أصالة تطوان الفنّيّة وتميّزها الثقافيّ

أصالة تطوان الفنّيّة وتميّزها الثقافيّ

عرفت مدينة تطوان تنوّعا  في العنصر البشريّ منذ إعادة بنائها، فقد استقطبتْ سكّانَ الجبل والريف والأندلس وفاس والجزائر، مسلمين ويهودًا ومسيحيّين، فأنتج هذا التنوّعُ مجتمعًا متحضّرًا ثقافيًّا واجتماعيًّا، وجعل من هذه المدينة العتيقة تحفةً بشوارعها وأبوابها وصوامعها وحدائقها، وبكنوزها البصريّة كالفسيفساء والزخارف المتنوّعة في أشغال الخشب والخزف والحديد والطرز والجلد والحلي، وبرصيدها المعماريّ واختلافِ عناصره الهندسيّة، من أقواس متنوّعة وخطوط أفقيّة وعموديّة ومائلة، داخل نسيجٍ عمرانيٍّ يتوحّد فيه الاختلافُ وسط الدروب والأزقّة التي يتقاطع النورُ والظلُّ في مساراتها.

وبفضل هذا الرصيد التراثيّ والحضاريّ غدًا الفردُ التطوانيّ متشبِّعًا بالتربية الجماليّة والحسّ البصريّ. وهو ما أثّر إيجابًا في سلوكه وإنتاجه، داخل حياةٍ متّزنةٍ ومتجانسة، بغضّ النظر عن يسره أو تواضعه.

المسحة الأندلسيّة حاضرة في الأساليب اللاحقة، وقد انطلق بعد سقوط غرناطة (1492) واستقرار المهاجرين الأندلسيّين الأوائل. ونظرًا إلى ظروف الهجرة والتواضع الاقتصاديّ الذي ساد تطوان خلال القرن السادس عشر، فقد عُرف الفنّ آنذاك ببساطة شكله، مع عمقه الحسيّ والجماليّ وتفتّحه وتلاحقِه مع فنون محيطه الجبليّ والريفيّ.

بعد نزوح المورسكييّن إلى مدينة تطوان في أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، اختَبرت الفنونُ في تطوان وجهًا جديدًا بما حمله الوافدون الجُدد من التأثير الفنّيّ النهضويّ، وذلك من خلال الأقواس والسواري في المعمار، مع بساطة النماذج الزخرفيّة والتزيينيّة في فنون الصباغة والخشب والنسيج، وغياب الفسيفساء، وتحاشي الألوان الصارخة، وطغيانِ اللون الأبيض.

وخلال القرن الثامن عشر عرفتْ تطوان التأثيرَ العثمانيّ في الفنّ، نظرًا إلى العلاقات الروحيّة والتجاريّة التي ربطتها بالعديد من المدن العثمانيّة، وتجلّى ذلك في مجال الطرز والمعمار، كالصوامع المثمّنة وغيرها من الفنون التي اجتاحت البيتَ التطوانيّ.

ومع بداية القرن التاسع عشر ظهرتْ أرستقراطيّةٌ جديدة استفادت من اشتغالها مع “المخزن،” أو من ممارستها للتجارة مع الشرق وأوروبا. فبرزت الدُور الكبيرةُ المتأثّرة بالقصور الفاسيّة، وباستعمالها موادَّ بنائيّةً وافدةً من أوروبا، وعلى الخصوص الحديد؛ ما أدخل الفنَّ التطوانيَّ في أسلوبٍ طغت عليه الفضاءاتُ الواسعة، مع الإكثار من الزخارف والتنميقات في اللون والخطّ والشكل، وارتفعتْ نسبةُ استعمال الزليج. كما شهد الديكورُ والأثاثُ التطوانيّ دخولَ عناصر جماليّةٍ جديدة جُلبتْ من أوروبا. وعلى الرغم من كثرة التأثيرات التي اجتاحت الفنَّ الشعبيَّ التطوانيّ، فقد استطاع أن ينسجم ويتلاقح معها بفضل مناعته، المستمدّةِ من أصالته المتجذّرة. واستمرّ هذا الأسلوب متداولًا حتى تاريخ فرض “الحماية،” التي كانت سببًا في اجتياح الفنّ الغربيّ، بتقنيّاته وأدواته ووسائط تعبيره.

بقلم : بوعبيد بوزيد
المراجع : https://al-adab.com
اترك تعليقك
تعليق
اسم
بريد إلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.