العلامة التهامي الوزاني

التهامي الوزاني.. شخصية موسوعية في تاريخ تطوان الحديث

يُعد العلامة التهامي الوزاني الحسني واحداً من أبرز أعلام مدينة تطوان خلال القرن العشرين، فقد جمع بين العلم الشرعي، والأدب، والتاريخ، والصحافة، والتصوف، والعمل الوطني، والتربية والتعليم.

كان رجلاً موسوعياً بكل معنى الكلمة، كتب في السياسة والدين والفلسفة والتصوف والتربية والأدب، وساهم بقلمه وفكره في خدمة الحركة الوطنية بشمال المغرب، كما ترك مؤلفات ودراسات ومخطوطات تشهد على سعة علمه وعمق تكوينه.

ويمثل التهامي الوزاني نموذجاً للعالم التطواني الذي لم يحصر العلم في الدرس النظري، بل جعله وسيلة للإصلاح، وبناء الإنسان، والدفاع عن الوطن، وتربية الأجيال.

النشأة والبدايات

وُلد التهامي الوزاني الحسني بمدينة تطوان سنة 1322هـ، الموافق لسنة 1905م، ونشأ يتيماً في كنف والدته وجدته لأبيه فاطمة علوشة.

وقد كان لهاتين المرأتين أثر كبير في تكوين شخصيته الأولى، إذ نشأ متأثراً بأحاديث جدته وذكرياتها عن أسرته الوزانية، وعن ملوك المغرب ورجاله، وعن الأولياء والصالحين.

وقد ساهم هذا الجو العائلي، المشبع بالذاكرة الدينية والتاريخية والروحية، في غرس حب المعرفة والاعتزاز بالانتماء المغربي في نفسه منذ الصغر.

حفظ القرآن وبداية التكوين العلمي

بدأ التهامي الوزاني مساره التعليمي في الكتاتيب القرآنية بمدينة تطوان، فقرأ القرآن وحفظه في مكتب الفقيه أحمد بن حمزة، الكائن بالمنشور، ثم بمكتب الفقيه أحمد الفتوح الكائن فوق مدخل السوق الفوقي.

وكان يساعد الفقيه الفتوح في مكتبه أحد كبار تلاميذه، وهو الطالب محمد الكحاك، الذي اعتنى بالتهامي الوزاني عناية خاصة بعدما رأى فيه ذكاءً وفطنة.

وقد وجهه إلى حفظ عدد من المتون العلمية، من بينها:

  • الأجرومية.
  • المرشد المعين.
  • ألفية ابن مالك.
  • بعض المختصرات الفقهية.

ثم أخذ يدرس معه هذه الكتب، فاستفاد منها كثيراً، وبدأت تتشكل لديه قاعدة علمية متينة في اللغة والفقه والعلوم الشرعية.

شغفه المبكر بالقراءة والأدب

إلى جانب حفظ المتون والدراسة التقليدية، وجد التهامي الوزاني في خزانة أستاذه بعض كتب الأدب والوعظ، مثل:

  • الروض الفائق في الوعظ.
  • التحفة المرضية.
  • المستطرف.
  • ثمرات الأوراق.

فأقبل على قراءتها بشغف، وكانت هذه الكتب بداية تعلقه بالأدب والكتابة والاطلاع.

وقد دفعه هذا الميل إلى تكوين خزانة خاصة به، فكان يقتني الكتب من مكتبة الحاج محمد بن عبد الهادي القادري، ويدفع ثمنها على أقساط، في دلالة واضحة على حبه الكبير للمعرفة رغم محدودية الإمكانيات.

طلب العلم على شيوخ تطوان

بعد دراسته الأولى، انصرف التهامي الوزاني إلى تلقي العلم على كبار شيوخ مدينة تطوان.

فحضر مجالس الفقيه ابن الأبار في علم المنطق بكتاب “السلم”، كما قرأ على الفقيه الرهوني كتاب “الرسالة” بمسجد العيون.

وقد مكّنه هذا المسار من الانفتاح على العلوم الشرعية واللغوية والعقلية، وجعله واحداً من الطلبة النابهين الذين جمعوا بين الحفظ، والفهم، والقراءة الحرة.

التصوف والزاوية الحراقية

كان للتصوف أثر عميق في شخصية التهامي الوزاني، فقد قرأ في كتب الصوفية وكراماتهم، وتأثر بأحاديث جدته عن الأولياء ومقاماتهم.

وقد دفعه هذا الميل الروحي إلى البحث عن الشيخ الذي يقوده إلى الكمال الروحي والمعرفة بالله، فالتحق بالزاوية الحراقية، واضعاً نفسه رهن إشارة شيخها إدريس الحراق.

وقد اعتزل بهذه الزاوية مدة، وتأثر بجوها الروحي والموسيقي تأثيراً كبيراً.

ودون هذه التجربة في كتابه الشهير “الزاوية”، وهو كتاب يجمع بين السيرة الذاتية للتهامي الوزاني، والتأريخ للزاوية الحراقية بتطوان، والتعريف بشيخها محمد الحراق.

التهامي الوزاني والحركة الوطنية

في العقد الثالث من عمره، استهوت السياسة والعمل الوطني التهامي الوزاني، فانخرط بقوة في الحركة الوطنية الناشئة بشمال المغرب.

وقد ساهم في نموها وتطورها، ووضع خططها، وكان من زعمائها والناطقين باسمها.

وجند قلمه ومواهبه للدفاع عن القضية الوطنية، والعمل على إيقاظ الشعب وتعليمه وتثقيفه، فكتب المقالات السياسية والفكرية، وانتقد الاستعمار وأعوانه، ودعا إلى الإصلاح والوعي والنهضة.

ولم تكن كتاباته محصورة في السياسة فقط، بل كتب أيضاً في:

  • قضايا الفلسفة.
  • شؤون الدين.
  • التربية والتعليم.
  • التصوف.
  • الأدب.
  • الإنتاج السينمائي.
  • القصة الواقعية والأسطورية.
  • السيرة الذاتية.

كما استفاد من معرفته باللغة الإسبانية في الترجمة إلى العربية، وفي تقويم الأبحاث التاريخية، ومقارنة ما كتبه الأجانب بما كتبه المغاربة عن تاريخ المغرب.

جمعية الطالب المغربية

ساهم التهامي الوزاني في تكوين جمعية الطالب المغربية، وهي جمعية لعبت دوراً نشيطاً في المجال الثقافي والفكري.

وقد تولى رئاسة هذه الجمعية خلال الفترة الممتدة ما بين 1940 و1945، وهي مرحلة كانت فيها الجمعيات الثقافية تلعب دوراً مهماً في نشر الوعي الوطني، ودعم التعليم، وتنظيم الشباب والطلبة.

وتعكس هذه التجربة جانباً مهماً من شخصية التهامي الوزاني، باعتباره مربياً ومؤطراً، لا يكتفي بالكتابة والتأليف، بل يشارك في بناء المؤسسات الثقافية.

حزب الإصلاح الوطني وجريدة الريف

كان التهامي الوزاني من المساهمين في تكوين حزب الإصلاح الوطني، الذي كان يرأسه الأستاذ عبد الخالق الطريس.

وقد كان من أبرز أعضاء الحزب، وأسندت إليه مهمة الوكيل ابتداءً من سنة 1936م.

كما أسس جريدة “الريف”، لسان حزب الإصلاح الوطني، وتولى تحريرها، وكان يكتب افتتاحياتها ومقالات أخرى في موضوعات متنوعة.

وقد شكلت هذه الجريدة منبراً مهماً للدفاع عن قضايا المغرب وشماله، ونشر الفكر الوطني والإصلاحي، ومواجهة الخطاب الاستعماري.

وظائفه ومناصبه العلمية والتربوية

تقلد العلامة التهامي الوزاني عدداً من المناصب العلمية والتربوية والدينية المهمة، مما يعكس مكانته داخل الحياة العلمية والثقافية بمدينة تطوان وشمال المغرب.

ومن أبرز هذه المناصب:

  • عُين سنة 1935م مديراً للمعهد الوطني.
  • عُين رئيساً للمدرسة الأهلية التي أنشئت بسبتة ضمن المدارس الحرة.
  • عُين مديراً لمعهد مولاي عبد السلام الذي أنشئ بوادي لاو.
  • عُين خليفة للمجلس الأعلى للتعليم الإسلامي بتطوان تحت رئاسة الفقيه العلامة أحمد الزواقي.
  • عُين مديراً للمعهد الديني، ثم مديراً للمعهد الديني العالي.
  • عُين عميداً لكلية أصول الدين بتطوان بعد الاستقلال.
  • تولى رئاسة المجلس العلمي بمدينة تطوان.
  • عُين أستاذاً بدار الحديث الحسنية بالرباط ما بين عامي 1964 و1965.
  • انتُخب رئيساً للمجلس البلدي بتطوان سنة 1972.

وتُظهر هذه المسؤوليات أن التهامي الوزاني لم يكن مجرد كاتب أو مؤرخ، بل كان فاعلاً تربوياً ومؤسسياً، ساهم في توجيه التعليم الديني والثقافي بمدينة تطوان.

مؤلفاته المطبوعة

ترك التهامي الوزاني عدداً من المؤلفات المهمة التي تدل على موسوعيته وسعة مداركه وحسن تفننه.

ومن أبرز مؤلفاته المطبوعة:

تاريخ المغرب

كتاب في ثلاثة أجزاء، اختصر في الجزأين الأولين كتاب “الاستقصاء”، وخصص الجزء الأخير للفترة التي سبقت الحماية، ثم لعهد الحماية إلى قيام الحركة الوطنية.

ويُعد هذا العمل من أهم مؤلفاته التاريخية.

الزاوية

وهو من أشهر كتبه، ترجم فيه لنفسه في بداية أمره عندما التحق بالزاوية الحراقية، كما أرخ فيه لهذه الزاوية اعتماداً على مشاهداته ومسموعاته.

ويُعتبر الكتاب وثيقة مهمة لفهم التجربة الروحية والثقافية للتهامي الوزاني، وكذلك تاريخ الزاوية الحراقية بتطوان.

المغرب الجاهلي

أرخ فيه للمغرب وشمال إفريقيا قبل الإسلام، وهو عمل يعكس اهتمامه بالتاريخ العميق للمنطقة قبل الفتح الإسلامي.

سليل الثقلين

قصة فلسفية بديعة، تبرز قدرته على الجمع بين الأدب والتأمل الفكري.

فوق الصهوات

كتاب عن العائلة الوزانية ووضعها بالمغرب وعلاقتها بملوكه، وقد نُشر في حلقات بجريدة “الريف”.

الباقة النضرة

مؤلف نشرت فصول منه بجريدة “الريف”، دعا فيه إلى إعادة النظر في قضايا الثقافة، ومزج الثقافة التقليدية بالثقافة العصرية والعلوم.

المقاومة المسلحة والحركة الوطنية في شمال المغرب

وهو من مذكراته عن الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة بشمال المغرب، وقد نشره الأستاذ محمد بن عزوز حكيم.

مقالاته الصحفية والفكرية

إلى جانب كتبه، كتب التهامي الوزاني مقالات كثيرة في الأدب والسياسة والاجتماع والدين والفلسفة والتصوف، نُشرت في الجرائد الوطنية والمجلات الأدبية.

ولو جمعت هذه المقالات ورتبت لكانت مؤلفات قيمة غزيرة الفائدة لطلاب العلم والباحثين.

أعماله المخطوطة

إلى جانب مؤلفاته المطبوعة، ترك التهامي الوزاني عدداً من الأعمال المخطوطة المهمة، من بينها:

الرفرف

وهو تفسير للقرآن الكريم، نشر المؤلف فصولاً منه على صفحات جريدة “الريف”.

النابغة المغوار دون كخيوطه دي لامانشا

وهو ترجمة ومحاذاة لكتاب “دون كيشوت” لميغيل دي ثيرفانطيس سافيدا، نقله التهامي بن عبد الله الوزاني عن الإسبانية.

ويعكس هذا العمل معرفته باللغة الإسبانية واهتمامه بالترجمة والأدب العالمي.

السنابل الخضر

شرح على الصلاة المشيشية، ويبرز اهتمامه بالتصوف المغربي والتراث الروحي.

دفاتر محفوظة بالمكتبة العامة بتطوان

توجد له دفاتر محفوظة في المكتبة العامة بتطوان، تضم عدداً من الأبحاث والكتابات، منها:

  • التفسير في أربعة دفاتر.
  • تاريخ المغرب في ثمانية دفاتر.
  • الوطنية المغربية في طورها الحاسم.
  • الثورة الفرنسية.
  • الرحلة الخاطفة في دفترين، وتتحدث عن الرحلة إلى الشرق لأداء فريضة الحج.
  • مذكرات عن مؤسسي الحركة الوطنية المغربية.
  • الشمال المغربي القبلي.
  • مذكرات عن قبيلة بني ورياغل.

وتؤكد هذه الدفاتر حجم انشغاله بالتاريخ والفكر والسياسة والرحلة والهوية المغربية.

شخصيته ومكانته العلمية

كان العلامة التهامي الوزاني رجلاً عالماً عاملاً، لا يريد أن يكون العلم مجرد نظريات فلسفية لا تجد طريقها إلى التطبيق.

كان يرى أن التعليم لا ينبغي أن يكون بمعزل عن التربية، وأن الحياة لا قيمة لها إن خلت من الجهاد والمجاهدة والإصلاح.

ولهذا عاش عصره في صراع مع نفسه ومع المجتمع، لا يجد راحته إلا في الدعوة إلى إصلاح النفوس، وتربيتها، وتهذيبها، ورسم المثل العليا لها.

أخلاقه وزهده

هذبه التصوف، فكان متسامحاً، متخلقاً بأخلاق فاضلة، يبذل من ماله بسخاء، ويعطف على المساكين والضعفاء، ويسعى إلى تأسيس المدارس، ويحب طلاب العلم، ويتساهل معهم، ويكرمهم، ويصفح عن زلاتهم، ويعاملهم كأخ لهم.

وكان مع ذلك زاهداً في الدنيا، قانعاً بالرزق الذي كتب له، سالكاً مسلك العفاف والكفاف، مترفعاً عن السؤال، تبدو عليه هيبة العلماء ووقار الصالحين.

أديب من الطراز الأول

كان التهامي الوزاني كاتباً أديباً من الطراز الأول، يجري قلمه بما يدور في خاطره من المعاني والتصورات وأنواع الخيال دون أن يعثر.

وكان يتناول موضوعات مختلفة، فلا يقصر فيها ولا يعجز عن الإحاطة بها.

وقد مكنته ثقافته الواسعة من الكتابة في التاريخ، والتصوف، والفلسفة، والسياسة، والأدب، والتربية، بل وحتى في موضوعات حديثة مثل الإنتاج السينمائي.

الوفاة والتأبين

توفي العلامة التهامي الوزاني سنة 1972م.

وبعد وفاته، أقامت رابطة علماء المغرب بتطوان مهرجاناً لتأبينه، وجادت في ذلك المهرجان قرائح الكتاب والشعراء بما عرفوا من فضل الفقيد وعلمه ومنزلته.

وكان هذا التأبين اعترافاً بمكانته العلمية والأدبية والوطنية، وبالأثر العميق الذي تركه في تطوان والمغرب.

لماذا يُعتبر التهامي الوزاني من أبرز شخصيات تطوان؟

  • وُلد بمدينة تطوان سنة 1905م.
  • حفظ القرآن وتلقى العلم على شيوخ تطوان.
  • تأثر بالزاوية الحراقية وكتب عنها كتابه “الزاوية”.
  • ساهم في الحركة الوطنية بشمال المغرب.
  • كان من أبرز أعضاء حزب الإصلاح الوطني.
  • أسس جريدة “الريف” وتولى تحريرها.
  • ترأس جمعية الطالب المغربية بين 1940 و1945.
  • تولى مناصب علمية وتربوية ودينية مهمة.
  • عُين عميداً لكلية أصول الدين بتطوان.
  • ترأس المجلس العلمي بمدينة تطوان.
  • انتُخب رئيساً للمجلس البلدي بتطوان سنة 1972.
  • ترك مؤلفات في التاريخ والتصوف والأدب والفكر.
  • يُعتبر من كبار أعلام تطوان في القرن العشرين.

الأسئلة الشائعة

من هو العلامة التهامي الوزاني؟

التهامي الوزاني عالم وأديب ومؤرخ وصحفي وطني من مدينة تطوان، وُلد سنة 1905م، ويُعد من أبرز أعلام المدينة خلال القرن العشرين.

ما أشهر مؤلفات التهامي الوزاني؟

من أشهر مؤلفاته: “تاريخ المغرب”، “الزاوية”، “المغرب الجاهلي”، “سليل الثقلين”، “فوق الصهوات”، و“المقاومة المسلحة والحركة الوطنية في شمال المغرب”.

ما علاقة التهامي الوزاني بالزاوية الحراقية؟

التحق بالزاوية الحراقية وتأثر بجوها الروحي والموسيقي، وكتب عنها كتابه “الزاوية”، الذي جمع فيه بين السيرة الذاتية والتأريخ للزاوية.

ما دوره في الحركة الوطنية؟

ساهم في الحركة الوطنية بشمال المغرب، وكان من أبرز أعضاء حزب الإصلاح الوطني، وأسس جريدة “الريف” التي كانت لسان الحزب.

هل شغل مناصب تعليمية ودينية؟

نعم، شغل عدة مناصب، منها مدير المعهد الوطني، ومدير المعهد الديني العالي، وعميد كلية أصول الدين بتطوان، ورئيس المجلس العلمي للمدينة.

متى توفي التهامي الوزاني؟

توفي سنة 1972م، وأقامت رابطة علماء المغرب بتطوان مهرجاناً لتأبينه.

كلمات مفتاحية SEO

.

بقلم : الدكتور إدريس خليفة
المراجع : الزاوية

Comments

  • No comments yet.
  • Add a comment