تُعد معركة البيوت – El Biutz Battle واحدة من المحطات العسكرية البارزة في تاريخ مقاومة قبائل شمال المغرب للتوسع الاستعماري الإسباني، خاصة في المجال الممتد بين سبتة وتطوان. وقد ارتبطت هذه المعركة بقرية البيوت، وهي قرية أنجرية ذائعة الصيت في الجهاد، تقع قرب مدينة سبتة، وتنتمي إلى فرقة الغابويين، وتُعد اليوم من قرى مشيخة واد المرسى، ضمن الجماعة الترابية تاغرامت بإقليم الفحص أنجرة.
وتحل ذكرى معركة البيوت يوم 29 يونيو من كل عام، باعتبارها لحظة تاريخية تكشف الدور الذي لعبته هذه القرية في عرقلة عمليات الغزو الإسباني، خاصة بعد احتلال القوات الإسبانية لمدينة تطوان سنة 1913، وتحول الطريق الرابط بين سبتة وتطوان إلى محور عسكري وتمويني حاسم بالنسبة للإسبان.
تقع قرية البيوت في مجال أنجرة، قريباً من مدينة سبتة، ضمن منطقة كانت ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للقوات الإسبانية. فقد كانت سبتة قاعدة عسكرية وتموينية مهمة، بينما كانت تطوان، بعد احتلالها، مركزاً أساسياً للحضور الإسباني في شمال المغرب.
هذا الموقع جعل البيوت في قلب الطريق الذي تمر منه قوافل التموين الإسبانية القادمة من سبتة نحو تطوان. ولهذا لم تكن القرية مجرد تجمع سكاني صغير، بل تحولت إلى نقطة مقاومة وعرقلة أمام التحركات العسكرية الإسبانية.
بعد أن احتلت القوات الإسبانية مدينة تطوان يوم 19 فبراير 1913، أصبحت الطريق بين سبتة وتطوان شرياناً حيوياً للقوات الإسبانية. غير أن هذه القوافل ظلت تتعرض لهجومات مجاهدي البيوت في عدة نقاط، مما أربك القيادة العسكرية الإسبانية وجعلها تنظر إلى القرية باعتبارها عقبة يجب إخضاعها.
وكانت هذه الهجمات جزءاً من مقاومة محلية واسعة، قادتها قبائل ومناطق مختلفة من الشمال المغربي، في مواجهة محاولة الإسبان تثبيت وجودهم العسكري والسياسي بالمنطقة.
دفعت الهجمات المتكررة على قوافل التموين القيادة العسكرية الإسبانية إلى التفكير في إخضاع قرية البيوت. ومن أجل ذلك، حشدت بمدينة سبتة جيشاً كبيراً بلغ 22 ألفاً من المشاة و6 آلاف من الفرسان، وعُيّن الجنرال ميلانس على رأس هذه القوات.
ويكشف حجم هذا الحشد العسكري عن الأهمية التي منحتها إسبانيا للعملية، وعن المكانة التي كانت تحتلها قرية البيوت في حسابات الجيش الإسباني. فالأمر لم يكن يتعلق بقرية عادية، بل بموقع مقاوم يتحكم في مجال حساس بين سبتة وتطوان.
في يوم 29 يونيو 1916، توجهت القوات الإسبانية نحو قرية البيوت، حيث اندلعت معركة دامية بين القوات الإسبانية ومجاهدي المنطقة. وقد كانت المعركة من العمليات العسكرية الكبرى التي خاضتها إسبانيا في شمال المغرب خلال تلك المرحلة.
وتشير المعطيات التاريخية إلى أن القوات الإسبانية تكبدت خسائر مهمة، إذ مات في المعركة كولونيل واحد، وكومنداران، وثلاثة ضباط صغار، و71 جندياً. كما جُرح كولونيل آخر، و22 ضابطاً، و262 جندياً.
وكان من بين الجرحى القبطان فرانكو، الذي سيصبح لاحقاً رئيساً للدولة الإسبانية، وهو معطى يضفي على المعركة بعداً إضافياً في التاريخ الإسباني نفسه.
بعد العملية العسكرية التي مكنت الإسبان من احتلال البيوت، بعث الجنرال خوردانا برقية إلى حكومته الإسبانية يوم 26 يوليوز 1916، جاء فيها:
“إني أعتبر أن العملية التي مكنتنا من احتلال البيوت من أهم العمليات العسكرية التي قمنا بها لحد الآن بأرض إفريقيا على الإطلاق.”
تكشف هذه العبارة الأهمية الكبيرة التي منحها الإسبان لمعركة البيوت، وتوضح أن احتلال القرية لم يكن بالنسبة إليهم عملية ثانوية، بل حدثاً عسكرياً بالغ الأهمية ضمن مشروعهم الاستعماري في شمال المغرب.
تشير المعطيات المرتبطة بالمعركة إلى أن الجيش الإسباني لم يكن ليتمكن من الانتصار واحتلال قرية البيوت لولا مشاركة الشريف أحمد الريسوني في العملية، على رأس 6000 من رجاله إلى جانب الإسبان.
ويبقى موقف الشريف الريسوني من القضايا العسكرية والسياسية في تلك المرحلة موضوعاً تاريخياً معقداً، اختلفت حوله الآراء والتقديرات. غير أن الثابت في سياق معركة البيوت أن مشاركة قواته كان لها أثر حاسم في ترجيح الكفة لصالح الإسبان.
ومع ذلك، وبغض النظر عن موقف سكان قبيلة أنجرة من حركة أحمد الريسوني، فإن المؤكد أن قرية البيوت اضطلعت بدور مهم ومركزي في عرقلة عمليات الغزو الإسباني على امتداد فترات زمنية مختلفة.
أوكلت القيادة الإسبانية مهمة الهجوم على قرية البيوت وتدميرها وحرقها وتهجير سكانها سنة 1916 إلى عدد من الجنرالات، كان لكل واحد منهم محور محدد في الهجوم.
كُلّف الجنرال ميلانس ديل بوسش بمهمة الهجوم على قرية البيوت من جهة قاعدة كدية عين التاش فدريكو، وكان على رأس القوات التي حُشدت لهذه العملية.
أُوكلت إلى الجنرال مارتينيث أنيدو مهمة الهجوم على قرية البيوت من جهة الحافة الحمراء، المعروفة أيضاً باسم عين الجير السريجة.
أُسندت إلى الجنرال سانتيش مانخون مهمة اقتحام قرية البيوت، ضمن الخطة العسكرية التي استهدفت إخضاعها والسيطرة عليها.
وتُظهر هذه المحاور المتعددة أن الهجوم على البيوت كان عملية عسكرية منظمة وواسعة، لا مجرد تحرك محدود.
تنبع أهمية معركة البيوت من كونها تكشف موقع قبيلة أنجرة وقرية البيوت في مقاومة التوسع الإسباني. فقد كانت المنطقة، بحكم قربها من سبتة وطريق تطوان، في تماس مباشر مع المشروع العسكري الإسباني.
ومن خلال الهجمات التي تعرضت لها قوافل التموين، يظهر أن مجاهدي البيوت لم يكتفوا بالدفاع عن القرية، بل ساهموا في عرقلة التواصل العسكري بين سبتة وتطوان، وهو ما جعل الإسبان يعتبرون إخضاعها ضرورة استراتيجية.
لا تُقرأ معركة البيوت فقط من خلال الأرقام العسكرية والخسائر والأسماء، بل من خلال الذاكرة المحلية أيضاً. فالقرية بقيت حاضرة في وجدان سكان المنطقة باعتبارها رمزاً للمقاومة، وفضاءً دفع ثمناً كبيراً بسبب موقعه ودوره في مواجهة التوسع الإسباني.
وقد أصبحت صفحات ومبادرات محلية مثل “El Biutz البيوت” و“بوابة البيوت: التاريخ والحاضر” جزءاً من الجهود الرامية إلى حفظ ذاكرة القرية والتعريف بتاريخها.
تندرج معركة البيوت ضمن سلسلة من المواجهات التي عرفها شمال المغرب خلال فترة الحماية والتوسع الإسباني. فقد شكلت المنطقة الممتدة من سبتة إلى تطوان مجالاً حساساً، تداخلت فيه العمليات العسكرية مع المقاومة القبلية، ومع التحالفات المحلية المعقدة.
ومن خلال هذه المعركة، يمكن فهم طبيعة الصراع في الشمال المغربي: جيش استعماري يحاول تأمين الطرق والمراكز، ومجاهدون محليون يعتمدون على معرفة الأرض ومهاجمة القوافل وعرقلة التحركات.
توثيق معركة البيوت مهم لأنه يحفظ ذاكرة قرية أنجرية لعبت دوراً مركزياً في مقاومة التوسع الإسباني. كما يساعد على فهم تاريخ إقليم الفحص أنجرة، وعلاقة المنطقة بمدينة سبتة وتطوان، ومكانة القرى الصغيرة في صناعة أحداث كبرى.
كما أن هذه المعركة تكشف أن تاريخ المقاومة في الشمال المغربي لم يكن محصوراً في المدن أو القيادات الكبرى فقط، بل صنعته أيضاً قرى ومداشر ومجالات جبلية وساحلية كان لها أثر مباشر في تعطيل المشروع الاستعماري.
معركة البيوت، التي جرت يوم 29 يونيو 1916، واحدة من أبرز المعارك التي عرفها مجال أنجرة في مواجهة التوسع الإسباني. فقد كانت قرية البيوت، القريبة من سبتة والمنتمية إلى فرقة الغابويين، نقطة مقاومة مهمة عرقلت قوافل التموين الإسبانية القادمة من سبتة إلى تطوان بعد احتلال هذه الأخيرة سنة 1913.
وأمام هذه الهجمات، حشدت القيادة الإسبانية بسبتة جيشاً كبيراً بلغ 22 ألفاً من المشاة و6 آلاف من الفرسان، بقيادة الجنرال ميلانس. وقد انتهت المعركة باحتلال القرية، بعد خسائر إسبانية مهمة، وكان من بين الجرحى القبطان فرانكو، الذي سيصبح لاحقاً رئيساً للدولة الإسبانية.
وتؤكد برقية الجنرال خوردانا إلى حكومته، يوم 26 يوليوز 1916، أن احتلال البيوت اعتُبر من أهم العمليات العسكرية الإسبانية بأرض إفريقيا. ورغم ذلك، بقيت البيوت في الذاكرة المحلية رمزاً للمقاومة، وقرية أنجرية اضطلعت بدور مهم في عرقلة عمليات الغزو الإسباني بالشمال المغربي.
معركة البيوت
El Biutz Battle
29 يونيو 1916
قرية البيوت، قرب سبتة، ضمن مشيخة واد المرسى، الجماعة الترابية تاغرامت، إقليم الفحص أنجرة
قرية أنجرية تنتمي إلى فرقة الغابويين
مقاومة قوافل التموين الإسبانية القادمة من سبتة إلى تطوان بعد احتلال تطوان سنة 1913
22 ألفاً من المشاة و6 آلاف من الفرسان
الجنرال ميلانس
القبطان فرانكو، الذي أصبح لاحقاً رئيساً للدولة الإسبانية
29 يونيو من كل سنة
تقع قرية البيوت قرب مدينة سبتة، وتنتمي تاريخياً إلى أنجرة وفرقة الغابويين، وهي اليوم من قرى مشيخة واد المرسى بالجماعة الترابية تاغرامت في إقليم الفحص أنجرة.
وقعت معركة البيوت يوم 29 يونيو 1916.
هاجمت إسبانيا قرية البيوت لأن مجاهديها كانوا يهاجمون قوافل التموين الإسبانية القادمة من سبتة إلى تطوان، مما عرقل التحركات العسكرية الإسبانية.
كان الجنرال ميلانس على رأس الجيش الإسباني، وشارك في العملية جنرالات آخرون منهم مارتينيث أنيدو وسانتيش مانخون.
تكمن أهميتها في أنها كشفت الدور المركزي لقرية البيوت في عرقلة الغزو الإسباني، حتى اعتبر الجنرال خوردانا احتلالها من أهم العمليات العسكرية الإسبانية بأرض إفريقيا.
محمد ابن عزوز حكيم، معلمة المغرب، الجزء السادس، 1992.
منوغرافيا الجماعة الترابية تاغرامت، إقليم الفحص أنجرة.
مدونة El Biutz.
صفحة El Biutz البيوت.
صفحة القرية بوابة البيوت: التاريخ والحاضر.