تحتل مدينة تطوان مكانة خاصة في تاريخ الفن التشكيلي الحديث بالمغرب، إذ لم تكن مجرد فضاء ألهم الفنانين، بل تحولت مع مرور الزمن إلى مدرسة فنية قائمة بذاتها، ارتبط اسمها بالتكوين الأكاديمي، وبالحفاظ على التراث، وببروز أجيال من الفنانين الذين ساهموا في تشكيل ملامح الفن المغربي الحديث.
وتعود علاقة تطوان بالفن التشكيلي الحديث، أو ما يسمى “فن الحامل”، المعروف بالفرنسية باسم Chevalet، إلى منتصف القرن التاسع عشر، وبالضبط إلى فترة الاحتلال الإسباني الأول للمدينة ما بين 1860 و1862. فقد شكلت تلك المرحلة، رغم قسوتها السياسية والعسكرية، لحظة احتكاك مبكر بين المدينة والفنون الأوروبية الحديثة.
فكما تعرف التطوانيون في تلك الفترة على ظواهر إسبانية جديدة مثل المسرح، والصحافة، وبعض الأدوات الموسيقية الحديثة، تعرف الفنانون والمثقفون الإسبان بدورهم على مدينة تطوان، وعلى جمالها العمراني، وحرفها، وملامحها الأندلسية، فكانت المدينة موضوعا للرسم والتأمل والتوثيق.
عندما دخل الإسبان مدينة تطوان في القرن التاسع عشر، حملوا معهم عددا من المظاهر الثقافية الحديثة. فقد بنوا أول مسرح بالمغرب، وهو مسرح الملكة إيزابيل الثانية، كما ظهرت الصحافة من خلال جريدة صدى تطوان، أو Eco de Tétuan، إلى جانب حضور أدوات موسيقية حديثة.
لكن هذا الاحتكاك لم يكن في اتجاه واحد. فالفنانون الإسبان الذين وصلوا إلى تطوان وجدوا أمامهم مدينة مختلفة، ذات طابع عمراني أندلسي، وأزقة، وأبواب، وأسواق، وألوان، وحرف، ولباس، وحياة يومية غنية بالصور.
ومن هنا بدأت تطوان تدخل في مجال التمثيل التشكيلي الحديث، ليس فقط باعتبارها مدينة مغربية، بل باعتبارها موضوعا فنيا ألهم الرسامين الإسبان والأوروبيين.
يعد الفنان الإسباني فورتوني من أوائل الأسماء الكبرى التي ارتبطت بمدينة تطوان في سياق الفن التشكيلي الحديث. فقد زار المدينة ثلاث مرات، وكانت أول زيارة له سنة 1860، وذلك من أجل الإعداد للوحات حرب تطوان، بطلب من ممثلية برشلونة.
وقد شكلت زيارة فورتوني لحظة مهمة في علاقة تطوان بالفن الأوروبي، لأنها نقلت المدينة إلى فضاء اللوحة الحديثة، وربطت صورتها البصرية بالأحداث العسكرية والسياسية التي عرفتها تلك المرحلة.
غير أن نظرة فورتوني ظلت مرتبطة إلى حد كبير بالسياق الاستشراقي وبتمثيل الحرب والمشهد المغربي من عين الفنان الأوروبي. ورغم ذلك، فقد كان حضوره بداية لمسار طويل سيجعل تطوان لاحقا واحدة من أهم مدن الفن التشكيلي في المغرب.
بعد فرض الحماية على المغرب سنة 1912، استمر اهتمام الفنانين الإسبان بمدينة تطوان، لكن بأساليب مختلفة عن المرحلة الفورتونية. فقد ظهرت أعمال بعيدة نسبيا عن النزعة الاستشراقية التقليدية، واعتمدت تقنيات أكثر حداثة تأثرا بالأساليب الفنية السائدة في الغرب، مثل الواقعية، والانطباعية، والوحشية.
وكانت الصفة المميزة لهذا الجيل الثاني من الفنانين الإسبان هي محاولة التعمق في التراث والثقافة التطوانيين بواسطة التعبير التشكيلي. لم تعد تطوان مجرد مشهد خارجي غريب، بل أصبحت فضاء جماليا وثقافيا يحتاج إلى فهم أعمق.
وفي مقدمة هذا الجيل يبرز اسم الفنان الإسباني ماريانو برتوتشي، الذي سيصبح واحدا من أهم الأسماء في تاريخ الفن التشكيلي بتطوان وشمال المغرب.
قام ماريانو برتوتشي بعدة زيارات إلى شمال المغرب، وكانت أول زيارة له سنة 1889 إلى مدينة طنجة. غير أن علاقته الأعمق ستكون مع تطوان، المدينة التي استقر بها سنة 1930، بسبب تعلقه بجمالها، وبسبب ما كانت تذكره به من أجواء غرناطة، مسقط رأسه، وبسبب تشبعه بالفن الإسلامي الأندلسي.
لقد وجد برتوتشي في تطوان مدينة قريبة من حساسيته الفنية. فبياض المدينة، وأبوابها، وحرفها، ولباسها، وأسواقها، وصناعاتها، وذاكرتها الأندلسية، كلها عناصر جعلته لا يكتفي برسمها، بل يعمل على حماية تراثها وإبرازه.
ومن هنا لم يكن برتوتشي مجرد فنان زائر، بل أصبح شخصية مؤثرة في الحياة الفنية والثقافية للمدينة.
عين برتوتشي مديرا في مدرسة الفنون والصنائع الوطنية، كما عين محافظا على المباني الأثرية، وعلى متحفي تطوان القديم والإثنوغرافي. وقد ساهم من موقعه هذا في حماية عدد من مظاهر التراث التطواني، خاصة الحرف والصنائع التي كانت مهددة بالاندثار بسبب منافسة المنتوج الأجنبي.
ولم يتوقف دوره عند الإدارة والتكوين، بل عمل كذلك على التعريف بالتراث الحضاري للمدينة في المعارض الدولية، وعبر الملصقات والبطاقات والطوابع البريدية.
وهذا الجانب مهم جدا في فهم شخصية برتوتشي. فقد كان فنانا، لكنه كان أيضا حافظا للتراث، ومروجا لصورة تطوان الفنية والحضارية، ومؤسسا لوعي بصري جديد بالمدينة.
يبقى أهم إنجاز خلد اسم برتوتشي في تطوان هو تأسيسه للمدرسة الإعدادية للفنون الجميلة. فبعد تأسيس المعهد الموسيقي الإسباني المغربي، أصبح من الضروري إتمام حقل الدراسات الفنية بالمدينة، عبر إحداث مؤسسة خاصة بالفنون التشكيلية.
وقد دفع برتوتشي إدارة الحماية الإسبانية إلى إحداث مدرسة إعدادية لتدريس الفنون الجميلة، كان هدفها الأول تنشيط الحركة الفنية في المنطقة الخليفية، وإعداد الطلبة المغاربة والإسبان لمعرفة الاختصاصات التقنية والنظرية للتعبير التشكيلي.
وكان هذا الإعداد يسمح للطلبة لاحقا بمتابعة دراستهم في المدارس الفنية العليا بإسبانيا، خصوصا في إشبيلية ومدريد.
كلف برتوتشي بتنظيم المدرسة من الناحيتين الإدارية والبيداغوجية، فدشنت يوم 12 دجنبر 1945 داخل الفضاء الذي كان يشغله مركز الدراسات المغربية، وهي البناية التي أصبحت لاحقا مقر نيابة وزارة التعليم.
في البداية، اشتملت المدرسة على ثلاثة أقسام خصصت للتعليم الفني. وبعد سنة دراسية تجريبية، تأسست رسميا بموجب ظهير خليفي مؤرخ في 27 نونبر 1946، نص على خضوعها لإدارة برتوتشي، وعلى تحديد برنامجها الدراسي.
ولم يتم تعيين برتوتشي مديرا رسميا لهذه المدرسة إلا سنة 1947.
حدد الظهير الخليفي البرنامج الدراسي للمدرسة في أربع مواد أساسية:
الرسم القديم.
تاريخ الفن.
التلوين.
النحت على الطين.
كما نص على اختيار الأساتذة من بين الفنانين المختصين والحاصلين على شهادات المدارس العليا للفنون الجميلة، باستثناء أساتذة مادة تاريخ الفن.
هذا الاختيار يبين أن المدرسة لم تكن مجرد ورشة بسيطة للرسم، بل مؤسسة ذات تصور أكاديمي واضح، تجمع بين التكوين التقني، والدراسة النظرية، والتدريب على المواد الفنية الأساسية.
تشكلت هيئة أساتذة المدرسة من أسماء إسبانية متخصصة في الفنون، من بينها:
Carlos Gallegos في مادة الرسم.
Tomas Ferrandiz في النحت على الطين والقوالب.
Guillermo Gustavino في تاريخ الفن.
Araceli Gonzales في التلوين.
Diego Games أستاذا مساعدا للتلوين.
Alejandro Tomillo أستاذا مساعدا للنحت على الطين.
وقد ساهمت هذه الهيئة في وضع الأسس الأكاديمية الأولى للتكوين الفني بتطوان، وربط الطلبة بالمعرفة التقنية والنظرية التي كانت تؤهلهم للالتحاق بالمدارس العليا للفنون الجميلة في إسبانيا.
بفضل التكوين الأكاديمي المتين الذي تلقاه طلبة المدرسة الإعدادية للفنون الجميلة بتطوان، تمكن عدد منهم من النجاح بامتياز في امتحانات القبول بالمدارس العليا الإسبانية، رغم صعوبتها.
ومن بين هذه المدارس مدرسة Santa Isabel de Hungría في إشبيلية، ومدرسة San Fernando في مدريد. وقد قبل بعض خريجي تطوان في هذه المؤسسات، ومنهم Amadio Freixas في مدرسة سان فرناندو سنة 1951، وAntonio Moya في مدرسة إشبيلية سنتي 1950 و1951.
وتدل هذه النجاحات على أن مدرسة تطوان لم تكن مؤسسة محلية محدودة، بل كانت قادرة على إعداد طلبة بمستوى يؤهلهم للمنافسة في مؤسسات فنية كبرى خارج المغرب.
منذ تلك المرحلة، ارتبط تاريخ الفن التشكيلي بتطوان وشمال المغرب ارتباطا عميقا بمؤسسة الفنون الجميلة. فقد انتقلت هذه المؤسسة عبر مراحل مختلفة: من المدرسة الإعدادية، إلى المدرسة الوطنية، ثم إلى المعهد الوطني، وظلت محافظة على دورها في تكوين الفنانين وخلق أجيال جديدة.
وقد تأثر خريجوها بهيئة أساتذتها، وببرامجها، ومناهجها، وبما عرفته من تطور مواكب للمستجدات الوطنية والعالمية. لذلك لا يمكن الحديث عن الفن التشكيلي الحديث بتطوان دون الحديث عن هذه المدرسة، لأنها كانت الحاضنة التي منحت المدينة مكانتها الفنية.
ما يميز تجربة تطوان في الفن التشكيلي أنها لم تقف عند حدود التأثر بالفنانين الإسبان، بل تحولت مع الزمن إلى مدرسة مغربية لها شخصيتها. فقد انتقل الفن من أن يكون نظرة خارجية إلى المدينة، كما حدث مع بعض الرسامين الأوروبيين، إلى أن يصبح تعبيرا داخليا يصدر عن أبناء المدينة وخريجي مؤسساتها الفنية.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن تطوان لم تكن فقط موضوعا للرسم، بل أصبحت مركزا لتعليم الرسم، ومختبرا للتعبير التشكيلي، ومكانا لصناعة فنانين قادرين على ربط التراث بالحداثة.
لعبت تطوان دورا مهما في إدخال الفن التشكيلي الحديث إلى المغرب، لكنها فعلت ذلك بطريقة خاصة. فهي لم تقطع مع تراثها، ولم تجعل الحداثة نقيضا للصناعة التقليدية والحرف، بل حاولت أن تربط بينهما.
فبرتوتشي نفسه كان مهتما بالحرف والصنائع، وبالفن الإسلامي الأندلسي، وبالعمارة التاريخية، وفي الوقت نفسه كان يدفع نحو تعليم أكاديمي حديث في الرسم والتلوين والنحت وتاريخ الفن.
ومن هنا جاءت خصوصية تطوان: مدينة تجعل الحداثة الفنية امتدادا للذاكرة، لا بديلا عنها.
اليوم، حين نتحدث عن الفن التشكيلي بتطوان، لا يمكن أن نغفل المؤسسات والفضاءات التي تواصل حفظ هذه الذاكرة، ومن بينها مركز تطوان للفن الحديث، الموجود في محطة القطار القديمة. فهذا المركز يمثل امتدادا رمزيا لمسار طويل بدأ من الاحتكاك الأول بالفن الأوروبي، ومر ببرتوتشي ومدرسة الفنون الجميلة، ثم تطور مع أجيال الفنانين المغاربة.
وهكذا يجتمع في تطوان تاريخ النقل والفن والذاكرة العمرانية في مكان واحد، لأن محطة القطار التي كانت بوابة للمسافرين تحولت إلى بوابة للفن الحديث.
يرجع تاريخ الفن التشكيلي الحديث بتطوان إلى القرن التاسع عشر، حين ارتبطت المدينة بالاحتلال الإسباني الأول ما بين 1860 و1862، وبزيارة الفنان فورتوني سنة 1860 لإعداد لوحات حرب تطوان. ثم تطورت هذه العلاقة خلال عهد الحماية، مع جيل من الفنانين الإسبان الذين حاولوا الاقتراب من التراث التطواني بأساليب فنية حديثة.
ويظل ماريانو برتوتشي الشخصية المركزية في هذا المسار، فقد استقر بتطوان سنة 1930، وعمل على حماية تراثها، والتعريف به، وتأسيس المدرسة الإعدادية للفنون الجميلة، التي دشنت يوم 12 دجنبر 1945، ثم تأسست رسميا بظهير خليفي يوم 27 نونبر 1946.
ومن خلال هذه المدرسة، ارتبط الفن التشكيلي بتطوان بالمؤسسة والتكوين الأكاديمي، وتخرجت أجيال ستجعل من المدينة واحدة من أهم مراكز الفن الحديث بالمغرب.
إن تاريخ الفن التشكيلي بتطوان هو تاريخ لقاء بين الأندلس والمغرب وإسبانيا، بين الحرفة واللوحة، بين التراث والحداثة. وهو أيضا دليل على أن تطوان لم تكن فقط مدينة بيضاء جميلة، بل مدينة أنتجت وعيا فنيا عميقا، وساهمت في بناء ذاكرة التشكيل المغربي الحديث.
اعتمادا على معطيات بوعبيد بوزيد.