عندما تُذكر تطوان اليوم، تتصدر صورتها باعتبارها مدينة للفنون والتراث الأندلسي والصناعة التقليدية، وواجهة حضرية مرتبطة بالسياحة الثقافية والشاطئية. غير أن هذه الصورة، رغم أهميتها، تخفي جانباً أساسياً من تاريخ المدينة: تطوان الصناعية والمنتجة.
فمنذ السنوات الأولى للحماية الإسبانية، ظهرت في تطوان معامل للثلج والمشروبات، ثم للوقيد والورق والمواد الكيماوية والتبغ والنسيج والصابون والأحذية والمسامير والمطاط والإسمنت والآجر والقرميد، إلى جانب المطابع والمسابك ومحطات الكهرباء وسكة حديد لنقل الأشخاص والبضائع.
واستمر جزء من هذا النشاط بعد استقلال المغرب، مع توسع صناعة الورق والإسمنت ومواد البناء والنسيج والملابس والطباعة والصناعات الغذائية. لكن أغلب هذه الوحدات تراجعت أو تحولت أو انتقلت إلى خارج المجال الحضري، بالتزامن مع توسع العمران وصعود العقار والخدمات والسياحة، وتمركز الاستثمار الصناعي الحديث في طنجة ومحيط ميناء طنجة المتوسط.
فهل كانت تطوان بالفعل مدينة صناعية؟ وما أبرز معاملها؟ وكيف اختفى جزء مهم من ذاكرتها العمالية والإنتاجية لصالح صورة المدينة السياحية والثقافية؟
لا تتوفر، إلى اليوم، قاعدة بيانات موحدة تضم جميع معامل تطوان وتواريخ تأسيسها وإغلاقها وعدد عمالها. لذلك يعتمد هذا البحث على مجموعة من المصادر المتفرقة، من بينها الإحصاءات الصناعية، والصور والإعلانات الأرشيفية، والوثائق المرتبطة بالشركات، والدراسات حول الحماية الإسبانية، إضافة إلى الذاكرة المحلية وشهادات سكان المدينة.
ولهذا يجب التمييز بين:
هذا التمييز لا يقلل من أهمية الذاكرة الشفوية، بل يحمي تاريخ المدينة من الخلط بين المشروع المعلن، والشركة المؤسسة قانونياً، والمعمل الذي دخل فعلياً مرحلة الإنتاج.
لم يبدأ النشاط الإنتاجي في تطوان مع الحماية الإسبانية سنة 1912. فقد كانت المدينة العتيقة، منذ قرون، فضاءً منظماً للحرف والتجارة، حيث ارتبطت بعض الأزقة والأسواق بأصناف معينة من المهن.
وشملت الأنشطة التقليدية:
لم تكن هذه الأنشطة صناعة آلية بالمفهوم الحديث، لكنها شكلت قاعدة تقنية واجتماعية مهمة. فقد توفرت في المدينة يد عاملة تمتلك خبرة في النسيج والجلد والخشب والمعادن والطباعة، وهو ما سهّل ظهور الورشات المنظمة والمعامل خلال القرن العشرين.
وما يزال هذا البعد الإنتاجي مستمراً في الصناعة التقليدية؛ إذ تشير اليونسكو إلى وجود قرابة ستة آلاف وحدة حرفية بتطوان، مع دخول أكثر من 150 صانعاً شاباً إلى سوق الشغل سنوياً. وهذا يؤكد أن الحرفة في تطوان ليست مجرد مشهد سياحي، بل نشاط اقتصادي منتج. تطوان ضمن شبكة المدن المبدعة لليونسكو
تحولت تطوان خلال فترة الحماية الإسبانية، بين 1912 و1956، إلى العاصمة السياسية والإدارية للمنطقة الخاضعة للنفوذ الإسباني في شمال المغرب.
ونتيجة تركز الإدارة والجيش والتجار والموظفين والخدمات، ارتفع الطلب على الكهرباء والماء والنقل ومواد البناء والأغذية والورق والطباعة والمنتجات الاستهلاكية.
وتكشف دراسة للباحث ميمون عزيزة أن عدد سكان تطوان ارتفع من 49,535 نسمة سنة 1935 إلى 70,078 سنة 1940، ثم إلى 80,732 سنة 1950 و84,684 نسمة سنة 1955. وبذلك ازداد عدد السكان بنحو 71% خلال عشرين سنة فقط. دراسة حول تدبير مدن شمال المغرب خلال الحماية الإسبانية
احتاج هذا النمو السكاني والعمراني إلى معامل وشركات ومرافق جديدة، فظهرت صناعة الثلج والمشروبات والوقيد والورق والتبغ ومواد التنظيف، وتوسعت صناعات البناء والطباعة والنسيج.
لكن الصناعة في منطقة الحماية الإسبانية ظلت أضعف من نظيرتها في المنطقة الخاضعة للحماية الفرنسية. فقد تركزت الاستثمارات الإسبانية أساساً في المناجم والنقل والماء والكهرباء، بينما عانت الصناعة التحويلية من ضعف رأس المال ومحدودية السوق ومنافسة البضائع القادمة من إسبانيا.
لا يمكن أن تقوم الصناعة من دون طاقة ونقل وماء. ولذلك ارتبط ظهور معامل تطوان بتطور بنيتها الأساسية.
في سنة 1928، ساهم الوطني عبد السلام بنونة في تأسيس التعاونية الصناعية الإسبانية المغربية، وهي مبادرة هدفت إلى توفير الكهرباء للمدينة العتيقة. وبلغ رأسمالها، وفق المعطيات المنشورة حول سيرته، مليون بسيطة إسبانية.
كما حصلت شركة Electras Marroquíes سنة 1934 على امتيازات لاستغلال مياه حوض وادي لو، وأنشأت تجهيزات مرتبطة بإنتاج الكهرباء الكهرومائية.
أما خط سكة حديد سبتة–تطوان، فقد افتُتح يوم 17 مارس 1918، وكان يمتد على مسافة تقارب 41 كيلومتراً، ويضم خمس أنفاق وست قناطر وعدداً من المحطات.
أُنشئ الخط في البداية لأسباب عسكرية وإدارية، لكنه أدى دوراً اقتصادياً مهماً في نقل الأشخاص والسلع والمواد بين تطوان وميناء سبتة. وقد توقف نهائياً في فاتح يوليوز 1958 نتيجة تغير الحدود السياسية، ومنافسة النقل الطرقي، وضعف الاستثمار في تحديث السكة. تاريخ خط سكة حديد سبتة–تطوان
تكشف خريطة المعامل القديمة أن تطوان لم تعتمد على مصنع واحد، بل عرفت نسيجاً متنوعاً من الوحدات الإنتاجية.
| المعمل أو القطاع | أبرز المعطيات | درجة التحقق |
|---|---|---|
| معمل الوقيد Fosforera Marroquí | تأسس حوالي 1937، وبلغ إنتاجه سنة 1939 قرابة 120 ألف صندوق | موثق |
| مصنع الورق Papelera de Tetuán | تأسس في فاتح يناير 1948 على يد مجموعة Benet، وأنتج الورق والكرتون وعجين الورق | موثق بقوة |
| معمل COELMA | منتجات كيماوية ومواد تنظيف، وتوجد صور أرشيفية لمنشآته | موثق، تاريخ التأسيس غير محسوم |
| معمل التبغ | كان قائماً خلال الأربعينيات قرب معمل الوقيد | الوجود موثق، بعض التفاصيل تحتاج تدقيقاً |
| معامل الثلج والمشروبات | معمل Pérez y Aguirre ووحدة أسسها Salvador Alemany Payá حوالي 1914 | موثق محلياً |
| صناعة الجعة | تذكر وثائق محلية وحدة مرتبطة باسم Mahou سنة 1935 | طبيعة الوحدة تحتاج وثيقة حاسمة |
| الأحذية والجلود | مدرجة ضمن صناعات تطوان سنة 1952، مع روايات عن معمل قرب فيلا ناظور | القطاع موثق |
| معمل المسامير | مذكور في المصادر التاريخية المحلية | الاسم والتاريخ يحتاجان تدقيقاً |
| معمل المطاط | تحتفظ الذاكرة المحلية بوجوده | يحتاج وثائق إضافية |
| الإسمنت والجير | القطاع موجود قبل 1952، والمعمل الكبير يُربط محلياً بسنة 1955 | موثق قطاعياً |
| مشروع السكر | مشروع صناعي مذكور سنة 1930 | التشغيل الفعلي غير محسوم |
| النسيج والصابون | مشاريع مبكرة مرتبطة بعبد السلام بنونة، إلى جانب الغزل والأغطية | موثق إجمالاً |
| الآجر والقرميد والخزف | مذكورة ضمن الإحصاءات الصناعية لسنة 1952 | موثق قطاعياً |
| المطابع والمسابك | من بينها مطبعة Cremades ومسبكة Roque | موثق محلياً ويحتاج أرشيف الشركات |
يُعتبر معمل الوقيد، أو أعواد الثقاب، المعروف باسم Fosforera Marroquí، أحد أبرز معامل تطوان خلال فترة الحماية. وتشير المعطيات إلى تأسيسه حوالي سنة 1937.
وفي سنة 1939 بلغ إنتاجه نحو 120 ألف صندوق من أعواد الثقاب، مقابل استهلاك يقدر بحوالي 60 ألف صندوق داخل منطقة الحماية الإسبانية.
تكشف هذه الأرقام أن المعمل كان يتوفر على قدرة إنتاجية تقارب ضعف حاجيات السوق المحلية. ويرجح أن جزءاً من إنتاجه كان موجهاً إلى التخزين أو التسويق خارج المنطقة، وإن كانت وجهة الإنتاج الزائد تحتاج إلى وثائق تجارية أكثر تفصيلاً.
كما أن إنتاج الوقيد لم يكن نشاطاً بسيطاً، بل كان يحتاج إلى المواد الكيماوية والخشب والتغليف والطباعة والتخزين والنقل وشبكات التوزيع، ما يجعله جزءاً من سلسلة صناعية متكاملة نسبياً.
تأسست شركة Papelera de Tetuán في فاتح يناير 1948 على يد مجموعة Benet، وأصبحت أحد أشهر رموز الصناعة في المدينة وشمال المغرب.
شمل نشاطها:
وتشير المعطيات التاريخية إلى تصدير جزء من الإنتاج نحو جزر الكناري، وهو ما يعني أن نشاط المصنع تجاوز السوق المحلية ومنطقة الحماية.
واستفادت Papelera de Tetuán من وجود الإدارة والمطابع والصحف والمدارس والتجارة، وهي قطاعات كانت تحتاج باستمرار إلى الورق والدفاتر والوثائق ومواد التغليف.
كما ساهم المصنع في تشغيل العمال وتكوين خبرات تقنية مرتبطة بالآلات والصيانة والإنتاج والنقل والتخزين.
وبعد الاستقلال، واصلت الشركة نشاطها وخضعت لتحولات مالية وصناعية، وأُدرجت في بورصة الدار البيضاء سنة 1998، قبل أن تندمج سنة 2008 مع Safrifac لتكوين شركة Med Paper. وهذا يعني أن تاريخ المصنع لم ينته بإغلاق بسيط، بل عرف انتقالاً وإعادة هيكلة داخل صناعة الورق المغربية. نبذة عن Papelera de Tetuán وMed Paper
كان معمل COELMA متخصصاً في المنتجات الكيماوية ومواد التنظيف. وتوجد صور أرشيفية لمنشآته خلال فترة الحماية، ما يؤكد حضوره داخل النسيج الصناعي التطواني.
وتكتسب هذه الوحدة أهمية خاصة، لأن الصناعات الكيماوية تتطلب تجهيزات وتقنيات ومواد أولية تختلف عن الورشات الحرفية. كما كانت منتجاتها موجهة إلى حاجيات المنازل والإدارة والمؤسسات الصحية والعسكرية والمرافق العامة.
غير أن تاريخ تأسيس الشركة ورأسمالها وعدد عمالها وحجم إنتاجها ما تزال عناصر تحتاج إلى البحث في سجلات الشركات وغرفة التجارة وصحافة الحماية.
عرفت تطوان خلال الأربعينيات وجود وحدة صناعية مرتبطة بالتبغ، ويُرجح أن موقعها كان قريباً من معمل الوقيد.
وتربط بعض الروايات المحلية هذا النشاط باستثمارات رجل الأعمال الإسباني خوان مارش، مع استعمال آلات ألمانية. غير أن تفاصيل المساهمة المالية وطبيعة العلاقة القانونية تحتاج إلى توثيق أرشيفي إضافي.
ويشير وجود معمل للتبغ قرب معمل الوقيد إلى تشكل منطقة صناعية مبكرة، وإلى وجود أنشطة مشتركة مرتبطة بالطباعة والتغليف والتخزين والتوزيع.
ظهرت صناعة الثلج والمشروبات مبكراً في تطوان، بالتزامن مع بناء المدينة الحديثة وظهور الفنادق والمقاهي والمطاعم والمستشفيات.
وتذكر الذاكرة الحضرية معمل Pérez y Aguirre، الذي كان ينتج الثلج والمياه الغازية والعصائر، إضافة إلى معمل أسسه Salvador Alemany Payá حوالي سنة 1914.
وكان الثلج منتجاً أساسياً قبل انتشار أجهزة التبريد المنزلية، إذ احتاجت إليه محلات اللحوم والأسماك والمطاعم والفنادق والمؤسسات الصحية.
كما تكشف هذه الصناعة وجود سوق حضرية حديثة، وشبكة للتوزيع، وطلب يومي منتظم على المنتجات المصنعة.
تذكر بعض المواد التاريخية افتتاح وحدة مرتبطة بشركة Mahou في تطوان سنة 1935.
لكن تحديد طبيعة هذه المنشأة يحتاج إلى حذر؛ فقد تكون مصنعاً للإنتاج، أو وحدة للتعبئة والتبريد والتخزين والتوزيع. كما أن التاريخ العام المتاح حالياً لشركة Mahou لا يبرز مصنع تطوان ضمن وحداتها الرئيسية.
لذلك ينبغي تثبيت هذه المعلومة مستقبلاً بواسطة إعلان تجاري مؤرخ أو سجل صناعي، مع الاحتفاظ بها ضمن خريطة الصناعات الغذائية والمشروبات التي عرفتها المدينة.
كانت دباغة الجلود وصناعة الأحذية من الحرف التاريخية في تطوان، قبل أن تنتقل بعض أنشطتها إلى إنتاج أكثر تنظيماً خلال القرن العشرين.
وتظهر الأحذية والدباغة ضمن الصناعات المسجلة في تطوان سنة 1952، كما تتحدث الذاكرة المحلية عن وجود معمل كبير قرب حي فيلا ناظور.
وكان هذا القطاع يمثل حلقة وصل بين الحرفة والمعمل؛ فقد قدم الصناع المحليون الخبرة في معالجة الجلد والخياطة، بينما سمحت الآلات وتقسيم العمل بإنتاج كميات أكبر.
ولا يزال اسم المعمل الموجود قرب فيلا ناظور وتاريخ تأسيسه في حاجة إلى وثيقة تجارية أو صناعية حاسمة.
تذكر مصادر تاريخية محلية وجود معمل لصناعة المسامير في تطوان، وهو نشاط كان مرتبطاً بالبناء والنجارة وصناعة الأثاث والصناديق الخشبية.
كما تذكر الذاكرة الحضرية وجود مسبكة Roque، إلى جانب ورشات للحدادة وإصلاح الآلات والعربات.
وتوجد كذلك إشارات إلى معمل للمطاط، لكن اسم الشركة وموقعها ونوعية المنتجات التي كان يصنعها لم تُحسم بعد.
ورغم نقص التفاصيل، يكشف حضور المسابك والمسامير والمطاط عن وجود صناعات مساعدة كانت تخدم البناء والنقل والمعامل والورشات الأخرى.
ظهر إنتاج الإسمنت والجير ضمن الأنشطة الصناعية الموجودة في منطقة تطوان قبل سنة 1952. كما تربط الذاكرة المحلية بداية المعمل الكبير للإسمنت بحوالي سنة 1955.
واستفادت هذه الصناعات من عدة عوامل:
وشملت منظومة مواد البناء معامل الإسمنت والجير والآجر والقرميد والخزف، إضافة إلى المقالع ووحدات تكسير الحجارة.
واستمر هذا القطاع بعد الاستقلال، بل يعد من القطاعات الصناعية القليلة التي حافظت على حضور قوي في محيط تطوان. ولذلك لا يمكن القول إن جميع مصانع المدينة أُغلقت، إذ ظلت صناعة الإسمنت ومواد البناء قائمة، وإن انتقل جزء منها إلى مواقع خارج المركز الحضري.
توجد إشارات إلى مشروع صناعي للسكر في تطوان سنة 1930، كما تحتفظ الذاكرة المحلية بذكر معمل قديم للسكر.
غير أن الأمر يتطلب التمييز بين الإعلان عن المشروع وتأسيس الشركة ودخول المصنع فعلياً في مرحلة الإنتاج. فقد يكون النشاط متعلقاً بالتخزين أو التكرير أو التعبئة، وليس بالضرورة إنتاج السكر من المادة الزراعية الأولية.
لذلك يمثل مشروع السكر دليلاً على الطموح الصناعي الذي عرفته تطوان، لكن تاريخ تشغيله وحجم إنتاجه يحتاجان إلى وثيقة إضافية.
كان النسيج من أهم المجالات التي انتقلت فيها تطوان من الحرفة إلى محاولة التصنيع.
ويرتبط أحد المشاريع المبكرة بعبد السلام بنونة، الذي حاول حوالي سنة 1930 إطلاق صناعة نسيج محلية، لكن المشروع لم يتمكن من مواجهة منافسة المنتجات القادمة من إسبانيا.
وشملت صناعة النسيج:
وبعد الاستقلال توسع قطاع الخياطة والملابس، وأصبح من الأنشطة المشغلة لليد العاملة، وخاصة النساء. لكنه تعرض لاحقاً لمنافسة الملابس المستوردة والعمل غير المهيكل وانتقال عدد من الاستثمارات إلى طنجة.
ظهر الصابون ضمن المشاريع الصناعية المبكرة المرتبطة بالمبادرة الاقتصادية المحلية، ومن بينها المشاريع التي نُسبت إلى عبد السلام بنونة.
وكان القطاع يستفيد من توفر بعض المواد الزيتية ومن الطلب المتزايد لدى السكان والإدارة والمؤسسات الصحية والعسكرية.
ثم تطور النشاط مع ظهور شركات للمواد الكيماوية والتنظيف، مثل COELMA. ويبين هذا التطور انتقال المدينة من إنتاج الصابون التقليدي إلى صناعة مواد استهلاكية أكثر تنظيماً.
بحكم مكانة تطوان عاصمة إدارية ومركزاً للصحافة والتعليم، عرفت المدينة نشاطاً مهماً في الطباعة.
وتذكر الذاكرة الحضرية مطبعة Cremades، إلى جانب مطابع أخرى كانت تنتج الصحف والكتب والمجلات والملصقات والوثائق الإدارية والإعلانات التجارية.
وكان قطاع الطباعة يربط بين:
وتكشف المطابع أن الثقافة في تطوان لم تكن منفصلة عن الصناعة؛ فإنتاج الكتاب والجريدة والملصق كان يحتاج إلى ورق وآلات وعمال وتقنيين وشبكات توزيع.
عند جمع هذه المعامل والقطاعات، نجد أن تطوان عرفت خلال النصف الأول من القرن العشرين:
هذا التنوع هو الدليل الأقوى على البعد الصناعي للمدينة. فتطوان لم تعرف مصنعاً وحيداً ظهر بالصدفة، بل امتلكت شبكة من الأنشطة التي كانت تلبي حاجيات السكان والإدارة والبناء والتجارة، وتصدر بعض منتجاتها خارج منطقة الحماية.
لم تتوقف الصناعة في تطوان مباشرة بعد استقلال المغرب سنة 1956. فقد استمرت بعض الوحدات الموروثة عن فترة الحماية، بينما توسعت قطاعات أخرى بسبب النمو السكاني والعمراني.
لكن خروج الإدارة الإسبانية غيّر بنية السوق. فقد فقدت المدينة جزءاً من الوظائف والطلب المرتبطين بعاصمة الحماية، كما أدى إغلاق خط سكة حديد سبتة–تطوان سنة 1958 إلى إضعاف وسيلة مهمة لنقل الأشخاص والبضائع.
ورغم ذلك، حافظت تطوان خلال العقود التالية على أنشطة صناعية متنوعة.
| القطاع | وضعه بعد الاستقلال | التحول اللاحق |
|---|---|---|
| الورق والكرتون | استمر مصنع Papelera de Tetuán | إعادة هيكلة واندماج ضمن Med Paper |
| الإسمنت | توسع لتلبية حاجيات البناء في شمال المغرب | ما يزال النشاط قائماً في محيط تطوان |
| الآجر والقرميد | استمر في سهل مارتيل ومحاور ضواحي المدينة | تعرض لضغط التوسع العمراني والبيئة |
| المقالع وتكسير الحجارة | توسعت مع البناء والطرق | انتقلت أكثر نحو الأطراف |
| النسيج والملابس | أصبح قطاعاً مشغلاً، خاصة للنساء | تراجع أمام المنافسة وانتقال الاستثمار |
| الصناعات الغذائية | وحدات مرتبطة بالسوق المحلية | غلب عليها الحجم الصغير والمتوسط |
| الطباعة والتغليف | استفادت من التعليم والإدارة والصحافة | تأثرت بالرقمنة وتمركز السوق |
| النجارة والصناعات المعدنية | ورشات ووحدات لخدمة البناء والتجارة | انتقل جزء منها إلى المناطق الهامشية |
| المواد الكيماوية والتنظيف | استمرار وحدات محدودة | منافسة الشركات الوطنية والمستوردة |
| الصناعة التقليدية | حافظت على حضور قوي | اندمجت أكثر في الاقتصاد الثقافي والسياحي |
| Tetouan Park | منصة حديثة للصناعة واللوجستيك | تعكس انتقال الصناعة إلى خارج المركز |
| Tetouan Shore | خدمات رقمية وترحيل الأعمال | يمثل تحولاً من المصنع إلى الخدمات الحديثة |
استمرت Papelera de Tetuán بعد سنة 1956، وظلت من أبرز الوحدات الصناعية المرتبطة باسم المدينة.
غير أن صناعة الورق تحتاج إلى استثمارات متواصلة في الآلات والطاقة والماء ومعالجة المخلفات. ومع ارتفاع المنافسة وتغير السوق، دخلت الشركة مرحلة إعادة الهيكلة قبل أن تصبح جزءاً من Med Paper.
وتكشف هذه الحالة أن بعض صناعات تطوان لم تختفِ كلياً، بل فقدت ارتباطها المباشر بصورة المدينة نتيجة تغير الاسم والإدارة والموقع وشبكات الإنتاج.
كان قطاع الإسمنت ومواد البناء من أكثر القطاعات قدرة على الاستمرار بعد الاستقلال، بسبب النمو السكاني السريع لتطوان ومارتيل والمضيق والفنيدق، وبناء الطرق والمؤسسات والإقامات السكنية والسياحية.
وشملت المنظومة:
لكن توسع العمران أدى إلى اقتراب الأحياء السكنية من مواقع صناعية كانت توجد سابقاً في أطراف المدينة. ومع مرور الوقت، ارتفعت الشكاوى المرتبطة بالغبار والضجيج وحركة الشاحنات، وأصبحت بعض الأراضي الصناعية مطلوبة للمشاريع العقارية.
عرف قطاع النسيج والخياطة توسعاً بعد الاستقلال، وأدى دوراً مهماً في تشغيل اليد العاملة النسائية.
وساهمت معامل وورشات الملابس في تغيير الحياة الاجتماعية لعدد من الأسر، إذ أصبح العمل المأجور داخل المصنع أو الورشة مصدراً للدخل إلى جانب الوظيفة والتجارة والصناعة التقليدية.
غير أن القطاع واجه لاحقاً تحديات كبيرة:
استمرت في تطوان وحدات صغيرة ومتوسطة مرتبطة بتحويل المواد الغذائية والمخابز الحديثة والتغليف والطباعة والنجارة المعدنية والخشبية وإصلاح الآلات.
ورغم أن هذه الوحدات لم تكن دائماً في حجم المعامل الكبرى، فإنها كانت تشكل نسيجاً اقتصادياً يوفر العمل ويخدم التجارة والأسواق والمؤسسات المحلية.
وكانت أهميتها تكمن في ترابطها؛ فمعمل الورق يخدم المطابع، والمطبعة تخدم التجارة والإدارة، والنجارة والمعدن يخدمان البناء والمصانع، بينما تنقل الشاحنات المواد والمنتجات بين المدينة ومحيطها.
لم يكن المصنع مجرد مبنى يحتوي على الآلات، بل كان فضاءً يعيد تنظيم حياة الناس والمدينة.
فمع نمو الصناعة ظهر:
كما انتقلت الخبرات من عامل إلى آخر ومن جيل إلى جيل. وكان بعض العمال يتوفرون على مهارات تقنية في الكهرباء والميكانيك والنجارة والمسابك والطباعة، وهي خبرات لا تظهر عادة في الرواية الثقافية المتداولة عن تطوان.
لا توجد وثيقة واحدة تثبت أن السلطات قررت إغلاق معامل تطوان دفعة واحدة من أجل تحويلها إلى مدينة سياحية. فقد كان تراجع الصناعة نتيجة عوامل متعددة تراكمت خلال عقود.
رغم تنوع القطاعات، ظلت غالبية معامل تطوان صغيرة أو متوسطة، ولم تتشكل حولها منظومة قوية للبحث والتطوير والموردين والتصدير.
واجهت بعض الوحدات صعوبة في تحديث تجهيزاتها، ما أدى إلى ارتفاع كلفة الإنتاج وانخفاض الجودة أو القدرة على المنافسة.
تعرضت الصناعات المحلية لمنافسة منتجات قادمة من مدن صناعية أكبر، ثم من الأسواق الخارجية. وظهر ذلك خصوصاً في النسيج والملابس والمواد الاستهلاكية.
فقدت تطوان سنة 1958 خطها الحديدي مع سبتة، وأصبحت تعتمد بصورة أكبر على النقل الطرقي، بينما استفادت مدن أخرى من الموانئ والسكك الحديدية وشبكات اللوجستيك.
تحولت طنجة تدريجياً إلى القطب الصناعي الأول في شمال المغرب، خصوصاً بعد إنشاء ميناء طنجة المتوسط ومناطق صناعة السيارات واللوجستيك.
وأصبحت طنجة أكثر جاذبية للمستثمرين بسبب توفر الميناء والطريق السيار والسكك الحديدية والمناطق الصناعية المجهزة وقرب شبكات التصدير.
كانت بعض المعامل توجد في مناطق بعيدة نسبياً عن السكن، لكن توسع تطوان ومارتيل جعل العمران يحيط بها.
ومع ارتفاع أسعار الأراضي، أصبحت المشاريع السكنية والتجارية أكثر ربحية من استمرار بعض الأنشطة الصناعية القديمة، خاصة تلك التي تحتاج إلى مساحات واسعة.
تحتاج صناعات الورق والإسمنت والآجر والمقالع إلى الماء والطاقة والنقل، ويمكن أن ينتج عنها غبار أو ضجيج أو مخلفات صناعية.
ومع اقتراب السكن من هذه الأنشطة، ازدادت الضغوط من أجل نقلها إلى خارج المجال الحضري أو إخضاعها لشروط بيئية أكثر صرامة.
حظيت المدينة العتيقة والمعالم الدينية والفنون التقليدية باهتمام كبير في عمليات التوثيق والترميم، بينما لم تحظَ المعامل والمخازن والورشات القديمة بالحماية نفسها.
ونتيجة ذلك، اختفت بعض المباني الصناعية أو تغيرت وظائفها من دون توثيق آلاتها وأرشيفها وشهادات عمالها.
بدأت صورة تطوان التراثية تتعزز مؤسساتياً منذ الثمانينيات. وتشير اليونسكو إلى أن مخطط تهيئة تطوان لسنة 1982 أعطى أهمية للمحافظة على المدينة العتيقة وتأهيلها.
وفي سنة 1997 صُنفت المدينة العتيقة ضمن قائمة التراث العالمي، ثم انضمت تطوان سنة 2017 إلى شبكة المدن المبدعة في مجال الحرف والفنون الشعبية. المدينة العتيقة لتطوان في قائمة التراث العالمي
وفي الفترة نفسها، عرف الساحل الممتد بين مرتيل والمضيق والفنيدق توسعاً سياحياً وعقارياً، خاصة منذ التسعينيات. وأصبحت المنطقة تُسوّق من خلال الشواطئ والإقامات السياحية والمطاعم والمهرجانات والفنون والتراث.
هذا التوجه لم يكن السبب الوحيد في إغلاق المعامل، لكنه غيّر أولويات المدينة:
وبذلك يمكن القول إن السياحة والثقافة لم تغلقا المعامل بشكل مباشر، لكن صعودهما ساهم في تكريس تحول اقتصادي ومجالي جعل الصناعة أقل حضوراً في وسط المدينة وفي صورتها الرسمية.
من غير الدقيق القول إن تطوان فقدت الصناعة بالكامل. فقد بقيت أنشطة الإسمنت والمقالع والآجر ومواد البناء، إضافة إلى وحدات في الغذاء والنسيج والطباعة والنجارة والصناعات المعدنية.
كما ظهرت منصات جديدة خارج النسيج الحضري التقليدي، من بينها:
لكن هذا التحول جعل الصناعة أقل وضوحاً في الحياة اليومية. فبعد أن كان المعمل جزءاً من المدينة وأحيائها وذاكرة سكانها، أصبحت الوحدات الحديثة توجد في مناطق بعيدة، وتعمل ضمن شبكة اقتصادية جهوية تقودها طنجة.
إغلاق المعمل لا يعني فقط توقف الآلات، بل يؤدي إلى خسارة:
لقد جرى توثيق قصور تطوان ومساجدها وزواياها ومدارسها وفنونها، لكن تاريخ العامل والعاملة والمصنع والمطبعة والمسبكة لم يحظَ بالاهتمام نفسه.
ولهذا تبدو تطوان في الذاكرة المعاصرة وكأنها كانت دائماً مدينة إدارة وفن وسياحة، بينما تكشف خريطة معاملها أنها كانت أيضاً مدينة للعمل والإنتاج.
الحفاظ على المدينة العتيقة وتشجيع السياحة والثقافة لا يفرضان التخلي عن الصناعة. فالمدن الحديثة تستطيع الجمع بين التراث والصناعة النظيفة والتكنولوجيا والتصميم والحرف والسياحة.
ويمكن لتطوان استعادة بعدها الإنتاجي عبر:
إذا كان المقصود بالمدينة الصناعية مدينة تضاهي الدار البيضاء في الصناعة الثقيلة، فإن تطوان لم تصل إلى ذلك الحجم. أما إذا كان المقصود مدينة شمالية امتلكت قاعدة إنتاجية متنوعة، وبنية للكهرباء والنقل، ومعامل للوقيد والورق والتبغ والمواد الكيماوية والمشروبات والنسيج والأحذية والإسمنت والآجر والطباعة، فإن وصف تطوان بالمدينة الصناعية يستند إلى أساس تاريخي قوي.
لم تختفِ هذه الصناعة بسبب السياحة وحدها. فقد تداخل ضعف الاستثمار وتقادم الآلات والمنافسة وإغلاق السكة الحديدية وضغط العقار والمشكلات البيئية وتمركز الاستثمار في طنجة.
لكن التوجه السياحي والثقافي ساهم في جعل الذاكرة الصناعية أقل حضوراً، وكأن المعمل لم يكن يوماً جزءاً من المدينة.
والحقيقة أن تاريخ تطوان لا يكتمل من دون تاريخ عمالها ومعاملها ومطابعها ومسابكها وورشاتها. فقد كانت تطوان مدينة للفنون والثقافة، لكنها كانت أيضاً مدينة تعمل وتنتج وتصنع.
نعم، بالمعنى الجهوي والتاريخي. فقد عرفت صناعات الورق والوقيد والتبغ والنسيج ومواد البناء والمواد الكيماوية والمشروبات والطباعة، لكنها لم تكن مركزاً للصناعة الثقيلة بحجم الدار البيضاء.
من أبرزها Fosforera Marroquí، وPapelera de Tetuán، وCOELMA، ومعمل التبغ، ومعامل الثلج والمشروبات، إضافة إلى معامل الإسمنت والآجر والقرميد والنسيج والأحذية.
تعد صناعة الثلج والمياه الغازية من الأنشطة المبكرة، مع إشارات إلى وحدة أسسها Salvador Alemany Payá حوالي سنة 1914. كما ظهرت مشاريع الكهرباء والنسيج خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.
لا. أُغلقت أو تحولت عدة وحدات، بينما استمرت صناعة الإسمنت ومواد البناء وبعض الصناعات الصغيرة والمتوسطة. كما انتقلت أنشطة حديثة إلى Tetouan Park ومناطق محيطة بالمدينة.
السياحة ليست السبب الوحيد، لكنها ساهمت مع التوسع العقاري والخدمات وتمركز الاستثمار في طنجة في تغيير أولويات المدينة وتقليص حضور الصناعة داخل المجال الحضري.
لأنها تمثل ذاكرة العمال والتقنيين والأحياء، وتثبت أن تاريخ المدينة لا يقتصر على الإدارة والتراث والفنون، بل يشمل أيضاً تاريخ الإنتاج والعمل الصناعي.