محمد بن الأمين بوخبزة.. محدّث تطوان ومحقق من آخر أعيان العلماء بالمغرب
يُعد الشيخ العلامة محمد بن الأمين بوخبزة، المعروف بكنيته أبو أويس التطواني، واحداً من كبار علماء مدينة تطوان في العصر الحديث، ومن أبرز المشتغلين بعلم الحديث، والتحقيق، وخدمة المخطوطات، وإحياء العلوم الشرعية بالمغرب.
اسمه الكامل هو محمد بن الأمين بوخبزة العمراني الحسني التطواني، وُلد بمدينة تطوان يوم 26 ربيع الأول 1351هـ / يوليوز 1932م، بدرب الجعيدي في حي العيون، داخل أسرة متدينة محافظة عُرفت بالعلم والصلاح.
وقد عاش الشيخ بوخبزة حياة علمية حافلة، جمع فيها بين التدريس، والتأليف، والتحقيق، والخطابة، وخدمة المخطوطات، ومواكبة طلبة العلم والباحثين، حتى عُدّ من أشهر علماء المغرب في زمانه، ومن آخر أعيان المحققين فيه.
وُلد محمد بن الأمين بوخبزة في حي العيون بمدينة تطوان، وهو حي من أحياء المدينة العتيقة التي عرفت عبر تاريخها حضوراً علمياً وفقهياً وأدبياً مهماً.
نشأ في أسرة متدينة، عالمة ومحافظة، وكان رابع إخوته الأشقاء. وقد ساعده هذا الوسط الأسري والديني على التوجه المبكر نحو العلم، وحفظ القرآن، والاهتمام بالكتب، والارتباط بالمساجد والمعاهد العلمية.
وتطوان في تلك المرحلة كانت ما تزال تحتفظ بتقاليد علمية قوية، من خلال علمائها، ومعاهدها، ومساجدها، وخزائنها، ومجالسها، وهو ما وفر للشيخ بيئة مناسبة للتكوين والبحث.
ينتمي محمد بن الأمين بوخبزة إلى جيل من علماء تطوان الذين جمعوا بين التكوين التقليدي والانفتاح على قضايا العصر.
فهو لم يكن عالماً منغلقاً على الدرس الفقهي وحده، بل اشتغل على الحديث، والتحقيق، والتفسير، والسيرة، والتاريخ، والمخطوطات، والأدب، والكتابة الصحفية والثقافية.
ومن هنا جاءت مكانته الخاصة؛ فهو عالم شرعي، ومحقق، وفهرسي، ومؤلف، وخطيب، وموجه لطلبة العلم، وصاحب حضور ثقافي واسع داخل المغرب وخارجه.
من أبرز ما عُرف به الشيخ محمد بوخبزة اهتمامه بإحياء ما اندثر من العلوم، وخاصة العلوم الشرعية.
وقد كان لعلم الحديث مكانة مركزية في مساره، إذ اهتم بالرواية، والتحقيق، والفهارس، ودراسة المخطوطات، وخدمة كتب الحديث والفقه المالكي.
كما اعتنى بتقريب العلم للطلبة والباحثين من خلال الدروس، والمحاضرات، والإشراف العلمي، والتوجيه، والكتابة.
وقد جعلته هذه العناية واحداً من الأسماء التي يُرجع إليها في قضايا التحقيق، والمخطوطات، والتاريخ العلمي، والحديث النبوي.
كان علم الحديث من أهم العلوم التي اشتغل بها محمد بن الأمين بوخبزة.
فقد اعتنى بكتب الحديث رواية ودراية، واهتم بمصادره، ورجاله، ومناهجه، ومخطوطاته، كما كتب في تاريخ علم الحديث بالمغرب.
ومن بين مؤلفاته في هذا الباب كتاب:
“ملامح من تاريخ علم الحديث بالمغرب”
وهو عنوان يعكس اهتمامه بإبراز مساهمة المغاربة في خدمة الحديث النبوي، ورد الاعتبار لتاريخ علمي كثيراً ما ظل أقل حضوراً في الكتابات العامة.
من الجوانب المهمة في مسار الشيخ بوخبزة دوره في خدمة المخطوطات، خاصة المخطوطات المغربية.
فقد اشتغل على فهرسة المخطوطات، وتحقيق النصوص، وإخراج بعض الكتب من خزائنها إلى عالم الطبع والتداول.
ومن أعماله المهمة في هذا الباب:
“فهرس مخطوطات خزانة تطوان”
ويُعد هذا العمل ذا قيمة كبيرة، لأنه يخدم الذاكرة العلمية للمدينة، ويكشف عن جزء من كنوزها المخطوطة، وييسر على الباحثين الوصول إلى النصوص والمصادر.
يُعد محمد بن الأمين بوخبزة من المحققين المغاربة المعروفين، وقد اشتغل على نصوص تراثية مهمة في الفقه والحديث والتاريخ.
ومن أبرز تحقيقاته:
وتدل هذه الأعمال على سعة اشتغاله، وعلى ارتباطه بالفقه المالكي، والحديث، والتراث الأندلسي والمغربي.
ترك الشيخ محمد بن الأمين بوخبزة عدداً من المؤلفات في مجالات متعددة.
ومن أبرزها:
وتكشف هذه العناوين عن تنوع اهتماماته بين التفسير، والسيرة، والحديث، والتاريخ، والخطابة، والأدب.
يُعد كتاب “جراب الأديب السائح” من أبرز أعمال الشيخ محمد بوخبزة، وقد جاء في 15 مجلداً.
ويمثل هذا العمل جانباً من شخصيته الأدبية والعلمية، إذ يجمع بين الفوائد، والاختيارات، والرحلة الفكرية، والاشتغال على النصوص والنوادر والمعارف.
ويعكس عنوانه روح العالم الذي يسافر بين الكتب، كما يسافر الأديب بين المعاني، فيجمع من كل فن نصيباً، ومن كل علم فائدة.
لم يقتصر اشتغال الشيخ بوخبزة على الحديث والتحقيق، بل كتب كذلك في التفسير والسيرة النبوية.
ومن أعماله في هذا الباب:
“فتح العلي القدير في التفسير”، وهو تفسير لبعض سور القرآن الكريم.
و**“الشذرات الذهبية في السيرة النبوية”**، وهو عمل في السيرة يعكس تعلقه بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وحرصه على تقريبها بأسلوب علمي.
كما كتب “دروس في أحكام القرآن من سورة البقرة”، مما يدل على اهتمامه بالجانب الفقهي والتربوي في القرآن الكريم.
قبل إصدار مجلته المطبوعة، كان الشيخ محمد بوخبزة قد أصدر داخل المعهد الديني أول مجلة خطية باسم:
“أفكار الشباب”
وكانت هذه التجربة المبكرة دليلاً على حسه الثقافي، وعلى وعيه بأهمية الكتابة والنشر بين الطلبة والشباب.
كما تكشف عن شخصية لم تكن تكتفي بتلقي العلم، بل كانت تسعى منذ وقت مبكر إلى التعبير، والتنظيم، وإطلاق المبادرات الثقافية.
في يوم 27 دجنبر 1954م، الموافق لـ فاتح جمادى الأولى 1374هـ، أصدر الشيخ محمد بوخبزة مجلة أدبية وثقافية باسم:
“الحديقة”
وقد استمرت هذه المجلة خمسة أشهر، ثم توقفت في رمضان من السنة نفسها.
ورغم قصر عمرها، فإنها تكشف عن نشاط ثقافي مبكر، وعن رغبة في خلق فضاء للكتابة الأدبية والفكرية في تطوان، في فترة كانت فيها المدينة تعيش تحولات سياسية وثقافية مهمة.
من المحطات اللافتة في شبابه إصداره جريدة خطية باسم:
“البرهان”
وقد سخرها لانتقاد سياسة الاستعمار الإسباني في التعليم، وفضح اضطهاد الطلبة والتضييق عليهم.
ولم يصدر من هذه الجريدة إلا عدد واحد، لكنه كان كافياً لإثارة غضب إدارة المعهد الديني المتعاونة مع الإدارة الإسبانية.
فقد كتب مدير المعهد الديني رسائل إلى رئيس الاستعلامات الإسباني “بلدا”، يخبره فيها بنشاط الطلبة السياسي، وبصدور الجريدة، وبما كان يكتبه الشيخ محمد بوخبزة من مقالات تمس سياسة إسبانيا.
وتعرض الشيخ بسبب ذلك للسب والشتم والتهديد والأذى، ثم انتهى الأمر إلى تدخل الباشا اليزيد بن صالح الغماري، الذي أمر بإدخاله ورفاقه السجن.
وتكشف هذه الحادثة عن وعي وطني مبكر لدى الشيخ، وعن ارتباط العلم عنده بالكرامة والحرية ومقاومة الظلم.
كان نشاط محمد بوخبزة الثقافي والطلابي جزءاً من مناخ وطني عام عرفته تطوان خلال مرحلة الحماية الإسبانية.
فقد كانت الكتابة، حتى ولو كانت خطية ومحدودة الانتشار، أداة للتعبير عن الرفض، والدفاع عن الطلبة، وانتقاد سياسات التعليم الاستعماري.
ومن هنا، فإن جريدة “البرهان” ليست مجرد تجربة صحفية قصيرة، بل وثيقة دالة على حس نقدي ووطني مبكر لدى الشيخ.
عرف الشيخ محمد بن الأمين بوخبزة بتاريخ طويل في نشر العلم، سواء عبر الدروس العلمية، أو المحاضرات، أو الإشراف على الباحثين.
وقد استفاد من علمه طلبة وباحثون من المغرب ومن أقطار إسلامية مختلفة.
وكانت دروسه تجمع بين سعة الاطلاع، والرجوع إلى المصادر، والتمكن من النصوص، والاهتمام بالتدقيق والتحقيق.
وهذا ما جعله مرجعاً لعدد من المهتمين بالحديث والفقه والتراث.
من أدواره المهمة إشرافه الأدبي والعلمي على عدد من الباحثين.
فقد كان يساعدهم في الوصول إلى المصادر، وتوجيههم في قضايا التحقيق، وتنبيههم إلى دقائق النصوص، ومساعدتهم في فهم المخطوطات والكتب التراثية.
وهذا النوع من العمل لا يظهر دائماً في عناوين المؤلفات، لكنه من أهم أعمال العلماء؛ لأن أثره ينتقل عبر الأجيال والبحوث والرسائل والدراسات.
ارتبط اسم الشيخ محمد بوخبزة بخزانة تطوان ومخطوطاتها.
فقد اشتغل على فهرستها وخدمة نصوصها، مما جعله أحد من حفظوا جانباً من الذاكرة العلمية للمدينة.
وتطوان مدينة عرفت عبر تاريخها علماء وفقهاء ومؤرخين وعدولاً وكتّاباً، وخزائنها العلمية شاهدة على هذا العمق.
ومن خلال فهرسة المخطوطات، ساهم بوخبزة في جعل هذه الذاكرة قابلة للدرس والبحث، بدل أن تبقى حبيسة الرفوف.
ما يميز الشيخ محمد بوخبزة أنه لم يكن عالماً في باب واحد فقط.
فهو:
وهذا التعدد يجعله شخصية موسوعية، قريبة من نموذج العلماء المغاربة الذين جمعوا بين العلوم الشرعية والأدب والذاكرة.
يُعد محمد بن الأمين بوخبزة من مشاهير علماء المملكة المغربية، وقد عُرف داخل المغرب وخارجه بسعة العلم، وكثرة الاطلاع، والاهتمام بالمخطوطات.
كما عُرف بكونه من آخر أعيان المحققين في المغرب، أي من العلماء الذين جمعوا بين معرفة النصوص، والقدرة على تحقيقها، والإحاطة بمصادرها، والوعي بقيمتها التاريخية والعلمية.
وقد جعلته هذه المكانة مرجعاً للباحثين وطلبة العلم.
توفي الشيخ محمد بن الأمين بوخبزة سنة 1441هـ / 2020م، بعد عمر طويل قضاه في العلم والتعليم والتحقيق وخدمة التراث.
وبرحيله فقدت تطوان والمغرب واحداً من كبار علماء الحديث والتحقيق، ومن الشخصيات التي حملت همّ الكتاب والمخطوط والدرس الشرعي إلى آخر حياتها.
يدخل محمد بن الأمين بوخبزة ضمن أعلام تطوان لأنه وُلد في المدينة، ونشأ في حي من أحيائها العريقة، وارتبط بمؤسساتها العلمية والثقافية، وخدم تراثها ومخطوطاتها، وكان أحد وجوهها العلمية في العصر الحديث.
ومن خلاله، تظهر تطوان كمدينة لم تنجب فقط فقهاء ومؤرخين في القرون الماضية، بل استمرت في إنتاج علماء ومحققين كبار في العصر الحديث.
ويشكل بوخبزة امتداداً لسلسلة علمية تطوانية تضم أسماء مثل أحمد الرهوني، ومحمد داود، ومحمد المرير، وأحمد الزواقي، وغيرهم من أعلام المدينة.
محمد بن الأمين بوخبزة، أبو أويس التطواني، عالم ومحدث ومحقق مغربي من مدينة تطوان، عُرف بخدمة الحديث والمخطوطات والعلوم الشرعية.
وُلد يوم 26 ربيع الأول 1351هـ، الموافق ليوليوز 1932م، بمدينة تطوان.
وُلد بدرب الجعيدي في حي العيون بمدينة تطوان.
يُعرف بكنية أبو أويس.
اشتغل بعلم الحديث، والتحقيق، والتفسير، والسيرة، والتاريخ، وفهرسة المخطوطات، والخطابة، والتدريس.
“الحديقة” مجلة أدبية وثقافية أصدرها الشيخ محمد بوخبزة يوم 27 دجنبر 1954م، واستمرت خمسة أشهر.
“البرهان” جريدة خطية أصدرها لانتقاد سياسة الاستعمار الإسباني في التعليم واضطهاد الطلبة، ولم يصدر منها إلا عدد واحد.
تعرض للمضايقة بسبب نشاطه الثقافي والوطني وانتقاده لسياسة الاستعمار الإسباني في التعليم، ثم أُدخل السجن مع رفاقه بأمر من الباشا اليزيد بن صالح الغماري.
من أشهر أعماله “جراب الأديب السائح”، و“ملامح من تاريخ علم الحديث بالمغرب”، و“فهرس مخطوطات خزانة تطوان”، إضافة إلى تحقيقات متعددة في الفقه والحديث.
توفي سنة 1441هـ / 2020م.
لأنه وُلد ونشأ بتطوان، وخدم علومها ومخطوطاتها، وكان من أشهر علمائها ومحققيها في العصر الحديث.
اعتمدت هذه المادة على المعطيات المتداولة في ترجمة الشيخ محمد بن الأمين بوخبزة أبو أويس التطواني، وعلى النص المقدم حول سيرته ونشاطه العلمي والثقافي.