تاريخ الفنّ التشكيليّ الحديث بتطوان

تاريخ الفنّ التشكيليّ الحديث بتطوان

تعود علاقةُ مدينة تطوان بالفنّ التشكيليّ الحديث، أو ما يسمّى “فنّ الحامل” (Chevalet)، إلى العقد السادس من القرن التاسع عشر بعد احتلال الإسبان لتطوان بين العاميْن 1860 و1862. فقد عرّف هذا الاحتلالُ التطوانيّين بالعديد من الظواهر الإسبانيّة: كالمسرح، إذ بنى الإسبانُ أوّلَ مسرح في المغرب، وهو مسرح الملكة إيزابيل الثانية؛ وكالصحافة، وذلك من خلال جريدة صدى تطوان (Eco de Tétuan)؛ و كالموسيقى، عن طريق أدوات موسيقيّة حديثة.

وفي المقابل، اطّلع الفنّانون والمثقّفون الإسبان على الثقافة والفنون التطوانيّة. وكان في مقدّمة هؤلاء الفنّانُ الإسبانيّ الشهير فورتوني، الذي زار مدينةَ تطوان ثلاثَ مرّات، كانت أولاها سنة 1860، من أجل الإعداد للوحات حرب تطوان، وذلك بطلبٍ من ممثليّة برشلونة.

بعد فرض الحماية على المغرب استمرّ اهتمامُ الفنّانين الإسبان بمدينة تطوان، عبر أعمالٍ بعيدةٍ عن الأسلوب الفورتونيّ الاستشراقيّ، معتمدين تقنيّاتٍ حديثةً متأثّرةً بالأساليب السائدة في الغرب، كالواقعيّة والانطباعيّة والوحشيّة. وقد كانت الصفةُ الحميدة لهذا الجيل الثاني من الفنّانين الإسبان الذين افتُتنوا بجماليّة الفنون التطوانيّة هي محاولة تعمّقهم في التراث والثقافة التطوانيّيْن بواسطة التعبير التشكيليّ. ويُعتبر ماريانو برتوتشي الشخصيّةَ الأهمّ في تمثيل هذا الجيل.

قام برتوتشي بعدّة زياراتٍ إلى شمال المغرب، أوّلُها سنة 1889، إلى مدينة طنجة، قبل أن يستقرَّ في تطوان سنة 1930 بسبب تعلّقه بجمالها، الذي ذكّره بغرناطة، مسقطِ رأسه، وبسبب تشبّعه بالفنّ الإسلاميّ الأندلسيّ. فعُيّن مديرًا في مدرسة الفنون والصنائع الوطنيّة، ثمّ محافظًا على المباني الأثريّة ومتحفيْ تطوان القديم والإتنوغرافيّ. كما حافظ على الصنائع والحِرَف من الاندثار بسبب منافسة المنتوج الأجنبيّ. وعرّف بتراث المدينة الحضاريّ في العديد من المعارض الدوليّة، وعبر الملصقات والبطاقات والطوابع البريديّة.

غير أنّ أهمّ المنجزات التي خلّدتْ اسمَ برتوتشي هو خلقُه للمدرسة الإعداديّة للفنون الجميلة في تطوان. فبعد تأسيس المعهد الموسيقيّ الإسبانيّ المغربيّ، كان من الضروريّ إتمامُ حقل الدراسات الفنّيّة في مدينة تطوان. فدفع برتوتشي إدارةَ الحماية الإسبانيّة إلى إحداث مدرسةٍ إعداديّةٍ لتدريس الفنون التشكيليّة، هدفُها الأوّل تنشيطُ الحركة الفنّيّة في المنطقة الخليفيّة، وذلك من خلال إعداد الطلبة المغاربة والإسبان لمعرفة الاختصاصات التقنيّة والنظريّة للتعبير التشكيليّ، وليساعدَهم هذا الإعدادُ لاحقًا على متابعة دراستهم في المدارس الفنّيّة العليا في إسبانيا.

كُلّف برتوتشي بتنظيم المدرسة من الناحيتين الإداريّة والبيداغوجيّة، فدُشّنتْ في 12 ديسمبر 1945 ضمن الفضاء الذي كان يَشغل مركزَ الدراسات المغربيّة (بناية نيابة وزارة التعليم حاليًّا)، واشتملتْ على ثلاثة أقسام خُصّصتْ للتعليم الفنّيّ. وبعد سنةٍ دراسيّةٍ تجريبيّة، تأسّستْ رسميًّا، بظهيرٍ خليفيٍّ مؤرَّخ في 27 نوفمبر 1946، نصّ على خضوعها لإدارة برتوتشي، وعلى أن يشتملَ البرنامجُ الدراسيّ على أربع موادّ: الرسم القديم، وتاريخ الفنّ، والتلوين، والنحت على الطين. كما نصّ على اختيار الأساتذة من بين الفنّانين المختصّين والحاصلين على شهادات المدارس العليا للفنون الجميلة (باستثناء أساتذة مادّة تاريخ الفنّ). ولم يتمّ تعيينُ برتوتشي مديرًا لهذه المدرسة إلّا سنة 1947. وقد تشكّلتْ هيئةُ أساتذتها من: Carlos Gallegos )رسم(، وTomas Ferrandiz (نحت على الطين والقوالب)، وGuillermo Gustavino (تاريخ الفنّ)، وAraceli Gonzales (تلوين)، وDiego Games (أستاذ مساعد التلوين)، وAlejandro Tomillo (أستاذ مساعد للنحت على الطين).

ونظرًا إلى التكوين الأكاديميّ المتين لخرّيجي هذه المدرسة، فقد ظهرتْ ثمارُها بوضوحٍ عند قبولهم بامتياز في المدارس العليا الإسبانيّة، كمدرسة  Santa Esabel de Hungria في إشبيلية، ومدرسة  San Fernando في مدريد، على الرغم من صعوبة امتحان القبول فيهما. ومن هؤلاء الطلّابAmadio Freixas  في المدرسة الثانية سنة 1951، وAntonio Moya  في الأولى سنتيْ 1950 و1951.

هكذا ارتبط التشكيلُ في تطوان وشمال المغرب بمؤسّسة الفنون الجميلة (المدرسة الإعداديّة، المدرسة الوطنيّة، المعهد الوطنيّ) ارتباطًا عميقًا. فقد تأثّرتْ أجيالُ المتخرّجين منها بهيئة أساتذتها، وببرامجها ومناهجها التي تطوّرتْ مع آخر المستجدّات الوطنيّة والعالميّة. وللإحاطة بمسار هذه المدرسة العريقة كان علينا تتبّعُ أجيالها السابقة لنطلّ على الجيل الجديد.

بقلم : بوعبيد بوزيد
المراجع : https://al-adab.com
اترك تعليقك
تعليق
اسم
بريد إلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.