تعد ساحة السوق الفوقي بتطوان، أو Souk El Fouki, واحدة من الفضاءات الشعبية المهمة داخل المدينة العتيقة، ليس فقط باعتبارها سوقا تقليديا، بل لأنها نقطة عبور وذاكرة اجتماعية ودينية وتجارية تجمع بين الأزقة، والحرف، والسقايات، والجامع، والزاوية، والحمام القديم.
يقع السوق الفوقي في موضع أعلى نسبيا من عدد من أسواق تطوان القديمة، وقريبا من حي الطالعة المبني على سفح جبل درسة، ومن جهة باب المقابر. ومن هنا جاءت تسميته بـ “السوق الفوقي”، أي السوق الموجود “الفوق”، مقارنة بالأسواق الأقرب إلى حومة البلاد، وهي من أقدم حومات المدينة العتيقة، حيث توجد أسواق تاريخية مشهورة مثل الغرسة الكبيرة، والصباغين، وسوق الحوت القديم.
فالسوق الفوقي ليس مجرد مساحة للبيع والشراء، بل هو جزء من خريطة تطوان الشعبية، ومن ذاكرة الاتجاهات اليومية التي لا يزال أهل المدينة يعبرون عنها بعبارات دارجة مثل: “زيد طلع نفوق”، أو “باقي نفوق”، أو “زيد شويوش نفوقي”، عندما يكون المكان أعلى أو أبعد قليلا داخل المدينة.
ترتبط تسمية السوق الفوقي بطبيعته الجغرافية وموقعه داخل المدينة العتيقة. فهو يوجد في مستوى أعلى من عدد من الأسواق القديمة، وبعيدا نسبيا عن حومة البلاد التي شكلت النواة الأولى لتطوان.
ولهذا، كان الاتجاه إليه يتطلب الصعود قليلا داخل أزقة المدينة. ومن هذه الحركة اليومية بين الأسفل والأعلى نشأت التسمية الشعبية، التي تعكس طريقة التطوانيين في قراءة المجال: السوق الموجود “الفوق”، أي السوق الأعلى.
وهذه التسمية البسيطة تحمل في عمقها علاقة خاصة بين اللغة والمكان. فالتطواني لا يصف الموقع فقط بالخريطة، بل يصفه بالحركة: تطلع، تهبط، تدوز، تقطع، تدخل، تخرج. ومن هنا يصبح اسم السوق شاهدا على ذاكرة المشي داخل المدينة العتيقة.
خلال فترة الاحتلال الإسباني للمدينة، أطلق الإسبان على الشارع العام للسوق الفوقي اسم Calle de la Buerra، كما يرد في بعض المعطيات المرتبطة بذاكرة المكان.
وهذا الاسم يعكس حضور المرحلة الإسبانية في أسماء بعض الشوارع والممرات داخل المدينة، قبل أن تستعيد الأسماء المحلية والشعبية حضورها في التداول اليومي.
ورغم هذه التسميات الإدارية أو الأجنبية، ظل الاسم الشعبي “السوق الفوقي” هو الأكثر رسوخا في الذاكرة التطوانية، لأنه نابع من علاقة الناس اليومية بالمكان.
يرتبط السوق الفوقي بمجاله القريب، وخاصة حي الطالعة، الذي كان يشتهر بوجود عدد من الأفران التقليدية. وكانت هذه الأفران تلعب دورا مهما في الحياة اليومية، حيث كان يطبخ فيها الخبز قبل بيعه أو استهلاكه.
والفرن في المدينة العتيقة لم يكن مجرد مكان للطهي، بل كان مؤسسة اجتماعية صغيرة، تلتقي عندها النساء والأطفال والحرفيون، وتنتقل من خلالها الأخبار، وتتشكل حولها ذاكرة الحومة.
ولهذا فإن قرب السوق الفوقي من حي الطالعة ومن هذه الأفران التقليدية يبرز جانبا من الحياة الشعبية التي ميزت هذا المجال: تجارة، خبز، حركة، وممرات تربط بين الحومات.
لا يزال السوق الفوقي إلى اليوم يحافظ على طابعه الشعبي. فقد أصبح يضم عددا كبيرا من الباعة المتجولين المنتشرين في زوايا الساحة، يبيعون الملابس، وبعض الآلات، والأدوات، والأشياء المستعملة.
وتوجد في الساحة أيضا متاجر صغيرة تبيع الأحذية، والقماش، والخيط، والحبال، والسلال المصنوعة من القنب والحلفاء، والجير، وبعض الأشياء المستعملة في البناء.
هذا التنوع في المعروضات يجعل السوق الفوقي قريبا من الحياة اليومية للناس، حيث يجد الزائر والسكان حاجيات بسيطة وعملية، بعيدا عن صورة السوق السياحي المصنوع للعرض فقط.
إنه سوق شعبي حقيقي، فيه حركة، وضجيج، ومساومة، وأشياء قديمة، وحرف، وذاكرة استعمال يومي.
من أبرز المعالم التاريخية والدينية الموجودة في السوق الفوقي زاوية سيدي علي بركة التطواني، وهو فقيه وعلامة أندلسي، وواحد من أشهر علماء وصلحاء مدينة تطوان القدماء.
وتعد هذه الزاوية جزءا من الحياة الدينية التي ميزت الساحة، إلى جانب الجامع الموجود بها. فالسوق الفوقي يجمع بين التجارة والدين، بين الحوانيت والسقايات، وبين البيع والذكر والتعليم.
وتتميز صومعة زاوية الحاج سيدي علي بركة بطابع تقليدي في البناء والزخرفة والهندسة العربية الأندلسية، مما يجعلها عنصرا معماريا جديرا بالاهتمام داخل هذه الساحة الشعبية.
تتجلى الحياة الدينية في السوق الفوقي من خلال وجود الجامع والزاوية داخل الساحة. وتشير المعطيات إلى أن الجامع والزاوية شيدا، على التوالي، مع بداية القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر.
وتستحق بوابتهما الاهتمام، لما تحمله من أثر معماري يعكس روح المدينة العتيقة. فهذه البوابات ليست مجرد مداخل، بل علامات على ذاكرة دينية وتعليمية كانت حاضرة بقوة في حياة السكان.
وقد كان يُدرس في هذا المسجد الأندلسي العريق قواعد النحو، وعلوم الشريعة الإسلامية، وقواعد اللغة العربية، وغيرها من العلوم. كما كان الأطفال يتعلمون الكتابة والقراءة وحفظ القرآن في كُتّاب الفقيه علي الكيال، أو ما يعرف محليا بـ “المسيد”.
وهكذا كان السوق الفوقي فضاء للتجارة، لكنه كان أيضا فضاء للتعليم والتربية الدينية.
من العناصر المهمة في السوق الفوقي وجود ثلاث سقايات ماء، وهو أمر يبرز العلاقة القوية بين الماء والطقوس الدينية والحياة اليومية في تطوان.
فالمدينة، بحكم موقعها في مجال غني بالينابيع، عرفت عبر تاريخها حضورا مركزيا للماء. وقد كان الماء في الثقافة الإسلامية مرتبطا بالطهارة التي تسبق الصلاة، كما كان في تطوان حقا عاما يستفيد منه السكان مجانا من خلال السقايات.
وكانت هذه السقايات تتزود بالماء عبر نظام توزيع تقليدي معروف باسم شبكة السكوندو، التي كانت تغذي سقايات المدينة وبناياتها الرئيسية وبعض الدور بالماء الصالح للشرب.
لم تكن السقايات في تطوان مجرد نقاط للتزود بالماء، بل كانت أماكن لقاء اجتماعي. عندها كانت تتبادل الأخبار، والتهاني، والأحاديث اليومية، وتتشكل لحظات من الدردشة بين سكان الحومة والمرتادين.
وهذا ما يجعل السقايات جزءا من الذاكرة الاجتماعية للمدينة. فالماء لم يكن فقط مادة حيوية، بل كان رابطا اجتماعيا وروحيا.
ولا تزال بعض السقايات إلى اليوم تحافظ على دلالتها الرمزية المتوارثة من الماضي، حتى إن بعض الناس ما زالوا ينظرون إلى مائها باعتباره أكثر صفاء وبركة من الماء الذي توزعه شبكات التوزيع الحديثة.
تعتبر ساحة السوق الفوقي ملتقى حقيقيا للطرق والزناقي داخل المدينة العتيقة. فهي نقطة عبور مهمة، تسمح بالوصول إلى عدد من الأزقة واختصار المسافات بين مجالات مختلفة من المدينة.
ومن أهمية هذه الساحة أن أقصى غربها يشكل الرابط الوحيد تقريبا بين المدينة العتيقة وكل من حي الطرنكات وحي العيون، خاصة بعد إغلاق زنقة المشوار وزنقة شرفاء وزان.
وهذا الدور الطرقي يجعل السوق الفوقي أكثر من مجرد سوق. إنه عقدة حركة داخل المدينة، وممر يومي للسكان، وفضاء يربط بين حومات لها ذاكرة أندلسية وموريسكية عميقة.
تتمثل نقطة الاتصال المهمة في هذا المجال في قوس زنقة المقدم وقوس السوق الفوقي، وهما عنصران عمرانيان يساهمان في تحديد ملامح العبور بين الساحة وباقي الحومات.
والقوس في المدينة العتيقة ليس مجرد عنصر معماري، بل علامة انتقال بين فضاء وفضاء، وبين حومة وحومة، وبين سوق ومسار سكني. لذلك فإن هذه الأقواس تساعد على قراءة المدينة من الداخل، وفهم طرق العبور القديمة التي اعتمد عليها السكان لقرون.
يوجد قرب قوس السوق الفوقي حمام السوق الفوقي، وهو من الحمامات العريقة في تطوان. وتشير المعطيات إلى أنه بني سنة 1591 من طرف أحد حكام آل النقسيس، ويعد من أكبر حمامات تطوان القديمة.
ولهذا الحمام أهمية خاصة، لأنه يربط السوق بتاريخ أقدم من الحياة التجارية اليومية، ويذكرنا بدور الحمامات في المدينة العتيقة. فالحمام كان جزءا من النظام الاجتماعي والديني والصحي، ومرتبطا بالطهارة، والراحة، واللقاء، وإيقاع الأسبوع داخل الأسر والحومات.
ووجود حمام كبير في هذا الموضع يدل على حيوية المجال، وعلى كثافة الحركة والسكان والخدمات التي عرفها السوق الفوقي ومحيطه.
ما يميز السوق الفوقي أنه يجمع في مساحة واحدة عناصر متعددة من هوية تطوان: السوق، والجامع، والزاوية، والسقايات، والحمام، والأقواس، والحوانيت، والباعة، والطرق المؤدية إلى الحومات.
فهو ليس مجرد مكان للبيع، بل فضاء مركب، فيه تجارة شعبية، وتعليم ديني، وذاكرة ماء، وحركة يومية، وممرات قديمة، ومعالم عمرانية.
وهذا ما يجعل السوق الفوقي نموذجا مصغرا للمدينة العتيقة نفسها: مدينة تقوم على تداخل الوظائف، حيث لا ينفصل السوق عن المسجد، ولا الماء عن الطهارة، ولا الزنقة عن الذاكرة، ولا التجارة عن الحياة الاجتماعية.
يستحق السوق الفوقي أن يوثق لأنه من الفضاءات التي قد تبدو للزائر عادية، لكنها تحمل طبقات عميقة من تاريخ تطوان. ففيه تظهر طريقة تسمية الأماكن، وعلاقة الناس بالماء، وحضور الزوايا، وتنظيم الأسواق، ودور الحمامات، ومسارات العبور بين الحومات.
كما أن السوق لا يزال حيا إلى اليوم، وهذا ما يجعله مختلفا عن بعض المعالم التي تحولت إلى ذاكرة صامتة. فالسوق الفوقي ما زال يمارس وظيفته الشعبية، وما زالت الساحة تتحرك بالباعة والمارة والحوانيت والأصوات.
إنه مكان يمكن أن تقرأ فيه تاريخ تطوان دون أن تدخل إلى كتاب، فقط من خلال المشي، والنظر إلى السقاية، والجامع، والقوس، والحمام، وحركة الناس.
تشكل ساحة السوق الفوقي بتطوان واحدة من أهم الساحات الشعبية داخل المدينة العتيقة. فقد سميت بهذا الاسم لأنها توجد في موضع أعلى من عدد من أسواق تطوان القديمة، وبعيدة نسبيا عن حومة البلاد وأسواقها مثل الغرسة الكبيرة والصباغين وسوق الحوت القديم.
ويجمع السوق الفوقي بين التجارة الشعبية والحياة الدينية، من خلال وجود الجامع وزاوية سيدي علي بركة التطواني، كما يحفظ ذاكرة الماء عبر ثلاث سقايات كانت تتزود من شبكة السكوندو، وتلعب دورا اجتماعيا وروحيا مهما.
كما تعد الساحة ملتقى للطرق والزناقي، وتربط بين المدينة العتيقة وحي الطرنكات وحي العيون عبر قوس زنقة المقدم وقوس السوق الفوقي. ويزيد من أهميتها وجود حمام السوق الفوقي، المبني سنة 1591 من طرف أحد حكام آل النقسيس، والذي يعد من أكبر حمامات تطوان العريقة.
إن السوق الفوقي ليس مجرد سوق، بل ذاكرة حية لتطوان: ذاكرة الصعود إلى “الفوق”، وذاكرة الماء، والزاوية، والحمام، والتجارة، والعبور بين الحومات.
اعتمادا على: “المدينة العتيقة تطوان: الدليل العمراني”.