودي، وتتصل من أسفلها مباشرة بقناة المياه، أما في أعلاها فيوجد ثقب يسمح بنزول الماء داخل المعدة.

أما المشرب، فهو الذي يزود المحل بالماء أو يصرفه نحو وحدات أخرى. ويعرف المشرب الذي يزود المحل باسم الداخل، أما الذي يصرف المياه نحو وحدات استهلاكية أخرى فيسمى الخارج.

وهذا التقسيم بين الداخل والخارج يوضح كيف كان الماء يدخل إلى الوحدات ويخرج منها ضمن نظام مضبوط ومراقب.

السكوندو والذاكرة الأندلسية

تكشف شبكة السكوندو عن حضور عميق للذاكرة الأندلسية في تطوان. فالمقارنة بينها وبين نظام توزيع الماء في بلنسية، وارتباط الاسم بتفسير إسباني أو موريسكي، ووجود قنوات فخارية دقيقة، كلها عناصر تؤكد أن تدبير الماء كان جزءا من الإرث الحضاري الذي حمله الأندلسيون والموريسكيون إلى المدينة.

وهنا نرى أن الأثر الأندلسي في تطوان لم يقتصر على البياض، والأقواس، والبيوت، والحرف، بل شمل أيضا البنية التحتية المائية، وطريقة توزيع الماء، وثقافة استعماله.

الماء والطهارة والكرامة

في الثقافة الإسلامية، يحمل الماء دلالة رمزية وروحية قوية، لأنه يرتبط بالطهارة والوضوء، ويمهد للصلاة. لذلك كان حضور السقايات قرب المساجد والزوايا والأسواق والأبواب جزءا من علاقة المدينة بالدين والحياة اليومية.

وفي تطوان، ظل ماء السقايات يحتفظ في الذاكرة الشعبية بدلالة خاصة، حتى إن بعض الناس يعتبرون ماء الأقنية أكثر صفاء وذا كرامات مقارنة بالماء الذي توزعه الشركات الحديثة.

وهذه النظرة ليست فقط حنينا إلى الماضي، بل تعبير عن علاقة وجدانية عميقة بين السكان والماء القديم، باعتباره ماء الحومة، وماء الوقف، وماء الأجداد، وماء السكوندو.

لماذا يجب حماية القْنا؟

تحتاج سقايات تطوان اليوم إلى عناية خاصة، لأنها ليست مجرد عناصر صغيرة في الأزقة، بل ذاكرة مائية واجتماعية وروحية للمدينة العتيقة.

فترميم القْنا، وحماية صنابيرها وصهاريجها، والتعريف بأسمائها وتاريخها، يمكن أن يحولها إلى جزء من مسار سياحي وثقافي داخل تطوان. كما أن وضع لوحات تعريفية بجانبها قد يساعد الزوار والسكان على فهم قيمتها.

إن ضياع سقاية واحدة يعني ضياع قطعة من ذاكرة المدينة، لأن القْنا لا تختزن الماء فقط، بل تختزن قصص الحومات، والجيران، والوقف، والعبور، واللقاء.

خلاصة

تشكل سقايات مدينة تطوان العتيقة، أو القْنا، جزءا أساسيا من الذاكرة العمرانية والاجتماعية للمدينة. فقد بلغ عددها حوالي 44 قْنا، موزعة على أهم الأزقة والفضاءات، قرب الزوايا، والأسواق، والأبواب، والحومات، لخدمة السكان والحرفيين والزوار.

وقد ارتبطت هذه السقايات بشبكة مائية تقليدية دقيقة تعرف باسم شبكة السكوندو، تنقل الماء من منابع جبل درسة وعيون أخرى عبر قنوات فخارية، ثم توزعه على السقايات، والمساجد، والحمامات، والدور القديمة، وفق نظام يعتمد على الخزانات، والصناديق، والمعدات، والمشارب.

ومن أشهر هذه السقايات قنا باب العقلة، المبنية في عهد القائد محمد بن عمر لوقش ما بين 1751 و1758، وقنا سوق الحوت القديم، وقنا الزاوية الفاسية، وقنا باب التوت، وقنا المعدة بحي الطرانكات.

لقد كانت القْنا في تطوان أكثر من ماء. كانت نقطة لقاء، وحقا عاما، وصدقة جارية، وعنصرا بيئيا، ومعلما عمرانيا، وشاهدا على عبقرية المدينة في تدبير مواردها. ولذلك فإن توثيقها وحمايتها هو حماية لذاكرة تطوان المائية، ولواحد من أجمل أسرار المدينة العتيقة.

اعتمادا على معطيات حول سقايات تطوان وشبكة السكوندو، وعلى مراجع منها: أحمد الرهوني، محمد العربي الشاوش، أمينة اللوه، خالد الرامي، محمد العبدلاوي، وعبد العزيز حيون.

سقاية باب العقلة بتطوان

Comments

  • No comments yet.
  • Add a comment