أصالة تطوان الفنّيّة وتميّزها الثقافي - TetouanClub | المنصة الرقمية لتطوان والنواحي

أصالة تطوان الفنّيّة وتميّزها الثقافي

تعد مدينة تطوان واحدة من المدن المغربية التي صنعت فرادتها من تعدد روافدها البشرية والثقافية والفنية. فمنذ إعادة بنائها، لم تكن تطوان مدينة ذات أصل واحد أو لون واحد، بل فضاء حضريا مفتوحا استقطب سكان الجبل والريف والأندلس وفاس والجزائر، كما احتضن المسلمين واليهود والمسيحيين، فنتج عن هذا التنوع مجتمع متحضر، غني في ذوقه، ومتوازن في حياته، ومتميز في إنتاجه الثقافي والفني.

ولعل هذا التعدد هو ما جعل المدينة العتيقة لتطوان تحفة عمرانية وبصرية، بأبوابها وشوارعها وصوامعها وحدائقها، وبزخارفها المتنوعة في الخشب والخزف والحديد والطرز والجلد والحلي، وبما تحتفظ به من عناصر معمارية تجمع بين الأقواس والخطوط الأفقية والعمودية والمائلة، داخل نسيج عمراني تتقاطع فيه الأنوار والظلال بين الدروب والأزقة.

إن أصالة تطوان الفنية لا تكمن فقط في جمال بناياتها، بل في التربية الجمالية التي تشبع بها الإنسان التطواني عبر القرون. فقد عاش وسط فضاء بصري منظم، تغذيه الحرف، والزخارف، والبياض، والنظام، والحدائق، والماء، والضوء، فانعكس ذلك على سلوكه وإنتاجه وطريقة عيشه، سواء كان ميسورا أو بسيط الحال.

مدينة صنعتها روافد متعددة

عرفت تطوان منذ إعادة بنائها تنوعا بشريا واضحا. فقد استقبلت عناصر من الجبل والريف، ومهاجرين من الأندلس، وأسرًا من فاس والجزائر، إضافة إلى مكونات دينية وثقافية متعددة. هذا التعدد لم ينتج تنافرا، بل ساهم في تشكيل مجتمع حضري ذي ذوق خاص.

فالمدينة لم تكن مجرد تجمع سكاني، بل كانت ملتقى لتقاليد متنوعة، امتزج فيها الحس الأندلسي بالروح الجبلية والريفية، وبالتأثير الفاسي، وببعض الروافد الجزائرية والمتوسطية. ومن هذا الامتزاج تولدت شخصية تطوانية خاصة، تظهر في العمارة، واللباس، والصناعة التقليدية، والزخرفة، والذوق اليومي.

وهذا ما جعل تطوان مدينة قادرة على امتصاص التأثيرات الخارجية دون أن تفقد أصالتها.

المدينة العتيقة كتحفة بصرية

من يتجول في المدينة العتيقة لتطوان يلاحظ أن الجمال ليس محصورا في معلمة واحدة، بل موزع في التفاصيل: في الأبواب، والصوامع، والأقواس، والحدائق، والدروب، والبيوت، والنوافذ، والزليج، والخشب المنقوش، والحديد المشغول.

فالمدينة العتيقة ليست فقط تراثا معماريا، بل نظام بصري متكامل. فيها يتقاطع النور والظل، وتتحاور الخطوط الأفقية والعمودية والمائلة، وتتوزع الأقواس بأشكال متنوعة، في مشهد عمراني يعطي للإحساس الجمالي مكانة مركزية في الحياة اليومية.

ولهذا كان الفرد التطواني، بحكم عيشه داخل هذا المحيط، يتشبع منذ الصغر بتربية بصرية خاصة. فالذوق لا يتعلم فقط في المدارس، بل يتشكل أيضا في الأزقة والبيوت والأسواق والحدائق.

الفسيفساء والزخارف والصناعات التقليدية

من أهم مظاهر الأصالة الفنية بتطوان حضور الفنون التطبيقية والحرف التقليدية في الحياة اليومية. فالزخارف لم تكن مجرد ترف جمالي، بل كانت جزءا من البيت واللباس والأثاث والأواني والاحتفالات.

ويظهر هذا الغنى في الفسيفساء، وأشغال الخشب، والخزف، والحديد، والطرز، والجلد، والحلي. وكل هذه الفنون تعكس قدرة المجتمع التطواني على تحويل المواد البسيطة إلى أشكال جمالية تحمل الذاكرة والذوق والهوية.

فالخشب لا يبقى خشبا عاديا، بل يتحول إلى باب أو سقف أو قطعة أثاث مزخرفة. والحديد يصبح شبابيك وأبوابا وحواجز ذات طابع فني. والجلد والطرز والحلي تتحول إلى علامات ذوقية واجتماعية. وهكذا تصبح الحرفة في تطوان فنا يوميا لا ينفصل عن الحياة.

الأثر الأندلسي بعد سقوط غرناطة

تبدأ المسحة الأندلسية الواضحة في الفن التطواني بعد سقوط غرناطة سنة 1492، واستقرار المهاجرين الأندلسيين الأوائل بالمدينة. وقد حمل هؤلاء معهم ذاكرة عمرانية وفنية وثقافية ستترك أثرها العميق في تطوان.

لكن ظروف الهجرة، والتواضع الاقتصادي الذي عرفته المدينة خلال القرن السادس عشر، جعلا الفن في تلك المرحلة بسيطا في شكله، دون أن يفقد عمقه الحسي والجمالي. فقد كان فنا متفتحا، متصلا بمحيطه الجبلي والريفي، وقادرا على التكيف مع واقع المدينة الجديدة.

وهنا تظهر إحدى خصائص الفن التطواني: البساطة لا تعني الفقر الجمالي، بل قد تكون تعبيرا عن ذوق هادئ، وعن قدرة على إنتاج الجمال بأقل الوسائل.

المورسكيون ووجه فني جديد

في أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، عرفت تطوان مرحلة جديدة مع نزوح المورسكيين إليها. وقد حمل هؤلاء الوافدون الجدد تأثيرات فنية مختلفة، بعضها متصل بالفن النهضوي الذي عرفوه في الأندلس وإسبانيا.

وتجلت هذه التأثيرات في المعمار، من خلال الأقواس والسواري، كما ظهرت في بعض الفنون الزخرفية والتزيينية، خاصة في الصباغة، والخشب، والنسيج. غير أن هذه المرحلة ظلت محتفظة بنوع من البساطة في النماذج الزخرفية، مع غياب واضح للفسيفساء، وتجنب الألوان الصارخة، وطغيان اللون الأبيض.

وهذا الطابع الأبيض سيصبح لاحقا من أبرز علامات تطوان البصرية، حتى ارتبطت المدينة بلقب “الحمامة البيضاء”.

اللون الأبيض كهوية بصرية

طغيان اللون الأبيض في تطوان ليس مجرد اختيار جمالي، بل جزء من شخصية المدينة. فالبياض يمنح العمران صفاء، ويجعل الأزقة أكثر إشراقا، ويخلق علاقة خاصة بين الضوء والجدران.

وقد ساهم هذا اللون في صياغة الحس البصري للتطوانيين. فهو لون الهدوء والنقاء والبساطة، وفي الوقت نفسه خلفية تسمح للزخارف الخشبية والحديدية والطرزية واللونية أن تظهر دون مبالغة.

ولهذا يمكن القول إن اللون الأبيض كان من عناصر التوازن في الفن التطواني: يسمح بالجمال، لكنه يمنع الإفراط؛ يفتح المجال للزخرفة، لكنه يحافظ على السكينة.

التأثير العثماني في القرن الثامن عشر

خلال القرن الثامن عشر، عرفت تطوان تأثيرا عثمانيا في بعض مظاهر الفن، نتيجة العلاقات الروحية والتجارية التي ربطتها بعدد من المدن العثمانية. وقد ظهر هذا التأثير خاصة في مجال الطرز والمعمار، ومن علاماته الصوامع المثمنة وبعض العناصر التي دخلت إلى البيت التطواني.

ولم يكن التأثير العثماني قطيعة مع الروح الأندلسية، بل إضافة جديدة إلى رصيد المدينة. فقد استطاعت تطوان أن تستقبل هذا الرافد وتدمجه ضمن ذوقها المحلي، دون أن تفقد توازنها الفني.

وهكذا ظل الفن التطواني يتطور من خلال التلاقح، لا من خلال الاستنساخ. يأخذ من الخارج، لكنه يعيد صياغته وفق شخصيته الخاصة.

الأرستقراطية الجديدة في القرن التاسع عشر

مع بداية القرن التاسع عشر، ظهرت في تطوان أرستقراطية جديدة استفادت من العمل مع المخزن، أو من التجارة مع الشرق وأوروبا. وقد كان لظهور هذه الفئة أثر واضح في تطور الفن والعمارة داخل المدينة.

فقد برزت الدور الكبيرة المتأثرة بالقصور الفاسية، وبدأ استعمال مواد بنائية وافدة من أوروبا، وخاصة الحديد. كما اتسعت الفضاءات الداخلية، وكثر استعمال الزخارف والتنميقات في اللون والخط والشكل، وارتفعت نسبة استعمال الزليج.

هذه المرحلة أدخلت الفن التطواني في أسلوب أكثر غنى من حيث الزخرفة والمواد والفضاءات، مع استمرار الارتباط بالذوق المغربي الأصيل.

التأثير الفاسي والأوروبي

كان التأثير الفاسي واضحا في بعض الدور الكبيرة التي ظهرت خلال القرن التاسع عشر، خاصة من حيث تنظيم الفضاءات الداخلية والزخارف واستعمال الزليج. فقد ظلت فاس، بحكم مكانتها التاريخية والحضارية، مرجعا معماريا وفنيا مهما في المغرب.

وفي الوقت نفسه، دخلت عناصر أوروبية جديدة إلى الديكور والأثاث التطواني، نتيجة التجارة والاتصال بأوروبا. وقد شمل ذلك بعض المواد، والأشكال، والأثاث، والعناصر الجمالية التي بدأت تجد مكانها داخل البيت التطواني.

لكن الأهم أن تطوان لم تستقبل هذه التأثيرات بشكل سلبي، بل أعادت ترتيبها داخل منظومتها الجمالية. لذلك بقي البيت التطواني مغربيا في روحه، حتى عندما استعمل مواد أو عناصر وافدة.

مناعة الفن الشعبي التطواني

رغم كثرة التأثيرات التي عرفها الفن الشعبي التطواني، من أندلسية ومورسكية وعثمانية وفاسية وأوروبية، فإنه استطاع أن يحافظ على شخصيته. وهذا راجع إلى ما يمكن تسميته بمناعة الأصالة.

فالفن التطواني لم يكن فنا ضعيفا أمام التأثير الخارجي، بل كان يمتلك جذورا عميقة تسمح له بالتفاعل دون الذوبان. يأخذ من هنا وهناك، لكنه لا يتحول إلى نسخة من غيره.

هذه القدرة على التلاقح والانسجام هي سر تميز تطوان. فكل مرحلة تركت أثرا، لكن المدينة ظلت تحتفظ بخيط داخلي يربط كل هذه الطبقات الفنية ببعضها.

الحماية وبداية اجتياح الفن الغربي

استمر الأسلوب الفني التطواني، في تعدده وانسجامه، إلى غاية فرض الحماية سنة 1912. ومع الحماية، دخلت المدينة مرحلة جديدة عرفت اجتياح الفن الغربي بتقنياته وأدواته ووسائط تعبيره.

وقد ظهر هذا التحول لاحقا في علاقة تطوان بالفن التشكيلي الحديث، وفي تأسيس مؤسسات فنية مثل مدرسة الفنون الجميلة، وفي احتكاك الفنانين المغاربة بالفنانين الإسبان وبالمناهج الأكاديمية الغربية.

لكن هذا الدخول الغربي لم يأت إلى أرض فارغة، بل دخل إلى مدينة تمتلك أصلا فنيا قويا، وحسا بصريا متجذرا، ورصيدا حضاريا كبيرا. ولذلك استطاعت تطوان أن تتحول إلى مركز مهم للفن الحديث، دون أن تنقطع عن تراثها.

من الحرفة إلى الفن الحديث

يمكن فهم تاريخ الفن بتطوان كمسار طويل يبدأ من الحرفة والصنعة والعمارة والزخرفة، ثم يتطور لاحقا إلى الفن التشكيلي الحديث. فالمدينة التي عرفت الزليج، والخشب، والحديد، والطرز، والجلد، والحلي، والحدائق، والبيوت الأندلسية، كانت مؤهلة طبيعيا لاستقبال فن الرسم والتشكيل.

ولهذا لم يكن ظهور مدرسة الفنون الجميلة بتطوان حدثا معزولا، بل امتدادا لتاريخ بصري قديم. فقد وجد الفن الحديث في تطوان تربة غنية، لأن المدينة كانت أصلا مدينة ذوق وفنون وحرف.

تطوان: مدينة تربي العين

من أجمل ما يمكن قوله عن تطوان أنها مدينة تربي العين. فالمشي في أزقتها، وتأمل بيوتها، والنظر إلى أبوابها وأسوارها وصوامعها وحدائقها، يجعل الإنسان قريبا من الجمال دون أن يشعر.

وهذه التربية البصرية هي التي جعلت التطواني، في حياته اليومية، ميالا إلى النظام، والنظافة، والتناسق، وحسن الاختيار في اللباس والبيت والضيافة والصنعة. فالفن هنا لا يوجد فقط في المتاحف، بل في تفاصيل العيش.

ولهذا يمكن اعتبار تطوان مدينة فنية قبل أن تعرف الفن التشكيلي الحديث؛ لأن الفن كان حاضرا في ثقافتها الشعبية والعمرانية منذ قرون.

خلاصة

تكشف أصالة تطوان الفنية وتميزها الثقافي عن مدينة صنعت جمالها من تعدد روافدها. فقد التقت فيها عناصر الجبل والريف والأندلس وفاس والجزائر، وتعايش فيها المسلمون واليهود والمسيحيون، فنتج عن هذا التعدد مجتمع حضري غني في ذوقه وفنونه.

ومنذ سقوط غرناطة سنة 1492 واستقرار الأندلسيين، ثم نزوح المورسكيين في أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، تشكلت ملامح فنية خاصة، قائمة على البساطة، والبياض، والأقواس، والسواري، والزخارف الهادئة. ثم أضاف القرن الثامن عشر تأثيرات عثمانية في الطرز والمعمار، قبل أن يعرف القرن التاسع عشر تأثيرا فاسيا وأوروبيا في الدور الكبيرة والمواد والأثاث والزليج.

ورغم كل هذه المؤثرات، حافظ الفن الشعبي التطواني على أصالته، لأنه امتلك مناعة داخلية مكنته من التفاعل دون الذوبان. ومع فرض الحماية سنة 1912، دخلت المدينة مرحلة جديدة مع الفن الغربي الحديث، لكنها دخلتها وهي تحمل رصيدا بصريا وحضاريا عميقا.

إن تطوان ليست مدينة جميلة فقط، بل مدينة ذات أصالة فنية متجذرة، صنعت من تنوعها الثقافي هوية خاصة، ومن تراثها البصري مدرسة في الذوق والجمال.

اعتمادا على معطيات بوعبيد بوزيد.

التعليقات

  • لا توجد تعليقات بعد.
  • أضف تعليقاً