تُعد جوامع تطوان ومساجدها العتيقة من أبرز معالم المدينة الدينية والتاريخية، فقد شكّلت عبر قرون طويلة منارات للعلم، ومراكز لتعليم الدين والشريعة، وفضاءات لحفظ القرآن والفقه واللغة، كما كانت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية داخل المدينة العتيقة. ولم تكن هذه المساجد أماكن للصلاة فقط، بل كانت مؤسسات علمية واجتماعية وروحية ساهمت في تكوين أجيال من العلماء والفقهاء والطلبة، وحافظت على الهوية الدينية للمدينة في مراحل تاريخية صعبة.
وتكشف مساجد تطوان عن عمق الحضور الديني في هذه المدينة المغربية ذات الذاكرة الأندلسية، حيث ارتبط المسجد بالحي، والدرب، والسوق، والزاوية، والكتاب القرآني، وأصبح جزءاً من النسيج العمراني والروحي للمدينة.
يؤكد عدد من مؤرخي تطوان أن المدينة العتيقة كانت تضم عدداً كبيراً من المساجد، يصل إلى 22 مسجداً. وهذا الرقم يعكس كثافة الحياة الدينية داخل المدينة، ويبرز المكانة التي احتلها المسجد في تنظيم الحياة اليومية للسكان.
ومن بين هذه المساجد العريقة نجد جامع للافريجة، المعروف أيضاً بجامع السويقة، وجامع الباشا، وجامع لوقش، والجامع الكبير، وجامع السوق الفوقي، وجامع الربطة، وجامع العيون، وجامع القصبة، إلى جانب مساجد أخرى ظلت حاضرة في ذاكرة المدينة.
كان المسجد في تطوان مرتبطاً بالحي والدرب، ويؤدي وظائف متعددة تتجاوز الصلاة. فقد كان مكاناً للتعليم، والتوجيه، والفتوى، وحفظ القرآن، وتنظيم العلاقة بين السكان، كما كان فضاءً يلتقي فيه الناس يومياً، مما جعله مركزاً اجتماعياً وروحياً في الوقت نفسه.
وفي المدينة العتيقة، حيث تتقارب الأزقة والدروب، كان وجود المسجد داخل الحي يعطيه مكانة خاصة، ويجعله نقطة مرجعية للسكان والزوار.
يُعتبر جامع القصبة من أقدم مساجد تطوان، بل يذكر المؤرخون أنه المسجد الأكثر قدماً بعد أن تعرضت المساجد التي سبقته للهدم على يد الغزاة. ولا يُعلم، حسب ما أورده عدد من المهتمين بتاريخ المدينة، جامع بُني قبله بعد مرحلة إعادة بناء المساجد عقب تعرض تطوان للهدم في هجمات عسكرية أجنبية.
وهذا يجعل جامع القصبة معلمة دينية ذات قيمة تاريخية خاصة، لأنه يرتبط بمرحلة إعادة بناء المدينة واستعادة حياتها الدينية والعمرانية بعد فترات من التخريب والصراع.
لا تكمن أهمية جامع القصبة في قدمه فقط، بل في رمزيته أيضاً. فهو شاهد على قدرة تطوان على النهوض بعد الهدم، وعلى عودة المسجد إلى أداء دوره كمركز للصلاة والعلم والجماعة. ومن خلاله يمكن فهم كيف ارتبط تاريخ المساجد بتاريخ المدينة نفسها.
يُعد جامع للافريجة، المعروف أيضاً باسم جامع السويقة، من المساجد التي ارتبطت بذاكرة المدينة العتيقة. ووجوده في منطقة حيوية من تطوان جعله جزءاً من الحياة اليومية للسكان، خاصة بحكم ارتباطه بمجال تجاري وشعبي داخل المدينة.
يُعد جامع الباشا من المساجد التاريخية المهمة بتطوان، ويقع بالمشور، وهو من المعالم التي تعرضت لتغييرات خلال الاحتلال الإسباني لتطوان سنة 1860. فقد حول الاحتلال نصفه الأمامي إلى مطبعة، وهي أول مطبعة أدخلت إلى تطوان، بينما حول النصف الآخر إلى مخزن للحبوب.
وتكشف هذه الواقعة عن حجم الضرر الذي لحق ببعض المساجد خلال تلك المرحلة، كما تبرز أن المساجد لم تكن فقط مباني دينية، بل رموزاً للهوية حاول الاحتلال تغيير وظائفها ومعالمها.
يُعد جامع لوقش من المساجد المعروفة في تطوان العتيقة، ويرتبط اسمه بمنطقة ذات حضور علمي وثقافي داخل المدينة. وقد كان ضمن شبكة المساجد التي ساهمت في تعليم العلوم الشرعية وحفظ الحياة الدينية.
يمثل الجامع الكبير واحداً من أهم مساجد تطوان، وغالباً ما يرتبط هذا النوع من الجوامع الكبرى بمركز المدينة وبالحياة الدينية العامة، حيث تُقام الصلوات الجامعة وتنعقد المجالس العلمية وتلتقي فئات مختلفة من السكان.
يُعد جامع السوق الفوقي من المساجد التي عرفت تحويلاً قسرياً خلال الاحتلال الإسباني لتطوان سنة 1860، حيث تم تحويله إلى مستشفى. وهذا التحويل يبرز واحدة من صور الاعتداء على الوظائف الدينية للمساجد، وتحويلها إلى استعمالات أخرى تخدم سلطة الاحتلال.
يُذكر جامع الربطة ضمن مساجد تطوان العتيقة، وهو من المعالم التي تعكس انتشار المساجد في أحياء ودروب المدينة. وقد ساهمت مثل هذه المساجد في تقريب التعليم الديني والعبادة من السكان، وربط الأحياء بالحياة الروحية العامة.
جامع العيون من المساجد التي احتفظت بها الذاكرة التطوانية ضمن قائمة مساجد المدينة العتيقة. واسمه يحيل إلى ارتباط المساجد أيضاً بالمجال العمراني والمائي والاجتماعي للمدينة، حيث كانت العيون والسقايات والمساجد من عناصر الحياة اليومية داخل تطوان.
كانت جوامع تطوان منارات لنشر العلم، إذ اضطلعت بدور أساسي في تعليم الدين والشريعة، وحفظ علوم الفقه واللغة والقرآن. ولم يكن المسجد مجرد مكان لأداء الصلوات، بل كان فضاءً للتلقي، والحفظ، والمناقشة، والتوجيه.
وقد قصد طلبة العلم مساجد تطوان من مختلف حواضر وقرى شمال المملكة، للاستفادة من العلماء والفقهاء، والارتواء من مختلف أصناف المعرفة الدينية والدنيوية.
احتضنت مساجد تطوان عدداً من العلماء والفقهاء والمدرسين، وكانت قبلة للطلبة الذين يبحثون عن العلم الشرعي. ومن خلالها تشكلت شبكة تعليمية تقليدية جمعت بين المسجد، والكتاب القرآني، والزاوية، والبيت العلمي.
وكان المسجد يساهم في تكوين الإنسان دينياً وأخلاقياً، حيث يتعلم الطالب القرآن، والفقه، وآداب السلوك، ومبادئ الحياة الاجتماعية.
عرفت تطوان حضوراً قوياً للمساجد والزوايا معاً. فالمسجد كان مركز الصلاة والتعليم العام، بينما كانت الزاوية تضيف مجالس الذكر، والأوراد، والتربية الروحية، والسماع، والعمل الخيري.
ولهذا، فإن فهم الحياة الدينية في تطوان لا يكتمل دون فهم العلاقة بين الجوامع والزوايا. فكلاهما ساهم في حفظ الهوية الدينية والاجتماعية للمدينة، وفي تأطير سكانها عبر قرون.
ساهمت الجوامع والزوايا معاً في حفظ العلوم الشرعية بالشمال المغربي، خاصة الفقه المالكي، وتلاوة القرآن، والحديث، والسيرة، واللغة العربية. وقد كانت هذه المؤسسات سنداً أساسياً للمدينة، خاصة قبل انتشار التعليم العصري.
لم تكن مساجد تطوان بعيدة عن هموم المدينة والوطن. فقد شكلت في أزمنة مختلفة منطلقاً للدعوة إلى الجهاد ضد المستعمر، وصد أطماع المتربصين بالمغرب. وكان للخطاب الديني داخل المسجد دور في تعبئة الوعي الجماعي، وتقوية روح الدفاع عن الأرض والدين والهوية.
وهذا الدور يبرز كيف كان المسجد مؤسسة روحية ووطنية في الوقت نفسه، حيث يلتقي فيه الدين بالمسؤولية الجماعية.
في فترات التهديد الخارجي، كانت المساجد تحمي هوية المدينة من خلال استمرار الصلاة، وتعليم القرآن، ونشر العلم، وربط السكان بالمرجعية الدينية المغربية. ولهذا كانت المساجد أحد أعمدة المقاومة الثقافية والروحية، حتى عندما لم تكن المقاومة عسكرية مباشرة.
تشير المصادر التاريخية إلى أن مساجد تطوان عرفت نكسة كبرى عند الاحتلال الإسباني للمدينة في حرب 1860. فقد أقدم الاحتلال على هدم عدة مساجد، وتغيير معالم بعضها، وتحويل عدد منها إلى وظائف أخرى لا علاقة لها بطبيعتها الدينية.
وتكشف هذه المرحلة عن حجم الاستهداف الذي طال المعالم الدينية للمدينة، وعن الأثر العميق الذي تركه الاحتلال في الذاكرة العمرانية والروحية لتطوان.
من أبرز الأمثلة التي يذكرها مؤرخو تطوان:
جامع السوق الفوقي تم تحويله إلى مستشفى.
جامع القصبة تم تحويله إلى مخزن للحبوب.
جامع الباشا بالمشور حُوّل نصفه الأمامي إلى مطبعة، وهي أول مطبعة أدخلت إلى تطوان، بينما تحول النصف الآخر إلى مخزن للحبوب.
هذه التحويلات لم تكن مجرد استعمال مؤقت للمباني، بل كانت تعني تغيير وظيفة أماكن دينية شكلت جزءاً من هوية المدينة، وإفراغها من دورها الروحي والعلمي.
تختلف مساجد تطوان العريقة من حيث طريقة البناء، والحجم، والموقع، والتفاصيل المعمارية. فبعضها كبير ومركزي، وبعضها أقرب إلى مساجد الأحياء، وبعضها ارتبط بأبواب المدينة أو الأسواق أو القصبة.
ويعكس هذا التنوع طبيعة المدينة العتيقة، التي تشكلت عبر مراحل متعددة، واحتضنت أنماطاً عمرانية متأثرة بالتراث المغربي والأندلسي.
رغم اختلاف طرق البناء، فإن ما يجمع بين مساجد تطوان هو رسالتها. فقد كانت جميعها منابر لنشر العلم، ومراكز لحفظ الدين، وفضاءات لتلاقي السكان، وقبلة للعلماء وطلبة العلم، ومؤسسات لحماية الذاكرة الدينية للمدينة.
وهذه الوحدة في الوظيفة هي التي منحت مساجد تطوان مكانتها التاريخية.
تحمل تطوان ذاكرة أندلسية واضحة في عمرانها وثقافتها وموسيقاها ونمط عيشها. وقد انعكس هذا الحضور أيضاً في مساجدها، سواء من خلال بعض ملامح البناء، أو من خلال الأجواء الدينية المرتبطة بالقرآن والفقه والذكر والمديح.
فالجامع في تطوان ليس مجرد بناية، بل جزء من روح المدينة الأندلسية المغربية، التي تجمع بين العلم والجمال والوقار.
توجد مساجد تطوان غالباً داخل نسيج عمراني متداخل، قريب من الأسواق والدروب والأحياء السكنية. وهذا القرب جعل المسجد جزءاً من الحياة اليومية، يسمع الناس أذانه، ويقصدونه للصلاة، ويتعلمون فيه، ويستحضرونه في ذاكرتهم الجماعية.
تمثل جوامع تطوان العتيقة تراثاً دينياً ومعمارياً يحتاج إلى المزيد من التوثيق والتعريف. فكثير من هذه المساجد يحمل قصصاً مرتبطة بالتعليم، والعلماء، والاحتلال، والتحولات العمرانية، والذاكرة الشعبية.
وتقديم هذه المعالم للزائر والقارئ يساعد على فهم أعمق للمدينة العتيقة، بعيداً عن النظرة السياحية السطحية.
لا يمكن الحديث عن تطوان دون الحديث عن مساجدها. فهي جزء من هوية المدينة، ومن تاريخها الديني، ومن علاقتها بالعلم والتصوف والفقه والجهاد والذاكرة الوطنية.
ولهذا، فإن زيارة المدينة العتيقة لا تكتمل دون الانتباه إلى هذه الجوامع التي شكلت لقرون طويلة منارات روحية وعلمية.
حفلت مدينة تطوان منذ قرون بجوامع ومساجد عريقة، شكلت منارات تاريخية داخل المدينة العتيقة. وقد وصل عدد مساجدها، حسب ما يؤكده مؤرخون، إلى 22 مسجداً، من بينها جامع للافريجة أو جامع السويقة، وجامع الباشا، وجامع لوقش، والجامع الكبير، وجامع السوق الفوقي، وجامع الربطة، وجامع العيون، وجامع القصبة.
وقد اضطلعت هذه المساجد بدور أساسي في تعليم الدين والشريعة، ونشر العلم، وإيواء طلبة العلم القادمين من مختلف حواضر وقرى شمال المغرب. كما كانت منطلقاً للدعوة إلى الدفاع عن الوطن وصد الأطماع الأجنبية.
ورغم ما تعرضت له مساجد تطوان من نكسة كبرى خلال الاحتلال الإسباني سنة 1860، حين هُدمت بعض المساجد أو غُيّرت معالمها ووظائفها، فإنها ظلت شاهدة على تاريخ مدينة حافظت على روحها الدينية والعلمية. واليوم تبقى جوامع تطوان منارات تاريخية تستحق التوثيق والتعريف، لأنها تختزن جزءاً كبيراً من ذاكرة المدينة وهويتها.
عبد العزيز حيون، جوامع تطوان – منارات تاريخية بالمدينة، مقتبس من مقال منشور سابقاً في MAP Tanger.
محمد داود، تاريخ تطوان.
مصادر محلية حول المدينة العتيقة لتطوان ومساجدها التاريخية.
Narjis el Filali
25/12/2025 at 15:28السلام عليكم ورحمة الله وبركاته انا عايشة فوسط مدينة تطوان واش نقدر ندخول ن الكنيسة الإسبانية وفوقاش كتفتح