تحتل مدينة تطوان مكانة خاصة في تاريخ الصحافة المغربية، ليس فقط لأنها عرفت صدور عدد كبير من الجرائد والمجلات، بل لأنها جعلت من الصحافة أداة للوعي، والثقافة، والدفاع عن الهوية الوطنية، ومواجهة الاستعمار بالكلمة والفكر.
فخلال فترة الحماية، وخاصة منذ ثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت تطوان واحدة من أهم مراكز النشاط الصحفي في المغرب. وقد توفرت لها عوامل متعددة ساعدت على نهضة المجال الصحفي، من بينها بروز نخبة من المثقفين والأدباء والعلماء، ووجود حركة وطنية نشيطة، وتوفر مطابع محلية، إضافة إلى هامش من حرية التعبير لم يكن متاحا بنفس الشكل في مناطق أخرى من المغرب.
ورغم ضعف الإمكانات المادية، استطاعت الصحافة التطوانية أن تنتج جرائد ومجلات متنوعة، سياسية، ثقافية، دينية، أدبية، فنية، رياضية، وقانونية، مما جعلها مرآة حقيقية للحياة الفكرية والوطنية بالمدينة.
كانت تطوان خلال هذه المرحلة رائدة في المجال الصحفي، إذ ساهمت صحافتها في تنشيط الحياة الفكرية، وربط المدينة بقضايا المغرب والعالم العربي والإسلامي. وقد تميزت كتابات الصحف والمجلات التطوانية بأسلوب سلس، بعيد عن التعقيد، قريب من الأسلوب الذي كان معروفا في الصحافة الراقية بالمشرق العربي.
ولم تكن الصحافة في تطوان مجرد نشر أخبار، بل كانت فضاء للنقاش، والتربية، والإصلاح، والدفاع عن القضايا الوطنية. فقد تناولت الصحف مواضيع اجتماعية، ووطنية، وإسلامية، وثقافية، وساهمت في تكوين رأي عام جديد داخل شمال المغرب.
ولهذا يمكن القول إن الصحافة التطوانية كانت من أهم وجوه النهضة الفكرية التي عرفتها المدينة، إلى جانب التعليم، والأدب، والعمل الوطني، والمحافظة على الأصالة.
من الوثائق المهمة التي تكشف غنى الصحافة بتطوان، اللائحة التي أصدرتها وزارة الإعلام بالمدينة بمناسبة المعرض الصحفي الأول بتطوان، المنظم بتاريخ 5 مارس 1978. وقد تضمنت هذه اللائحة أسماء عدد كبير من الصحف والمجلات التي صدرت بتطوان، مع ذكر مؤسسيها أو مديريها وطبيعة كل جريدة أو مجلة.
وتضم هذه اللائحة عناوين كثيرة، من بينها: الاتحاد، الأخبار، الإصلاح، الإرشاد الديني، الأمة، الأنوار، الأنيس، بريد الصباح، تمودة، الحرية، الحياة، الدستور، الريف، السلام، الشهاب، لسان الدين، المعرفة، المغرب الجديد، المغرب الحر، الميثاق، النصر، الهدى، والوحدة المغربية.
وتكشف هذه اللائحة عن تنوع كبير في الاتجاهات: صحف سياسية وطنية، مجلات دينية إصلاحية، جرائد إخبارية، مجلات أدبية وثقافية، صحف رياضية، مجلات قانونية، ومطبوعات اقتصادية وفنية.
من الناحية التاريخية، تعتبر تطوان ثاني مدينة مغربية عرفت صدور صحيفة سيارة. وكانت أول صحيفة ظهرت بها إسبانية اللغة، تحمل اسم طنين تطوان أو ما يقابله بالإسبانية، وصدرت سنة 1860 خلال الاحتلال الإسباني الأول للمدينة.
لم يصدر من هذه الجريدة في تلك الفترة إلا عدد واحد مؤرخ بـ فاتح مارس 1860، وكانت تطبع في مطبعة حربية إسبانية أقيمت بساحة الفدان، أي ساحة الحسن الثاني حاليا. وتكتسب هذه المطبعة أهمية خاصة لأنها تعد من أوائل المطابع التي اشتغلت في المغرب خارج المراكز الساحلية الشمالية المحتلة مثل سبتة ومليلية.
بعد ذلك ظهرت جريدة أخرى هي مخبر تطوان، أو El Noticiario de Tetuán، وقد صدر عددها الأول بتاريخ 16 غشت 1860، واستمرت إلى 3 فبراير 1861. وكانت تصدر من مطبعة كتماري، التي كان مقرها بشارع المشور، أو شارع إيبيريا كما سماه الإسبان آنذاك. وتذكر المعطيات أنها كانت من أوائل المطابع الإسبانية بالمغرب التي استعملت حروفا عربية.
وقد كانت هاتان الجريدتان لسان حال الجالية الإسبانية، وتهتمان بالعلاقات المغربية الإسبانية، وتخدمان المصالح الاستعمارية في إفريقيا. ورغم ذلك، فهما تمثلان البداية المبكرة لحضور الصحافة المطبوعة بمدينة تطوان.
بعد الاحتلال الإسباني الثاني لتطوان، بدأت تظهر صحف ناطقة بالعربية، لكنها في البداية كانت تعبر في الغالب عن آراء الجهات الرسمية أو شبه الرسمية. واستمر هذا الوضع إلى أوائل العقد الرابع من القرن العشرين.
ومنذ الثلاثينيات، بدأت الصحافة ذات الاتجاه الوطني المغربي تظهر بقوة في تطوان، وبدأت ترسخ في النفوس العقائد الإسلامية والوطنية والعربية، وتدعو إلى توحيد الصفوف ومواجهة نظام الحماية سياسيا وفكريا.
ولهذا يمكن تقسيم الصحافة بتطوان، من بداية الحماية إلى الاستقلال، إلى مرحلتين رئيسيتين:
المرحلة الأولى: من بداية الاحتلال والحماية إلى أوائل الثلاثينيات، وهي مرحلة الصحافة الرسمية وشبه الرسمية.
المرحلة الثانية: من أوائل الثلاثينيات إلى سنة 1956، وهي مرحلة ازدهار الصحافة الوطنية والثقافية.
يرجع ازدهار الصحافة بتطوان إلى عدة عوامل متداخلة. فقد كانت المدينة منذ الثلاثينيات من المراكز النشيطة للحركة الوطنية بالمغرب، خاصة في أنواع النشاط التي كانت محظورة أو مضيقة في مناطق الحماية الفرنسية.
كما ساهمت طبيعة العلاقة بين الإسبان والفرنسيين في فتح هامش لبعض الصحافة الوطنية بالشمال، خصوصا حين كانت هذه الصحافة تنتقد سياسة الحماية الفرنسية وتفضح ممارساتها.
ومن الأسباب المهمة أيضا الحرب الإسبانية سنة 1936، حيث حاول فرانكو كسب عطف المغاربة ومساندتهم، فتم التساهل مع إصدار الصحف الوطنية في الشمال المغربي. وقد تمتعت الصحافة الوطنية بتطوان بهامش حرية تعبير واسع نسبيا، حتى قيل إن الصحف الوطنية في الشمال تمتعت بحرية لم تكن الصحافة الإسبانية نفسها تعرفها.
كما كان الشمال المغربي ملجأ لعدد من الوطنيين والمثقفين القادمين من الجنوب، فوجدوا في صحافة تطوان فضاء لنشر آرائهم والدفاع عن القضية المغربية. ومن الأسماء التي كانت تنشر في صحافة الشمال: علال الفاسي، محمد بلحسن الوزاني، سعيد حجي، عبد الوهاب بنمنصور، وغيرهم.
لم يكن ازدهار الصحافة ممكنا دون وجود مطابع ساعدت على إخراج الجرائد والمجلات إلى الوجود. ومن أبرز المطابع التي لعبت دورا مهما في تطوان:
المطبعة المهدية، التي طبعت عددا من الجرائد والمجلات مثل المعرفة، الأخبار، الإرشاد الديني، الأمة، الأنوار، الأنيس، الحرية، الحياة، الريف، السلام، ولسان الدين.
مطبعة المخزن، التي كانت تطبع الجريدة الرسمية.
المطبعة الحسنية، التي طبعت الرابطة الرياضية وبعض المطبوعات الأخرى.
مطبعة الوحدة المغربية، التي طبعت جريدة الوحدة المغربية.
مطبعة Coloniales، التي طبعت مجلة الإصلاح وجريدة الاتحاد.
مطبعة بريد الصباح، التي كانت تطبع الجريدة المعروفة بنفس الاسم.
وقد ساهم وجود هذه المطابع في جعل تطوان مدينة منتجة للصحافة، لا مجرد مدينة مستهلكة للأخبار القادمة من الخارج.
من أهم الجرائد الوطنية التي ظهرت بتطوان جريدة الحياة، وهي جريدة وطنية أسبوعية، صدر عددها الأول يوم الخميس فاتح مارس 1934، وكان يتولى تحريرها الأستاذ عبد الخالق الطريس.
ابتداء من العدد 32 من السنة الأولى، تولى الأستاذ التهامي الوزاني رئاسة التحرير، بعد أن أسندت إلى عبد الخالق الطريس وظيفة مديرية أحباس المنطقة.
وقد لعبت جريدة الحياة دورا مهما في التعبير عن الوعي الوطني، وفي الدفاع عن قضايا المغرب والشمال، وكانت من الصحف التي ميزت بداية المرحلة الجديدة للصحافة التطوانية.
من الجرائد المهمة أيضا جريدة الأخبار، التي أصدرها المؤرخ الكبير محمد داود. وقد صدر عددها الأول بتاريخ 21 ذي الحجة 1354هـ / 15 مارس 1936م.
كانت الأخبار جريدة وطنية جامعة، تصدر مؤقتا مرتين في الأسبوع، واهتمت بالقضايا الوطنية والثقافية. ويكتسب صدورها أهمية خاصة لأن مؤسسها محمد داود لم يكن صحفيا فقط، بل واحدا من كبار مؤرخي تطوان، مما جعل الجريدة جزءا من مشروع أوسع لخدمة الثقافة والذاكرة الوطنية.
ظهرت جريدة الريف كجريدة وطنية حرة سياسية ثقافية، وكان يتولى تحريرها الأستاذ التهامي الوزاني. وقد صدر عددها الأول يوم الخميس 9 جمادى الثانية 1355هـ / 27 غشت 1936م.
وتكشف هذه الجريدة عن حضور الريف والشمال في الوعي الوطني التطواني، كما تعكس دور التهامي الوزاني في المجال الصحفي والأدبي والسياسي. فقد كان من أبرز الأقلام التي ربطت بين الصحافة والثقافة والوطنية في شمال المغرب.
من الصحف الوطنية البارزة أيضا جريدة الوحدة المغربية، لسان حال حزب الوحدة المغربي، وقد صدر عددها الأول بتاريخ 21 ذي القعدة 1355هـ / 3 فبراير 1937م، وأصدرها الأستاذ الشيخ محمد المكي الناصري.
أما جريدة الحرية، فكانت لسان حال حزب الإصلاح الوطني، وتولى إدارتها الأستاذ أحمد غيلان، وقد صدر عددها الأول في فاتح محرم 1356هـ.
ثم جاءت جريدة الأمة، وهي أيضا لسان حال حزب الإصلاح الوطني، وتولى رئاسة تحريرها الأستاذ محمد بن محمد الخطيب. وقد صدر عددها الأول يوم الخميس 6 شعبان 1371هـ / 1 ماي 1952م، وكانت تصدر في البداية ثلاث مرات في الأسبوع، ثم صارت يومية.
وقد اكتسبت الأمة أهمية خاصة بعد نفي الملك محمد الخامس، ودخول المغرب مرحلة الكفاح من أجل عودة الشرعية والمطالبة بالاستقلال، حيث اهتمت بالأخبار الوطنية والدعاية القومية والاتجاهات الإسلامية.
من الجرائد السياسية التي صدرت بتطوان أيضا جريدة الدستور، التي أدارها وترأس تحريرها الأستاذ إبراهيم الوزاني. وقد صدر عددها الثاني بتاريخ 3 فبراير 1948، وكانت تعبر عن توجه حزب الشورى والاستقلال وزعيمه محمد بن الحسن الوزاني.
أما جريدة المغرب الحر، فكانت لسان حال حزب المغرب الحر، وتولى إدارتها وتوجيهها الأستاذ عبد السلام الطود. وقد بدأت في الصدور سنة 1952، ثم توقفت وعادت سنة 1955، قبل أن تتوقف سنة 1957 بعد أن صدر منها حوالي 69 عددا.
وتكشف هذه الصحف عن التنوع السياسي الذي عرفته تطوان، وعن تعدد الأصوات الوطنية والحزبية التي وجدت في المدينة مجالا للتعبير والنقاش.
إلى جانب الجرائد الكبرى، عرفت تطوان صدور صحف أخرى لعبت أدوارا مختلفة، منها:
جريدة إفريقيا، وكانت صفحة محررة بالعربية من جريدة إسبانية، وصدرت صفحتها العربية سنة 1935.
الجريدة الرسمية لوزارة الأوقاف بالمنطقة، التي تأسست سنة 1937.
بريد الصباح، التي كانت تصدر في صفحة واحدة، واستمرت نحو 18 سنة، وأسست سنة 1945، وكان يحررها الأستاذ محمد الوزاني، أخو التهامي الوزاني.
جريدة الشهاب، وهي جريدة أسبوعية مغربية جامعة، أسست سنة 1946، وكان يحررها ويديرها الأستاذ محمد العربي الشويخ.
الرابطة الرياضية، وهي من التجارب الصحفية الرياضية المبكرة، وكان يصدرها الأستاذ بركة الريسوني.
لم تكن الصحافة التطوانية جرائد سياسية فقط، بل عرفت أيضا مجلات ثقافية وأدبية وتاريخية مهمة. ومن أبرزها مجلة السلام، التي أصدرها المؤرخ محمد داود.
صدر الجزء الأول من مجلة السلام في جمادى الآخرة 1352هـ / أكتوبر 1933م، وكانت تعرف نفسها بأنها مجلة شهرية مصورة جامعة. وقد اهتمت بنشر النصوص التاريخية والصور التذكارية، وصور المآثر العمرانية والشخصيات العلمية والسياسية في العصر.
وتعد مجلة السلام واحدة من أبرز المجلات التي ربطت بين الصحافة والتوثيق التاريخي والذاكرة البصرية لتطوان.
من المجلات المهمة أيضا مجلة المغرب الجديد، وهي مجلة أدبية ثقافية اجتماعية، أشرف عليها وحررها الأستاذ الشيخ محمد المكي الناصري، وتولى إدارتها الأستاذ محمد العربي بنجلون. صدر عددها الأول في ربيع الأول 1354هـ / 1935م، وعاشت تحت الرقابة السلطوية، حتى طبعت على بعض أعدادها عبارة الرقابة بالإسبانية: Visado por la censura.
أما مجلة الإرشاد الديني، فهي مجلة ثقافية إسلامية أسسها وأدارها العلامة محمد الطنجي التطواني. وقد صدر أول عدد منها في ذي القعدة 1357هـ / يناير 1939م، وكان هدفها نشر الوعي الديني، وإرشاد الناس إلى مبادئ الإسلام على أساس عقيدة السلف.
عرفت تطوان خلال الأربعينيات صدور عدد من المجلات الثقافية والأدبية المهمة. من بينها مجلة الأنيس، التي أسست سنة 1946، وكان مديرها المسؤول محمد المراكشي، ثم خلفه بعد وفاته سنة 1948 محمد الجحرة. وقد صدر منها 76 عددا على الأقل، واستمرت إلى حدود سنة 1953.
كما ظهرت مجلة لسان الدين سنة 1946، وهي مجلة دينية أدبية جامعة، أسسها العلامة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي، ثم أسندت رئاستها لاحقا إلى العلامة عبد الله كنون. وقد عرفت باتجاه سني سلفي وطني.
ومن المجلات المهمة كذلك مجلة الأنوار، التي صدر عددها الأول في يناير 1946، وتولى رئاسة تحريرها الأستاذ أحمد مدينة، وكان مديرها الفني عبد الكريم داود. وقد اهتمت في البداية بالفنون، مثل السينما والمسرح والأدب، ثم اتسعت للدراسات الأدبية والعلمية والتاريخية.
أما مجلة المعرفة، فكانت مجلة نصف شهرية للعلوم والآداب والفنون، تولى رئاسة تحريرها الأستاذ حسن أحمد المصمودي. أسست سنة 1946، واستمرت إلى سنة 1956، وكانت تهتم بالشؤون المغربية والعربية والسياسية والاجتماعية.
من التجارب الصحفية والثقافية المميزة في تطوان مجلة المعتمد، التي أرادت أن تكون همزة وصل بين الشرق والغرب، من خلال ترجمة الروائع العربية والإسبانية. وكانت تشتمل على قسم عربي يشرف عليه الأستاذ محمد الصباغ، وقسم إسباني يشرف عليه بيوكوميث نيسا. وقد بدأت في الصدور سنة 1948، واستمرت إلى سنة 1955.
كما ظهرت مجلة كتامة، وهي ملحق أدبي بالعربية والإسبانية لمجلة تمودة التي كانت تصدر بتطوان باللغة الإسبانية. صدر عددها الأول في يناير 1953، وقدمت مقتطفات من الأدبين العربي والإسباني. وساهم في تحرير القسم العربي والترجمة عدد من الأساتذة المغاربة، منهم محمد الصباغ، عبد اللطيف الخطيب، ومحمد العربي الخطابي. وقد صدر منها 13 عددا، آخرها في دجنبر 1959.
وتكشف هاتان التجربتان عن دور تطوان كمدينة تواصل ثقافي بين العربية والإسبانية، وبين المغرب والضفة الأخرى من المتوسط.
من التجارب المتخصصة التي عرفتها تطوان مجلة القوانين المغربية، وهي مجلة للدراسات القانونية والقضائية، أسسها وأدارها المحامي اللبناني موسى عبود. صدر عددها الأول في يناير 1954، وكانت تعنى بنشر الظهائر والقوانين والتعليق عليها، ونشر الأحكام المهمة الصادرة عن المحاكم، وأخبار العدالة وسيرها. وقد صدر منها ستة أعداد على الأقل، آخرها عدد يونيو 1955.
أما مجلة الصديقة، فهي مجلة ثقافية أدبية أخلاقية، شرع في إصدارها سنة 1374هـ / 1955م، وتولى إدارتها الأستاذ الأديب محمد بوخبزة وجماعة من أصحابه، وكانوا آنذاك طلاب علم. وقد صدر منها خمسة أعداد، آخرها عدد رمضان 1374هـ / أبريل 1955م.
أهم ما يميز الصحافة بتطوان أنها لم تكن مجرد تجربة إعلامية، بل كانت جزءا من مشروع وطني وثقافي. فقد ساهمت في نشر التعليم، وتوحيد الكلمة، ومواجهة الاستعمار، والتعريف بالقضية المغربية، وربط الشمال بباقي مناطق المغرب.
كما فتحت صفحاتها أمام كتاب من الشمال والجنوب، وخلقت فضاء مشتركا للوطنيين والمثقفين والعلماء والأدباء. وبذلك أصبحت تطوان مركزا صحفيا حقيقيا، لعب دورا مهما في تاريخ المغرب الحديث.
وقد كان من اللافت أن الصحافة التطوانية جمعت بين السياسة والثقافة والدين والأدب والفن والرياضة والقانون، مما يعكس حيوية المجتمع التطواني وتعدد اهتماماته.
تعد الصحافة بمدينة تطوان واحدة من أهم صفحات التاريخ الثقافي والوطني بالمغرب. فمنذ صدور الجرائد الإسبانية الأولى سنة 1860، مرورا بمرحلة الصحافة الرسمية وشبه الرسمية، وصولا إلى ازدهار الصحافة الوطنية منذ ثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت تطوان مدينة للكلمة والفكر والنقاش.
وقد احتضنت المدينة جرائد ومجلات كبرى مثل الحياة، الأخبار، الريف، الوحدة المغربية، الحرية، الأمة، المغرب الحر، السلام، الإرشاد الديني، الأنيس، لسان الدين، الأنوار، المعرفة، المعتمد، وكتامة.
وبفضل هذه التجارب، ساهمت تطوان في تكوين وعي وطني وثقافي عميق، وجعلت من الصحافة أداة للمقاومة الفكرية، والتربية، والإصلاح، والحوار بين الثقافات. لذلك تستحق الصحافة التطوانية أن تُقرأ اليوم لا كأرشيف قديم فقط، بل كجزء من هوية المدينة وذاكرتها الحديثة.